​الحزن سقف البيت في الجنوب

إيلي الحاجالثلاثاء 2026/05/12
Image-1778519638
في مهب العدم (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

"أجملُ ما في الأرضِ أن أبقى عليها" (جوزف حرب)

 

​كانت معارك البوادي في الماضي القديم تمتدّ عقوداً، يتوارثونها كأنها نمط عيشٍ متنقل. تنطلق قبيلة من واحة وتجتاح خياماً. تحمل المغانم ثم تنسحب. المهزوم لم يكن يخسر وطناً بل جولة. يعود إلى الواحة، ينصب الخيام، وينفخ في رماد الثأر في انتظار غزوة تالية يتلقّاها أو يشنّها. كانت الأرض مجرد مسرح كرّ وفرّ. البيتُ خيمةً تُحمل على الأكتاف.

​التساؤلٌ المرّ اليوم: أهذا هو التكتيك المتبع في الجنوب؟ هل نحن في صدد تنظيم ماضوي إلى درجة اعتبار القرى والبلدات مجرد "واحات" أو أرض مناوشات، حيث "الصمود" و"المعنى" يكمنان في مواصلة المعارك أو الاستعداد لاستئنافها حتى لو تحوّل العمران ركاماً عميماً، تحت عنوان التضحية بالجغرافيا في سبيل بقاء فكرة القتال؟

 

جرافات المحو

​أخبرني صديقٌ من رميش، وهو يتفقد بأسى قطعة أرضٍ يزرعها بشتول التبغ، كما يفعل أهل الجنوب عادة هذه الأيام، أنه بالكاد استطاع الإطلالة على جهة عيتا الشعب. رأى هناك ما لا يستوعبه عقل: نحو اثنتي عشرة جرافة مدرعة ضخمة من نوع (D9)، بارتفاع طبقة ونصف، تعمل بآلية "المحو" الشامل في حيّ واحد قبالته. هذا نوع من الجرافات يحوّل البلدة وشبيهاتها، التي صارت مدناً بجنى الأعمار، إلى ما يشبه ملعب كرة قدم.

​هذا هو الفرق الجوهري. في الماضي كان "الكر والفر" يتركان الأرض كما هي، أما اليوم فإن وحوش الجيش الإسرائيلي الآليّة تتبع استراتيجية "تسطيح الذاكرة". لم يعد "الكر والفر" تكتيكاً عسكرياً، بل صار استنزافاً لمجتمع مكشوفٌ ظهره لتكنولوجيا تمحو معالمه، بكبسة زر وجرافة عملاقة.

 

عمارة الروح

​في البوادي، لم يكن للبيت معنى لأنه كان خيمة ومجموعة أغراض. اليوم، البيوت هي أهلها من جيلٍ إلى جيل. البيت تراكمُ أعمار، وذاكرة أجيال، وسنوات تعب مديد في داخل البلد أو في دول الاغتراب من أفريقيا إلى أميركا. عندما يسقطُ بيتٌ اليوم، لا يفلتُ "وتد" نغرزه غداً في الرمل، بل تنهار حياة كاملة.

"​فيلسوف الأدباء" الفرنسي غاستون باشلار كتب أجمل ما يُكتب في هذا السياق: "البيت هو ركننا من العالم. هو كوننا الأول الذي يحمي الحالم". لذا، حين تُجرف عيتا الشعب أو يارون أو حولا أو بنت جبيل أو غيرها، لا تُهدم الحجارة، بل تُهدم "السكينة". وبما أن الأرض لم تعد تتحمل الخيام، فقد رحلت البيوت لتسكن قلوب أهلها وأحلامهم الواجفة. إنها صرخة الفيلسوفة سيمون فاي ضد "الاقتلاع". فالإنسان الذي تُسوى قريته بالأرض يُنزع من جذور تاريخه ويُرمى في مهب العدم. ولعلّ في ما يكتبه أحمد وعباس بيضون وبادية فحص ورشا الأمير وبلال خبيز ورولا حسين وديانا مقلّد، مع حفظ الألقاب، وكثيرات وكثيرين يتعذر حصرهم، ملامح للوجع الروحي الهائل الذي يساور أهالي البيوت المردومة أو ينتابهم على الدوام. 

 

خيانة الفرح

​في رحلة السبت المعتادة مع رفاق ورفيقات الدرب، وكان مسارنا هذه المرة في "وادي أرصون"، اكتشفنا مشتركاً مؤلماً: الشعور بالذنب. صار الفرحُ ثقيلاً، لكأنه فعلُ خيانة. كيف نستنشق عبير الوادي ونشوة الطبيعة بأشكال ألوان وثورة الأخضر على الشجر ، حين الحزنُ على الناس، وعلى العمران المجروف في الجنوب، يُطبق على الآفاق والصدور؟

​هذا "المنفى" الذي تحدث عنه ألبِر كامو نعيشه اليوم ونحن في أرضنا. نشعر بغربة الجسد حين يرى "ملكوت" الآخرين (بيوتهم) يتحول مسطحات ترابية تحت جنازير الـ (D9).

​تغيّر الزمن، تغيّر كثيراً عما كان في معارك قبائل صحراوية. صار البقاء الحقيقي يتطلب حماية مَن يعطي الأرض قيمتها: الإنسان وسكينته. أما المراهنة على منطق "النزوح ثم العودة لنصب الخيمة"، فهي استقالة من العصر، وإمعانٌ في ذبح الأرواح، على أطلال بيوتٍ لم تعد لها أسقف وجدران ومعالم، سوى نبضات القلوب الحزينة. ولا مداخل وأبواب غير ذكريات وأحلام، على غرار أحبّاء غادروا على عجل وقبل الأوان.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث