هي لحظة الذروة السّياسيّة والأمنيّة، حيث يتدحرج المشهد اللّبنانيّ بين تصعيدٍ إسرائيليّ متدرّج في الجنوب والبقاع، وتوغّلاتٍ بريّة وعمليّات نسفٍ وتدميرٍ وتهجيرٍ قسريّ لعشرات القرى، وبين مسار تفاوضيّ مباشر يُفترض أن تُستأنف جولته الثّالثة في واشنطن بعد يومين، بمشاركة السّفير السّابق سيمون كرم، وبرعايةٍ أميركيّةٍ يواكبها السّفير الأميركيّ ميشال عيسى بحراكٍ سياسيّ شمل الرؤساء الثّلاثة. يأتي ذلك وسط فشل الاتصالات في انتزاع وقف إطلاق نار مسبق، وبين إنذارات إخلاء تجاوزت ثمانين قرية، كان آخرها سحمر في البقاع الغربيّ، وأرزون، طير دبّا، البازوريّة، والحوش، وبين إعلان إسرائيل تنفيذ عمليّة واسعة شمال نهر اللّيطاني، يبدو أنّ تل أبيب تفاوض تحت النار، وتستخدم الهدنة الهشّة غطاءً لتثبيت وقائع ميدانيّة جديدة.
عدوانٌ يتدحرج وقرى تُدفع إلى الفراغ
يومًا بعد يوم، تتوسّع رقعة العدوان الإسرائيليّ على الجنوب والبقاع، لا بوصفه ردًّا عسكريًّا محدودًا، بل كمسارٍ منظّم لإفراغ القرى من سكّانها، وتدمير البنية العمرانيّة والاجتماعيّة التي تُبقي الجنوب حيًّا. فالإنذارات التي يوجّهها جيش الاحتلال إلى الأهالي لم تعد إجراءً ظرفيًّا، بل تحوّلت إلى أداة ضغطٍ وتهجير، تُضاف إليها الغارات العنيفة وعمليّات النسف التي تطاول المنازل والمباني بذريعة وجود أهداف عسكريّة.
كلّ ذلك يجري وسط عجزٍ داخليّ وصمتٍ دوليّ، وعلى مسافة يومين من الجولة الثّالثة للمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن. وقد فشلت الاتصالات في تأمين وقف إطلاق نار مسبق، فيما جال السفير الأميركيّ ميشال عيسى على الرؤساء الثّلاثة، عارضًا جدول أعمال الجولة، ومطالبًا بموقفٍ رسميّ مؤيّد للمفاوضات، كما كرّر طلبه ترتيب لقاء بين رئيس الجمهوريّة جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو.
وتبدو التوقّعات من الجولة محدودة، إذ لا تتجاوز، في أحسن الأحوال، تمديد هدنة هشّة تستثمرها إسرائيل لمواصلة عدوانها، بدل أن تكون مدخلًا إلى وقف فعليّ للنار. وهنا تكمن المفارقة الأخطر: لبنان يُدفع إلى التفاوض فيما قراه تُقصف، وسكّانه يُهجّرون، وإسرائيل ترفع سقف شروطها بالميدان قبل أن تضعها على الطاولة.
تلويحٌ بتوسيع العمليّات البرّيّة
قبل يومين من موعد الجولة، هدّدت إسرائيل بتوسيع عمليّاتها البرّيّة في لبنان، بانتظار قرارات المستوى السياسيّ. وادّعت أنّه "في ظلّ وقف إطلاق النار والانتهاكات المستمرّة من قبل حزب الله، يستعدّ الجيش الإسرائيليّ بالفعل على الأرض لتوسيع عمليّاته البرّيّة في لبنان".
وأضافت أنّ الجيش يجري التحضيرات اللازمة "من أجل خلق إمكانيّة توسيع القتال، وفقًا للقرار الذي سيتّخذه المستوى السياسيّ الإسرائيليّ". ونُقل عن مصدر في الجيش الإسرائيليّ قوله: "نحن نستعدّ لاحتمال أن يمنح الجانب السياسيّ الضوء الأخضر لتوسيع العمليّة في لبنان، ونستعدّ لذلك على الأرض". وبحسب الرواية الإسرائيليّة، فإنّ "ثلاث فرق عسكريّة تعمل في لبنان حتّى الآن".
وتتزامن هذه التهديدات مع كلفة بشريّة مرتفعة. فقد أفادت وزارة الصحّة، اليوم الثّلاثاء، باستشهاد 380 شخصًا على الأقلّ في لبنان، بينهم 22 طفلًا و39 امرأة، جرّاء الغارات الإسرائيليّة منذ بدء سريان الهدنة مع حزب الله في 17 نيسان، أبريل الماضي. وقال مسؤول في الوزارة لوكالة "فرانس برس" إنّ هذا العدد يأتي من أصل نحو 2900 شهيد منذ اندلاع الحرب في الثاني من آذار..
شمال اللّيطاني: رسالة عسكريّة قبل التفاوض
في ظلّ التصعيد المستمرّ، كشفت إسرائيل عن تنفيذ عمليّة عسكريّة واسعة شمال نهر اللّيطاني استمرّت أكثر من أسبوع، في توقيتٍ لا يبدو منفصلًا عن مسار واشنطن. فالعملية، كما قدّمها الجيش الإسرائيليّ، شملت توغّلًا بريًّا وغارات جويّة مكثّفة، واستهدفت، وفق روايته، بنى تحتيّة ومواقع تابعة لحزب الله.
وتحدّث الجيش الإسرائيليّ عن استكمال "عمليّة خاصّة للسيطرة العمليّاتيّة على منطقة اللّيطاني"، قائلًا إنّ قوّات من غولاني، بقيادة الفرقة 36، نفّذت العملية الأسبوع الماضي لـ"تطهير المنطقة"، ورصدت مواقع يستخدمها عناصر حزب الله، ومخابئ تحت الأرض تحتوي على كميّات كبيرة من الأسلحة، ومستودعات وقاذفات صواريخ.
كما أعلن أنّ قوّاته شنّت غارات على أكثر من 100 هدف قتاليّ، وقضت على عشرات العناصر في اشتباكات، بعد تطويق المنطقة جوًّا، مشيرًا إلى رصد ممرّ تحت الأرض كان يستخدمه عناصر حزب الله. ونقل البيان عن عنصر في جيش الاحتلال قوله: "خلال الهجوم، استولينا على أهداف مختارة، كشفنا خلالها بنية العدوّ التحتيّة، ومواقع إطلاق الصواريخ، والأنفاق".
رواية إسرائيليّة موضع تشكيك
في المقابل، لم تمرّ الرواية الإسرائيليّة بلا تشكيك. فبينما نشر الجيش الإسرائيليّ صورًا قال إنّها توثّق العبور إلى شمال اللّيطاني، برزت ترجيحات بأنّ بعض هذه المشاهد قد لا يكون حديثًا، وأنّه يعود إلى عمليّات سابقة نُفّذت خلال عام 2024. وهذا التشكيك لا يلغي خطورة الحدث، لكنّه يضعه في سياق حرب نفسيّة وإعلاميّة تحاول تل أبيب من خلالها تضخيم المنجز الميدانيّ، وإرسال رسالة مزدوجة إلى حزب الله والسلطة اللّبنانيّة عشية التفاوض.
وكانت القناة الإسرائيليّة 12 قد تحدّثت عن عملية استمرّت عشرة أيّام "بهدف الوصول إلى المنطقة التي أطلق منها حزب الله الصواريخ والطائرات المسيّرة"، فيما قالت إذاعة الجيش الإسرائيليّ إنّ قوّات إيغوز وغولاني عبرت نهر اللّيطاني سرًّا، وتمركزت على مشارف قرية زوطر الشرقيّة، على بُعد نحو عشرة كيلومترات من إسرائيل.
وأكّدت الإذاعة أنّ العمليّة، التي مُنع النشر عنها سابقًا، شهدت اشتباكات قريبة المدى مع عناصر حزب الله، أسفرت عن إصابة عدد من الجنود الإسرائيليّين. وذكرت القناة 14 العبريّة أنّ عدد المصابين بلغ ثمانية، إضافة إلى مقتل كلب هجوميّ تابع لوحدة "عوكتس". وبحسب الرواية الإسرائيليّة، خرج عناصر من نفق شمال اللّيطاني واشتبكوا مع القوّات من مسافة قريبة، فيما ادّعت إذاعة الجيش أنّ مقاتلي غولاني قتلوا نحو 70 مسلّحًا.
كيف عُبر اللّيطاني؟
كشفت القناة 12 الإسرائيليّة أنّ عبور نهر اللّيطاني تمّ باستخدام مركبات مدرّعة ثقيلة، بينها ناقلات جنود مدرّعة تابعة لدوريّة غولاني، بما أظهر، وفق تعبيرها، القدرة على عبور النهر ومهّد لإمكانيّة تكرار ذلك مستقبلًا. وأضافت أنّ القوّات نفّذت أعمالًا داخل مجرى النهر نفسه لإتاحة عبور المركبات الثقيلة والمدرّعة إذا تقرّر توسيع العملية لاحقًا.
وتحدّثت تقارير إسرائيليّة عن إدخال دبابات وناقلات جند مدرّعة من طراز "إيتان" إلى مجرى النهر، وعن تنفيذ أعمال هندسيّة لتسهيل دخول القوّات إلى المنطقة، بالتوازي مع إزالة بنى تحتيّة قتاليّة قرب المستوطنات الشماليّة. كذلك نشر أفيخاي أدرعي تعليقًا عبر منصّة "إكس"، أرفقه بصورة لجنود إسرائيليّين عند نهر اللّيطاني، وكتب: "قالوا سنخوض البحر معك، فقالت الصورة لجنودنا على نهر اللّيطاني شيئًا آخر".
قاسم: التفاوض غير المباشر لا المجّاني
في المقابل، أكّد الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم أنّ "الاتفاق الإيرانيّ الأميركيّ الذي يتضمّن وقف العدوان على لبنان يكاد يكون الورقة الأقوى لإيقاف العدوان"، شاكرًا إيران على اهتمامها بلبنان وشعبه، و"أيّ جهة تُساهم في وقف العدوان".
واعتبر قاسم أنّ "مسؤوليّة التفاوض تبقى لتحقيق أهداف لبنان السياديّة من مسؤوليّة السلطة في لبنان"، مؤكدًا الاستعداد للتعاون معها لتحقيق خمس نقاط: سيادة لبنان عبر وقف العدوان الإسرائيليّ بحرًا وبرًّا وجوًّا، تحرير الأرض بخروج العدوّ من الأراضي المحتلّة وانتشار الجيش اللّبنانيّ في جنوب نهر اللّيطاني، تحرير الأسرى، عودة الناس إلى قراهم وبلداتهم، وإعادة الإعمار.
ودعا قاسم إلى "خيار المفاوضات غير المباشرة حيث أوراق القوّة بيد المفاوض اللّبنانيّ"، وإلى الانسحاب من المفاوضات المباشرة التي وصفها بأنّها "أرباح خالصة لإسرائيل، وتنازلات مجانيّة من السلطة اللّبنانيّة". وشدّد على أنّ السلاح والمقاومة وتنظيم شؤون الدولة الداخليّة "مسألة لبنانيّة داخليّة وليست جزءًا من التفاوض مع العدوّ".
وقال قاسم: "لن نترك الميدان وسنحوّله جحيمًا على إسرائيل، وسنردّ على العدوان والانتهاكات، ولن نعود إلى ما قبل 2 آذار"، مضيفًا في رسالة إلى المقاومين: "محلّقاتكم تعانق الأرض وتخنق المحتلّ الإسرائيليّ. مسيّراتكم تُرعب أشرار الأرض وطغاتها. صواريخكم تزلزل حياتهم ويعيشون القلق والأزمات النفسيّة".
العفو العام: جبهة داخليّة موازية
إلى ذلك، وفي إطار السجال المفتوح بشأن العفو العام، عقد عدد من النوّاب السنّة اجتماعًا موسّعًا وطارئًا، جرى خلاله البحث في آخر المستجدّات المتعلّقة بالملفّ، في ضوء الاتصالات واللقاءات القائمة مع رؤساء الجمهوريّة ومجلس النوّاب والحكومة، إلى جانب مختلف القوى والمرجعيّات السياسيّة.
وشارك في الاجتماع النوّاب: بلال الحشيمي، إيهاب مطر، وضّاح صادق، فيصل كرامي، أحمد الخير، أشرف ريفي، فؤاد مخزومي، عبد الرحمن البزري، محمّد سليمان، عبد العزيز الصمد، نبيل بدر، طه ناجي، عدنان طرابلسي، وليد البعريني، حسن مراد، محمّد يحيى، كريم كبّارة، بلال عبد الله، إبراهيم منيمنة، وعماد الحوت.
وأكّد المجتمعون أنّ ملفّ العفو العام هو ملفّ وطنيّ وإنسانيّ بامتياز، من شأنه رفع الظلم عن شرائح واسعة من الشعب اللّبنانيّ. وأشاروا إلى أنّه بلغ مرحلة متقدّمة داخل اللجان المشتركة، بعد تقدّم ملموس في تقريب وجهات النظر حول عدد من البنود الأساسيّة، مشدّدين على ضرورة عدم إبطاء المسار أو عرقلة الوصول إلى النتيجة المرجوّة.
اللجان المشتركة هي الطريق
شدّد النوّاب المجتمعون على أنّ موقفهم موحّد وثابت، ويقوم على دعم أيّ مسعى جدّي يفضي إلى إقرار عفو عام عادل ومتوازن، يعالج حالات المظلوميّة القائمة، ويحفظ في الوقت نفسه الاستقرار وهيبة الدولة ومؤسّساتها. واعتبروا أنّ الملفّ لم يعد يحتمل مزيدًا من التأجيل أو المراوحة السياسيّة.
كما أكّدوا أنّ اللقاءات والمشاورات السياسيّة يجب أن تكون عنصر دعم لمسار عمل اللجان المشتركة، لا بديلًا عنه، باعتبار أنّ المكان الطبيعيّ لحسم الملفّ يبقى ضمن المؤسّسات الدستوريّة والمجلس النيابيّ. ودعوا إلى عقد اجتماع طارئ وفتح جلسات اللجان المشتركة خلال مهلة لا تتجاوز أسبوعًا، لاستكمال البحث والبتّ النهائيّ في بنود اقتراح قانون العفو العام، تمهيدًا لإحالته إلى الهيئة العامّة.
وبين واشنطن واللّيطاني، تبدو إسرائيل كمن يفاوض بالنار، ويحوّل الهدنة إلى مساحة ضغطٍ لا إلى فرصة تهدئة. أمّا لبنان، فيدخل المفاوضات مثقلًا بعدوانٍ مفتوح، وانقسامٍ حول شكل التفاوض وحدوده، وملفّات داخليّة ضاغطة، من العفو العام إلى إعادة الإعمار وعودة النازحين. هكذا تتداخل الجبهتان الخارجيّة والداخليّة في اختبار واحد: هل تستطيع الدولة أن تحمي سيادتها من دون تنازلات مجانيّة، وأن تدير خلافاتها الداخليّة بمنطق العدالة والمؤسّسات لا بمنطق التعطيل والمساومات؟




