فوق جسر قمار الذي يربط منطقة وادي خالد اللبنانية بريف حمص السوريّ، فتحت البوابة الحدودية في "البقيعة" ذراعيها من جديد وذلك صبيحة يوم الاثنين، مع اعلان افتتاحها جزئياً للمشاة، بعد مرحلة من الشلل والدمار اللذين طالا البنية التحتية جراء غارات عام 2024. مئات العابرين وجدوا في هذا الافتتاح الجزئي فرصة لاستعادة مسارات حياتية واجتماعية كانت قد انقطعت قسراً، محولين المعبر إلى خلية نحل منذ ساعاته الأولى.
الافتتاح الكلّي خلال شهر
تؤكد مصادر أمنية سورية في حديث خاص لـ"المدن" أن الأيام الأولى لافتتاح معبر "البقيعة" شهدت تدفقاً لافتاً، حيث تراوحت أعداد العابرين بالمئات يومياً. هذه الحركة النشطة تتركز حالياً في هذا المنفذ الحيوي الشرعي كونه الوحيد الذي يعمل جزئياً إلى جانب معبر "العريضة"، في حين يظل معبر "الدبوسية" غارقاً في سباته بانتظار اكتمال اعمال الترميم. في معبر البقيعة يقتصر العبور حالياً على فئات محددة تستوفي شروطاً قانونية، تشمل الحالات العائلية من المتزوجين والمتزوجات من الطرفين، وأبناء السوريات، وحاملي الإقامات السارية، وأصحاب الملكيات العقارية المسجلة في سوريا، بالإضافة إلى الحالات الطبية والنقابية، وفق بروتوكول تنظيمي دقيق يحكم حركة الدخول والخروج في هذه المرحلة.
وعند البحث في أسباب تأخر الافتتاح الكلي والشامل، تبرز عقبتان أساسيتان؛ الأولى تتعلق بمسألة التنسيق الرسمي بين الدولتين لفتح المعابر أمام عموم المواطنين دون استثناء، وهو ما يحتاج إلى تفاهمات إدارية وسياسية لم تكتمل فصولها حتى الساعة. أما الثانية، فتتمثل في الجانب الفني الميداني، إذ تؤكد المصادر الأمنية من كلا الجانبين جهوزيتها التامة من حيث العناصر والقرار، معتبرة أن العائق الوحيد المتبقي هو محض "لوجستي" يرتبط باستكمال التجهيزات في ساحات المعبر، ويتوقع تذليله خلال مدة أقصاها شهر واحد ليعود الافتتاح الكلي كواقع ملموس فور إتمام تلك التحسينات التقنية.
من "جحيم" الركود إلى "جنة" الحركة
علاوة على البعد الجغرافي، يحمل معبر "البقيعة" قيمة اقتصادية كبيرة تتجلى بوضوح في اعادة الحياة الى المحال التجارية ومكاتب الصرافة الممتدة على جانبي الطريق الحدودي. يختصر "كريم"-وهو صاحب محل تجاري-هذا الواقع بالقول لـ"المدن": "المعبر هو شريان الحياة الحقيقي، واصفاً إياه بهمزة الوصل التي تربط بلدين وشعباً واحداً. يضيف كريم بلهجة ملؤها التفاؤل أن الحركة النشطة للمعبر حوّلت الحياة من "نار الى جنّة" سيّما وأن هذه المحال تقتات عليها مئات العائلات في القرى الحدودية التي عانت طويلاً من الدمار.
العريضة والدبوسية: ورش الإعمار على قدم وساق
في جولة ميدانية شملت معبري "الدبوسية" و"العريضة"، تبدو ورش الإعمار في سباق حقيقي مع الزمن. في "العريضة"، الذي يربط شمال لبنان بمحافظة طرطوس، تواصل الجرافات والحفارات عملها دون توقف لترميم ما دمرته فيضانات النهر الكبير الجنوبي مطلع العام الحالي. تلك الكارثة الطبيعية التي أدت حينها إلى انهيار الجسر وخروجه عن الخدمة، باتت اليوم جزءاً من الماضي مع اقتراب انتهاء أعمال التأهيل وتعبيد الساحات. وتشير المعطيات الأمنية من كلا الطرفين لـ"المدن" إلى أن النصف الثاني من شهر تموز المقبل هو الموعد المرتقب لانتهاء كافة أعمال الترميم في "العريضة".
وبانتظار اكتمال ورش الإعمار المرتقبة، تتهيأ الحدود الشمالية لدخول معادلة ميدانية جديدة تحكمها المعابر الشرعيّة في مواجهة سبعة عشر معبراً غير شرعي كانت قد استغلت ما لحق من دمار وغياب للرقابة طوال العامين الماضيين. وعليه، ستكون عودة العمل في "البقيعة" و"العريضة" و"الدبوسية" تجسيداً لواقعٍ تنحسر فيه مسارات الظل لصالح العبور الشرعي المنظم، حيث يتحول دور الدولة من حراسة الركام إلى إدارة شرايين اقتصادية وأمنية، وتنتهي معه عزلة بلدات عانت طويلاً من الوجود خارج خارطة الخدمات الرسمية.




