لبنان "محاصر" بالمفاوضات.. وإسرائيل تلوّح بتوسيع حربها

مانشيت - المدنالاثنين 2026/05/11
Image-1777541518
التلويح الإسرائيلي يضع المفاوضات المقبلة أمام اختبار مبكر (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

عشيّة الجولة الثّالثة من المفاوضات اللّبنانيّة، الأميركيّة، الإسرائيليّة في واشنطن، يتحرّك لبنان على خطّ تثبيت وقف إطلاق النّار بوصفه مدخلًا إلزاميًّا لأيّ تفاوض، فيما تردّ إسرائيل بتوسيع الاعتداءات جنوبًا وبقاعًا، وتلوّح بتوسيع عمليّتها البرّيّة بذريعة "خروقات حزب الله". وبين زيارة السّفير الأميركي ميشال عيسى بعبدا وعين التّينة والسّراي قبل انتقاله إلى واشنطن، وتوجّه السّفير السّابق سيمون كرم حاملًا توجيهات رئاسيّة واضحة، تبدو المعادلة ضاغطة: لبنان يطلب وقف الحرب، إطلاق الأسرى، الانسحاب، إعادة الإعمار، ونشر الجيش حتّى الحدود الدّوليّة، فيما تمارس إسرائيل تفاوضًا بالنّار وتربط جبهة لبنان بمآلات المواجهة الإقليميّة مع إيران. وفي الخلفيّة، يفتح رفض الرّدّ الإيراني على المقترح الأميركي الباب أمام ستاتيكو سلبيّ طويل، أو عودة الحرب، بينما تتحرّك الحكومة لتوثيق جرائم الحرب ورفع الملفّ إلى الأمم المتّحدة ومجلس حقوق الإنسان، وسط اتّساع كلفة العدوان بشريًّا وميدانيًّا واقتصاديًّا.

 

واشنطن على موعد مع اختبار لبنانيّ حاسم

عشيّة انعقاد الجولة الثّالثة من المفاوضات اللّبنانيّة مع إسرائيل، برعاية أميركيّة، زار السّفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى، قبل توجّهه إلى واشنطن، رئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون، حيث جرى عرض آخر التّطوّرات المتّصلة بالاجتماع اللّبناني، الأميركي، الإسرائيلي المرتقب هذا الأسبوع في العاصمة الأميركيّة.

وشدّد عون أمام السّفير الأميركي على ضرورة أن تمارس واشنطن ضغطًا جدّيًّا على إسرائيل لوقف إطلاق النّار، ووقف الأعمال العسكريّة، ونسف المنازل وجرفها، باعتبار أنّ استمرار هذه الاعتداءات ينسف أيّ إمكان لتفاوض منتج، ويحوّل المسار الدّبلوماسي إلى غطاء سياسيّ لاستمرار العمليّات الميدانيّة.

في المقابل، نقلت "القناة 12" الإسرائيليّة عن مصدر في الجيش قوله: "نستعدّ ميدانيًّا لتوسيع العمليّة البرّيّة في لبنان، على خلفيّة خروقات حزب الله المستمرّة لاتّفاق وقف إطلاق النّار".

هذا التّلويح الإسرائيلي يضع المفاوضات المقبلة أمام اختبار مبكر، إذ إنّ تل أبيب تذهب إلى واشنطن بخطاب سياسيّ يتحدّث عن التّفاوض، وبسلوك عسكريّ يوسّع رقعة النّار في الجنوب والبقاع، ويُبقي لبنان تحت ضغط الغارات والقصف والإنذارات اليوميّة بالإخلاء.

 

عيسى بين عين التّينة والسّراي

وفي إطار جولته على المسؤولين، استقبل رئيس مجلس النّوّاب نبيه برّي، في مقرّ الرّئاسة الثّانية في عين التّينة، السّفير الأميركي ميشال عيسى، وتناول اللّقاء تطوّرات الأوضاع في لبنان والمنطقة، وآخر المستجدّات المتّصلة بالمسار التّفاوضي.

كذلك استقبل رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، في السّراي، السّفير الأميركي، وعرض معه آخر التّطوّرات في المنطقة، والتحضير للاجتماع المرتقب في واشنطن هذا الأسبوع. وشدّد سلام على ضرورة ممارسة ضغط فعليّ على إسرائيل لوقف الاعتداءات والخروقات المتواصلة، بما يتيح تثبيت وقف إطلاق النّار وفتح الباب أمام معالجة الملفّات الأخرى.

وكان السّفير السّابق سيمون كرم قد سبق عيسى إلى واشنطن، بعد زيارته رئيس الجمهوريّة وتلقّي توجيهاته بضرورة أن يكون وقف إطلاق النّار البند الأوّل في المفاوضات، المقرّر أن تُعقد على مدى يومين.

ويراهن لبنان على الولايات المتّحدة للحصول على ضمانة واضحة تُلزم إسرائيل التقيّد بوقف إطلاق النّار، تمهيدًا لاستكمال المفاوضات وعرض ورقة الشّروط اللّبنانيّة، التي تشمل تثبيت وقف النّار، إطلاق الأسرى، انسحاب إسرائيل، إعادة الإعمار، ونشر الجيش اللّبناني في الجنوب حتّى الحدود الدّوليّة.

غير أنّ إسرائيل تواصل اعتماد نهج "التّفاوض بالنّار"، عبر توسيع رقعة العدوان، وتكثيف الغارات على الجنوب، وإدخال مناطق في البقاع ضمن دائرة الإنذارات اليوميّة التي يوجّهها المتحدّث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، مطالبًا بالإخلاء.

 

إيران في الخلفيّة: المنطقة بين حرب وستاتيكو

إقليميًّا، فتح رفض الرّئيس الأميركي دونالد ترامب الرّدّ الذي قدّمته إيران، عبر الوسيط الباكستاني، على مقترح واشنطن لإنهاء الحرب، المنطقة على احتمالين كلاهما مُرّ: استئناف الحرب على إيران، أو استمرار المفاوضات بالمراسلة، بما يعني بقاء الستاتيكو السّلبي في المنطقة.

وفي ظلّ هذا الجمود، يتواصل العدوان الإسرائيلي على لبنان، وتستمرّ عمليّات تدمير البلدات الجنوبيّة في مشهد يقترب، في نمطه التّدميري، ممّا شهدته غزّة، حيث تتحوّل الضّغوط العسكريّة إلى أداة تفاوضيّة وسياسيّة مفتوحة.

ومع تراجع الأمل بالتوصّل إلى اتّفاق أميركي- إيراني قريب، تتّجه الأنظار إلى واشنطن وما ستحمله الجولة الثّالثة المباشرة بين لبنان وإسرائيل يومي الخميس والجمعة، بمشاركة السّفير السّابق سيمون كرم للمرّة الأولى.

ويحمل الوفد اللّبناني مطلب وقف الحرب كبند أوّل على جدول الأعمال، فيما تبدو إسرائيل كأنّها أرسلت ردّها مسبقًا عبر توسيع اعتداءاتها في الجنوب، الذي بات مسرحًا لغارات عنيفة وقصف مدفعي متواصل، يؤدّي إلى سقوط شهداء وجرحى بشكل شبه يومي.

وفي هذا السّياق، اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنّ الحرب مع "حزب الله" يجب أن تستمرّ، حتّى لو انتهت المواجهة مع إيران. وقال، في مقابلة مع شبكة "CBS": "ما تودّ إيران فعله هو أن تقول: إذا توصّلنا إلى وقف لإطلاق النّار هنا، فإنّنا نريد وقفًا لإطلاق النّار هناك، في لبنان، أيضًا".

وأضاف نتنياهو: "ما نتحدّث مع لبنان بشأنه هو كيف يمكننا أن نعمل معًا عسكريًّا وسياسيًّا، وربّما عبر تقسيم الأدوار، للتخلّص من حزب الله. وهذا لم يتحقّق بعد، لكنّه يجب أن يتحقّق"، معتبرًا أنّ "حزب الله في الأساس وكيل لإيران، وهي تفرض نفوذها على لبنان. ليست لدينا أيّ عداوة مع لبنان، ويمكننا أن نصنع السّلام معه، ونرغب في ذلك البارحة قبل اليوم، لكن هناك هذا الكيان المدعوم من إيران، المنظّمة الإرهابيّة التي اختطفت البلد".

وتابع: "يتحدّثون في لبنان عن القضاء على حزب الله، وهذا أكيد، لأنّهم يريدون الحرّيّة. فمن الذي قد يرغب في أن تستولي هذه الجماعة من القتلة والمجرمين على بلده؟ بالتّأكيد يريدون أن يكونوا أحرارًا، لكنّهم لم يُظهروا بعد القدرة على مواجهته"، مشيرًا إلى أنّ "إضعاف النّظام الإيراني بشكل كبير، أو إسقاطه، قد يعني نهاية حزب الله، ونهاية حماس، وربّما نهاية الحوثيّين. إسقاط النّظام ممكن، لكنّه ليس مضمونًا".

 

الحكومة توثّق جرائم الحرب

داخليًّا، شدّد رئيس الحكومة نواف سلام على ضرورة توثيق جرائم الحرب الإسرائيليّة ورفعها إلى الأمم المتّحدة، متوقّفًا عند توسّع الاعتداءات الإسرائيليّة على لبنان. وجاء موقفه خلال ترؤّسه الاجتماع الوزاري الدّوري.

ونقل وزير الإعلام بول مرقص، بعد الاجتماع، أنّ سلام كشف عن اتّفاق مع المفوّضيّة السّامية لحقوق الإنسان لزيارة لبنان قريبًا، والتحقّق من جرائم الحرب المرتكبة فيه. كما أشار إلى العمل لعقد جلسة لمجلس حقوق الإنسان في جنيف.

وفي ملفّ الشّكاوى الدّوليّة، أوضح مرقص أنّ تنسيقًا قائمًا بين الوزارات المختصّة لاستكمال توثيق الدّمار والخسائر والأضرار، بالتّعاون مع المؤسّسات الدّوليّة، ولا سيّما البنك الدّولي، والاستعانة بصور الأقمار الاصطناعيّة. وتولّت كلّ وزارة توثيق الأضرار ضمن نطاق اختصاصها، خصوصًا الأضرار الاقتصاديّة وتجريف القرى. كما جرى التطرّق إلى الحصيلة البشريّة للعدوان، التي بلغت 2846 شهيدًا و8639 جريحًا.

 

العلاقات مع سوريا: عودة النّازحين والكهرباء والمعابر

وفي سياق آخر، أشار سلام إلى زيارته سوريا على رأس وفد وزاري، والتي ساهمت في دفع العلاقات اللّبنانيّة، السّوريّة قدمًا، ولا سيّما في ملفّات عودة النّازحين السّوريّين، وربط الكهرباء عبر سوريا بالأردن، وإمكان الاستفادة من فائض إنتاج الكهرباء في سوريا.

كما تناولت المباحثات تسهيل الإجراءات التّجاريّة والمعاملات الجمركيّة، وإنشاء مجلس الأعمال اللّبناني، السّوري، الذي سيُعلَن عنه قريبًا، فضلًا عن تفعيل المعابر الحدوديّة، ولا سيّما معبر العبوديّة، بما يخفّف الضغط عن حركة الشّاحنات على بقيّة المعابر.

وجرى التّشديد أيضًا على أهمّيّة متابعة ملفّ الاختفاء القسري، ولا سيّما قضيّة الصّحافي سمير كساب، بعدما كانت وزارة الإعلام قد أحالت ملفّه إلى اللّجنة المعنيّة بالقانون الدّولي الإنساني، برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء الدّكتور طارق متري.

وكُشف كذلك عن توجّه لتشكيل لجنة عليا لبنانيّة، سوريّة قريبًا، أسوة باللّجان المشتركة القائمة بين لبنان وعدد من الدّول العربيّة، على أن يُطرح الموضوع على مجلس الوزراء في وقت قريب.

 

نقطة إسرائيليّة ثابتة في معتقل الخيام

أمنيًّا وعسكريًّا، عرض وزير الدّفاع التّطوّرات الميدانيّة، مشيرًا إلى أنّ إسرائيل تقيم نقطة ثابتة في معتقل الخيام، إلى جانب نقاط متحرّكة تدخل إلى بعض المناطق وتنسحب منها.

كما أشار إلى أنّ الجيش اللّبناني يواصل تنفيذ عمليّات على الحدود اللّبنانيّة- السّوريّة لضبط التّهريب، ودهم مزارع تُستخدم لإنتاج المخدّرات وزراعتها. وقد تخلّلت بعض هذه العمليّات مواجهات وتبادل لإطلاق النّار، أدّت إلى سقوط قتلى وجرحى، بالتّوازي مع استمرار جهود الجيش لضبط التّهريب على الحدود.

وتناول الاجتماع الوزاري أيضًا الحاجات الإغاثيّة والتّأمينيّة للنّازحين، وسبل تأمين الدّعم اللازم للأهالي، من خلال التّنسيق بين الوزارات المختصّة وبإشراف رئيس مجلس الوزراء.

وبذلك، يدخل لبنان جولة واشنطن محاصرًا بثلاثة ضغوط متزامنة: ضغط عسكري إسرائيلي يتوسّع ميدانيًّا، ضغط إقليمي مرتبط بمصير المواجهة الأميركيّة، الإيرانيّة، وضغط داخلي يتصل بكلفة العدوان، والنّزوح، وإعادة الإعمار، وتثبيت سلطة الدّولة على الحدود. أمّا السّؤال المركزي فيبقى: هل تملك واشنطن إرادة إلزام إسرائيل بوقف النّار، أم تتحوّل المفاوضات إلى مجرّد استراحة سياسيّة بين جولتين من القصف؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث