قال رئيس الحكومة نواف سلام إنّ زيارته الثانية إلى دمشق هدفت إلى "رفع مستوى التّعاون بين لبنان وسوريا، انطلاقًا من المصالح المشتركة التي تجمع البلدين"، مشيرًا إلى أنّ العلاقات اللّبنانيّة، السّوريّة تدخل مرحلةً جديدة، بعد تاريخٍ طويلٍ شابته ملفّات حسّاسة ودقيقة.
وأوضح سلام، في مقابلةٍ مع "العربيّة"، أنّ الهدف الأساسي من الزيارة هو طيّ صفحة الماضي، بما حملته من مشكلات خلال مرحلة الوصاية السّوريّة على لبنان، وما أعقبها من تدخّل "حزب الله" في سوريا، مؤكّدًا أنّ لبنان يريد الانتقال إلى علاقةٍ قائمة على التّعاون، والاحترام المتبادل، والتّعامل "من دولةٍ إلى دولة".
وأضاف أنّ المرحلة الجديدة يجب أن تستند إلى احترام سيادة البلدين، وعدم تدخّل أيٍّ منهما في شؤون الآخر، وحماية أمن لبنان وسوريا معًا، كاشفًا أنّه سيتمّ إنشاء مجلسٍ أعلى للتّعاون بين البلدين، على أن يُعقد أوّل اجتماعٍ له في حزيران المقبل.
ملفّات حسّاسة بين بيروت ودمشق
وأشار سلام إلى أنّ البحث مع الجانب السّوري تناول جملةً من الملفّات المشتركة، في مقدّمها المعابر والحدود، والتّعاون الاقتصادي، وقطاع النّقل، إضافةً إلى أوضاع السّوريّين في لبنان، وملفّ السّجناء والموقوفين.
ولفت إلى أنّ هناك عددًا من السّوريّين الموجودين في لبنان، وبينهم من يوصفون بأنّهم من "فلول النّظام السّابق"، موضحًا أنّ معظم رموز هذا النّظام ليسوا في لبنان، بل في موسكو ودولٍ أخرى، "لكن قد يكون هناك عددٌ منهم لا يزال موجودًا على الأراضي اللّبنانيّة".
وشدّد رئيس الحكومة على أنّ لبنان سيعمل على منع استخدام أراضيه للإساءة إلى سوريا، أو لتنظيم أيّ عملٍ سياسيّ أو عسكريّ ضدّها، معتبرًا أنّ ذلك يندرج ضمن مبدأ عدم تدخّل أيٍّ من البلدين في شؤون الآخر، واحترام سيادة وأمن كلٍّ منهما.
نقاشٌ حول التّحدّيات الإقليميّة
وكشف سلام أنّ لقاءه مع الرّئيس السّوري أحمد الشّرع تناول أيضًا التّحدّيات التي تواجه المنطقة عمومًا، ولا سيّما تداعيات الحرب الإقليميّة الكبرى الدّائرة بين إيران وإسرائيل والولايات المتّحدة، وما تتركه من انعكاسات مباشرة على لبنان، وكذلك على مستقبل العلاقات بين دول المنطقة.
وقال إنّه أطلع الجانب السّوري على المقاربات التي يعتمدها لبنان في المباحثات الجارية في واشنطن، مشيرًا إلى أنّ هذه المقاربات تقوم أوّلًا على العمل لتثبيت وقف إطلاق النّار، ثمّ الانتقال إلى وضع أجندة واضحة للانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللّبنانيّة.
وأوضح أنّ عدد النّازحين اللّبنانيّين تخطّى المليون، وأنّهم ينتظرون العودة إلى مناطقهم، في وقتٍ تعرّضت فيه قرى وبلدات جنوبيّة لدمارٍ واسع، بلغ في بعضها حدّ الدّمار شبه الكامل.
وأشار إلى أنّ هذا الواقع يفرض الشّروع سريعًا في عمليّة إعادة الإعمار، مؤكدًا أنّه شرح للرّئيس الشّرع من أين ينطلق لبنان في هذه المفاوضات، وما هي الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها.
ترتيبات أمنيّة واتفاق سلام لاحق
وردًّا على سؤالٍ حول ما إذا كان لبنان مقبلًا على اتفاقٍ مع إسرائيل لترتيباتٍ أمنيّة، أو على اتفاق سلامٍ شامل، قال سلام إنّ الأولويّة بالنّسبة إلى لبنان هي "تأمين الانسحاب الإسرائيلي الكامل"، موضحًا أنّ ذلك يتطلّب مجموعةً من التّرتيبات الأمنيّة.
وشدّد على أنّ لبنان يعمل أوّلًا على اتفاقٍ لوقف العمليّات العدائيّة، أمّا السّلام فهو مسألةٌ تأتي في مرحلةٍ لاحقة، بعد تلبية المطالب اللّبنانيّة الأساسيّة.
وقال إنّ بيروت هي التي انطلقت منها "مبادرة السّلام العربيّة"، لا مبادرة هدنة أو وقف نار فحسب، مضيفًا أنّ لبنان منفتح على البحث في اتفاق سلامٍ مع إسرائيل ضمن الإطار العربي الأوسع، لأنّ لهذا الملفّ تداعيات على سائر الدّول العربيّة، وخصوصًا سوريا.
"حزب الله" ومسار التّفاوض
وتطرّق سلام إلى موقف "حزب الله" من المفاوضات مع إسرائيل، في ظلّ وصف الحزب هذا المسار بأنّه نوعٌ من الخيانة، فقال إنّ "حزب الله" يملك حرّيّة التّعبير عن رأيه والاعتراض على هذه المفاوضات، لكنّ هناك أكثريّة لبنانيّة، عبّرت عنها الحكومة، تؤيّد هذا المسار.
وأوضح أنّ رئيس الجمهوريّة هو من يقود هذه المفاوضات، بالتّفاهم مع رئيس الحكومة، مشيرًا إلى أنّ هذا الخيار اتُّخذ "بكلّ مسؤوليّة وبكلّ معرفةٍ بطبيعة المرحلة".
وأضاف أنّ لبنان سبق أن دخل في مفاوضاتٍ مباشرة مع إسرائيل، سواء في النّاقورة عبر وفدين عسكريّين لبنانيّ وإسرائيلي، أو في واشنطن بعد مؤتمر مدريد، معتبرًا أنّ مبدأ التّفاوض المباشر لم يكن يفترض أن يتحوّل إلى مشكلةٍ بحدّ ذاته.
لكنّه شدّد في المقابل على أنّ الأولويّة الآن هي وقف إطلاق النّار، قبل أيّ بحثٍ آخر، معتبرًا أنّ لبنان خاض أسابيع طويلة من المفاوضات تحت النّار للوصول إلى اتفاق وقف العمليّات العدائيّة.
حرب الآخرين في لبنان
ووصف رئيس الحكومة الحرب الأخيرة بأنّها "حرب الآخرين في لبنان"، قائلًا إنّها حربٌ بين إسرائيل وإيران على الأرض اللّبنانيّة، و"جرى إقحام لبنان فيها"، وهي التي فرضت عليه اليوم الدخول في مسار التّفاوض مع إسرائيل.
وأضاف أنّ لبنان لم يختر هذه الحرب ولم يردها، وكان في غنىً عنها، مشيرًا إلى أنّ البلد كان قبلها يواجه مشكلة خمس نقاطٍ ما زالت إسرائيل تحتلّها، وكان يعمل على حشد دعمٍ دوليّ وعربيّ لإلزامها بالانسحاب منها.
وأوضح أنّ ما جرى بعد الحرب أدّى إلى توسيع رقعة الاحتلال والدّمار، قائلًا إنّ 68 قرية لبنانيّة باتت تحت سيطرة إسرائيل "بسبب جرّنا إلى الحرب"، في مقابل واقعٍ جديدٍ أكثر خطورة، مع تهجير أعدادٍ كبيرة من اللّبنانيّين وتدمير عشرات القرى والبلدات الجنوبيّة.
بنت جبيل و"نسخة من غزّة"
ولفت سلام إلى أنّ الحرب خلّفت مشاهد قاسية في الجنوب، حيث دُمّرت قرى وبلدات بكاملها، مشبّهًا ما حلّ بمدينة بنت جبيل بما أصاب غزّة، وقائلًا إنّها باتت "نسخةً من غزّة".
وأشار إلى أنّ الصّور التي انتشرت من الطّائرات المسيّرة أظهرت حجم الكارثة، إذ يصعب على المرء أن يتعرّف إلى بعض المناطق بعد الدّمار الذي لحق بها.
وقال إنّ هذا هو الواقع المؤلم الذي أفرزته الحرب التي وُضع لبنان في قلبها، مؤكّدًا أنّ الدولة كانت تتمنّى لو لم تصل البلاد إلى هذا الوضع، ولو لم تُدفع إلى مواجهة احتلالٍ جديد ودمارٍ واسع في الجنوب.
وختم بالتّأكيد أنّ مسؤوليّة الدولة اليوم هي العمل على حماية لبنان، وتثبيت وقف إطلاق النّار، واستعادة الأراضي المحتلّة، وإعادة النّازحين إلى قراهم ومدنهم، وبدء ورشة إعادة الإعمار، ضمن مسارٍ سياسيّ واضح يحفظ سيادة لبنان ويجنّبه الانزلاق مجدّدًا إلى حروب لا يريدها.




