في لحظةٍ مفصليّة من تاريخ لبنان، يروي الرئيس السابق للحزب التقدّمي الاشتراكي، وليد جنبلاط، محطّاتٍ من ذاكرته السياسيّة والشخصيّة في مذكّراته الجديدة التي تحمل عنوان "قدرٌ في المشرق"، والصادرة عن دار "ستوك" الفرنسيّة للنشر، مستعيدًا نصف قرنٍ من الحروب والتحوّلات، من اغتيال والده كمال جنبلاط، إلى الحرب الأهليّة، فالعلاقة مع سوريا، وصولًا إلى الحرب الدائرة اليوم على الجنوب اللبناني.
وفي حوارٍ أجراه الصحافي لوران مارشان لصحيفة "Ouest France" الفرنسيّة، ونشرته صحيفة "الأنباء الإلكترونيّة"، قدّم جنبلاط قراءةً شاملة للواقع اللبناني والإقليمي، محذّرًا من أخطار المرحلة المقبلة، في ظلّ التصعيد الإسرائيلي على الجنوب، وتعقيدات المواجهة بين إيران والولايات المتّحدة، وانعكاساتها على الداخل اللبناني.
كما عاد جنبلاط، في مقابلةٍ مع "فرانس 24"، إلى ملفّ المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، مؤكدًا أنّ التفاوض "أفضل من الحرب"، لكنّه شدّد في الوقت نفسه على أنّ الحديث عن السلام لا يزال مبكرًا، داعيًا إلى وقف إطلاق النار، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانيّة، والعودة إلى اتفاق الهدنة الموقّع عام 1949، مع مراعاة التطوّرات التي حصلت منذ ذلك التاريخ.
الجنوب بين اجتياح 1978 وحرب اليوم
قرأ جنبلاط الوضع الحالي في الجنوب اللبناني من زاوية التاريخ المتكرّر، معتبرًا أنّ ما يجري اليوم يعيد إلى الأذهان الاجتياح الإسرائيلي عام 1978، حين بدأت العمليّة العسكريّة الواسعة، ثمّ تحوّلت إلى احتلالٍ فعلي لم ينتهِ إلّا عام 2000.
وقال إنّ "التاريخ يعيد نفسه، بالسيناريو ذاته، وبالكارثة الإنسانيّة نفسها"، مشيرًا إلى أنّ مئات آلاف اللبنانيّين نزحوا مجدّدًا من منازلهم بسبب العمليّات العسكريّة الإسرائيليّة.
وفي هذا السياق، حذّر جنبلاط من تكرار نموذج غزة في لبنان، قائلًا إنّ ما يجري في القطاع هو "تدمير منهجي"، وإنّ الوعود المتعلّقة بمجلس سلام أو قوّة أمنيّة عربيّة أو دوليّة لم تتحقّق، فيما "الموت مستمر، والقصف مستمر، والحصار مستمر".
واعتبر أنّ لبنان يحتاج إلى ضمانات حقيقيّة، تبدأ بوقف إطلاق النار، ثمّ باتفاقٍ تقني وعملي وعسكري يضمن انسحاب الجيش الإسرائيلي تدريجيًّا، بدل الاكتفاء بشعارات السلام المفروضة.
لا سلام مع إسرائيل
في موقفٍ واضح، شدّد جنبلاط على أنّه "لا يمكن أن يكون هناك اتفاق سلام" مع إسرائيل، معتبرًا أنّ أقصى ما يمكن الوصول إليه هو "اتفاق هدنة، أي وقف لإطلاق النار".
وأوضح أنّ المطلوب ليس الدخول في سلامٍ سياسي شامل، بل تثبيت وقف إطلاق النار، والعودة إلى اتفاق الهدنة بين لبنان وإسرائيل عام 1949، مع الاعتراف بأنّ الظروف تغيّرت جذريًّا منذ ذلك الحين.
ورأى جنبلاط أنّ الولايات المتّحدة وإسرائيل تسعيان إلى "فرض السلام على لبنان"، معتبرًا أنّ الحديث عن هذا السلام لا يزال مبكرًا. وأضاف أنّه يريد "السلام لأهالي الجنوب ولفلسطين"، لكن "من دون ربط الملفّين"، لأنّ الأولويّة اللبنانيّة اليوم هي وقف النار، وانسحاب إسرائيل، وحماية الداخل من الانقسام.
وانتقد جنبلاط الرهان على سلامٍ إقليمي واسع مع إسرائيل، متسائلًا عمّا إذا كانت تجارب السلام السابقة، من كامب ديفيد إلى وادي عربة، قد حقّقت سلامًا فعليًّا بين إسرائيل والعرب، معتبرًا أنّ إسرائيل اليوم تخوض "الحرب من أجل الحرب".
ودعا جنبلاط إلى تعزيز الجيش اللبناني باعتباره المؤسّسة القادرة على حماية وحدة البلاد وضبط الأمن، محذّرًا في الوقت نفسه من خطورة انتهاء مهمّة قوّات "اليونيفيل" التابعة للأمم المتّحدة في نهاية العام.
واعتبر أنّ رحيل "اليونيفيل" سيكون "خطيرًا للغاية"، داعيًا إلى إنشاء "يونيفيل جديدة" أو قوّة دوليّة بدعمٍ من فرنسا وإيطاليا ودول أخرى، شرط أن تكون هذه القوّة موضع توافق داخلي وإقليمي.
لكنّه حذّر من الطرح القائل بإرسال قوّة دوليّة تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتّحدة، معتبرًا أنّ الأمر يحتاج إلى حذرٍ شديد، خصوصًا أنّ الوجود الأميركي والفرنسي في لبنان كلّفهما ثمنًا باهظًا في تفجيرات عام 1982.
وشدّد على أنّ أيّ قوّة دوليّة جديدة يجب أن تحظى بتوافق جميع الأحزاب اللبنانيّة، وكذلك بموافقة الدول المعنيّة والمجاورة، وفي مقدّمها إيران وإسرائيل.
حزب الله جزء من الشعب اللبناني
في ملفّ سلاح حزب الله، رفض جنبلاط مقاربة الحزب باعتباره "جسمًا غريبًا" أو عنصرًا أجنبيًّا داخل لبنان، مؤكّدًا أنّ الحزب "جزء من الشعب اللبناني"، وأنّ هذه النقطة كثيرًا ما يُساء فهمها.
وتساءل جنبلاط كيف يمكن لعائلات الجنوب أن تقول للدولة اللبنانيّة "خذوا أسلحتنا"، في الوقت الذي تشاهد فيه قراها مدمّرة، ومنازلها مخرّبة، وأراضيها محتلّة.
واعتبر أنّ التوغّل الإسرائيلي الجديد في الجنوب يعزّز موقع الحزب بدل أن يضعفه، مشيرًا إلى أنّ نزع فتيل الأزمة في لبنان لا يمكن فصله عمّا يجري في الخليج، ولا عن المواجهة بين إيران والولايات المتّحدة.
ودعا جنبلاط إلى عدم جعل لبنان رهينةً للأزمات الإقليميّة، قائلًا إنّه لا علاقة للبنان بمضيق هرمز أو بغيره من ملفات الصراع، لكنّه يتحمّل نتائج هذه الأزمات على أرضه. ومن هنا، رأى أنّ الحوار السياسي مع حزب الله ضرورة لا يمكن تجاوزها.
المفاوضات المباشرة والانقسام اللبناني
في حديثه عن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، قال جنبلاط إنّه أيّد مبدأ التفاوض لأنّه "وسيلة من وسائل التخاطب"، و"أفضل من الحرب"، موضحًا أنّ المسألة ليست في إرسال ممثّل عن الدروز، لأنّ الدولة اللبنانيّة هي التي تفاوض.
وأشار إلى أنّ بعض اللبنانيّين رفضوا المفاوضات المباشرة، لكنّها حصلت في النهاية، مؤكدًا أنّ أيّ اتفاق، مباشرًا كان أو غير مباشر، سيعود تنفيذه إلى الداخل اللبناني.
ورأى أنّ الطريقة الوحيدة للحفاظ على وحدة اللبنانيّين تحت سقف واحد تكمن في التركيز على وقف إطلاق النار، وانسحاب إسرائيل، وتجنّب تحويل التفاوض إلى مدخلٍ لفرض سلامٍ سياسي لا يحظى بتوافق داخلي.
في الملف السوري، دافع جنبلاط عن خياره بفتح خطّ تواصل مع السلطات الجديدة في دمشق، معتبرًا أنّ لبنان لا يستطيع العيش من دون علاقات طبيعيّة مع سوريا.
وقال إنّ المطلوب اليوم ليس العودة إلى شعار "العلاقات المميّزة" كما كان الأمر في عهد النظام السابق، بل بناء علاقات "طبيعيّة"، سياسيّة واقتصاديّة وأمنيّة، لأنّ لبنان، في رأيه، لا يستطيع الخروج من الجغرافيا السوريّة ولا من ضرورات
العلاقة مع دمشق.
وأكد جنبلاط أنّه سيبقى "على خطّ الشام"، كما فعل في أصعب مراحل العلاقة مع سوريا، مشيرًا إلى أنّه حذّر بعض دروز سوريا من الانجرار وراء وعود إسرائيليّة بإقامة حكم ذاتي.
وانتقد بشدّة رفع بعضهم صور بنيامين نتنياهو إلى جانب صورة سلطان باشا الأطرش، واصفًا الأمر بأنّه "مفارقة غريبة عجيبة"، ومشدّدًا على رمزيّة سلطان باشا الأطرش كبطلٍ عربي لا يجوز توظيف اسمه في خياراتٍ تخدم إسرائيل.
اغتيال كمال جنبلاط وخيار البقاء
في مراجعةٍ لمسيرته الشخصيّة، قال جنبلاط إنّه لم يستطع أن يحلم بحياةٍ أخرى، لأنّ السياسة كانت "قدره". وأوضح أنّ لبنان عرف فترات هدوء قبل عام 1975، لكنّ اغتيال والده كمال جنبلاط عام 1977 قلب حياته رأسًا على عقب ولم يترك له خيارًا فعليًّا.
وأضاف أنّه بعد اغتيال والده على يد النظام السوري، كان أمام خيارين: إمّا مغادرة البلاد إلى المنفى، وإمّا البقاء. فاختار البقاء وإعادة التواصل مع سوريا، في مرحلة كان فيها الحزب يحظى أيضًا بدعم السوفيات.
وأشار إلى أنّ والده كان قد أقام علاقة مع موسكو في ستينيّات القرن الماضي، في مواجهة الأميركيّين وإسرائيل، معتبرًا أنّ الحرب الباردة كانت عنصرًا أساسيًّا في الديناميّات التي حكمت لبنان.
توقّف جنبلاط عند التناقض اللبناني المزمن بين التطلّع إلى الحداثة من جهة، وثقل الانتماء العائلي والطائفي والإرث شبه الإقطاعي من جهةٍ أخرى.
وقال إنّ تجاوز هذا التناقض كان يحتاج إلى تحديث النظام السياسي، لكنّ اللبنانيّين لم ينجحوا في ذلك. واعتبر أنّ النظام الطائفي أُرسِي في عهد الإمبراطوريّة العثمانيّة، ثمّ كُرّس مع قيام "لبنان الكبير" خلال الانتداب الفرنسي.
ورأى أنّ اللبنانيّين يجدون أنفسهم أسرى طوائفهم، وفي الوقت نفسه يتطلّعون إلى لبنان جديد. وأضاف أنّ هذا ما كان يريده والده، الذي جسّد اليسار العربي، لكنّه لم يتمكّن من الخروج من الفخ الطائفي، كما لم يتمكّن هو نفسه من ذلك.
حرب الجبل والمجازر
في حديثه عن سنوات الحرب الأهليّة، ولا سيّما "حرب الجبل" عام 1983 بين الدروز والمسيحيّين، لم يقدّم جنبلاط اعتذارًا مباشرًا، لكنّه أقرّ بثقل تلك المرحلة وبمسؤوليّته السياسيّة عنها.
وقال: "الندم؟ لا أدري. في ذلك الوقت، كنت طرفًا فاعلًا على الأرض. ببساطة، لم أتمكّن من منع بعض أعمال الحرب". وأضاف أنّ "كلّ الميليشيات اللبنانيّة ارتكبت مجازر"، معتبرًا أنّ الحروب الأهليّة، حين تنفلت فيها الأحقاد، تصبح عصيّة على الضبط.
وأكد أنّه كرّم الضحايا المسيحيّين الأبرياء الذين قُتلوا انتقامًا يوم اغتيال والده، واصفًا تلك المرحلة بأنّها "صفحة سوداء" في تاريخ لبنان.
وفي مقابلة "فرانس 24"، قال جنبلاط إنّه يؤمن بالانتقاد الذاتي، لكنّه تساءل عن الجدوى العمليّة للاعتذار عن أحداثٍ وقعت في زمن الحرب، مؤكدًا أنّه يتحمّل مسؤوليّته، وأنّ الحروب تخلّف ضحايا أبرياء من جميع الجهات، ولا يستطيع أيّ قائد لبناني أن يتبرّأ تمامًا من تلك المرحلة.
الاغتيال السياسي وقدر النجاة
تطرّق جنبلاط أيضًا إلى الاغتيالات السياسيّة التي ضربت لبنان وعائلته، معتبرًا أنّ الاغتيال السياسي بدأ مبكرًا في البلاد، منذ اغتيال الصحافي نسيب المتني في خمسينيّات القرن الماضي، ثمّ تحوّل لاحقًا إلى تقليدٍ من تقاليد الحكم السوري، حيث كان الخصم يُزال جسديًّا.
وقال إنّ القدر ساعده على النجاة حتى الآن، معربًا عن أمله في أن يزول الاغتيال من لبنان ومن العالم العربي.
في الملف الفلسطيني، بدا جنبلاط متشائمًا إلى حدّ الواقعيّة القاسية. إذ اعتبر أنّ قيام دولة فلسطينيّة "لم يعد ممكنًا، وربّما لن يكون ممكنًا أبدًا"، مشيرًا إلى أنّ الأمر بات شبه مستحيل منذ احتلال الضفّة الغربيّة عام 1967.
وقال إنّ الصهيونيّة، من ديفيد بن غوريون إلى بنيامين نتنياهو مرورًا بشمعون بيريز، لم تترك مكانًا فعليًّا لدولة فلسطينيّة.
وعند سؤاله عمّا إذا كان متشائمًا، أجاب بأنّه "واقعي"، مشيرًا إلى أنّ الدول العربيّة حاولت عبر ما يُعرف باتفاقات أبراهام، لكنّ شعار "السلام مقابل الأرض" لم يعد واضحًا في ظلّ تمدّد المستوطنات الإسرائيليّة في كلّ الاتجاهات، واستيلائها على ما تبقّى من الأرض الفلسطينيّة.
لبنان حالة خاصّة رغم أزماته
رغم تشاؤمه من مآلات المنطقة، تمسّك جنبلاط بفكرة أنّ لبنان لا يزال حالةً خاصّة في محيطه. وقال إنّ اللبنانيّين لم يعيشوا يومًا تحت نظامٍ استبدادي أو بوليسي، معتبرًا أنّ للنظام الطائفي، على عيوبه الكثيرة، بعض الإيجابيّات.
وأوضح أنّ الطوائف، وإن كانت تتقاتل أحيانًا وتدخل في مجازر، إلّا أنّ النظام السياسي التعدّدي يدفعها أحيانًا إلى احترام بعضها البعض.
وشدّد على أنّ لبنان امتلك دائمًا صحافة حرّة وتنوّعًا لا وجود لهما بالقدر نفسه لدى كثيرٍ من جيرانه العرب.
وعن العلاقة بين الدروز والمسيحيّين في الجبل، مع ما تحمله الذاكرة من مجازر عام 1860 ومجازر الحرب الأهليّة، قال جنبلاط إنّ العداء لم يكن دائمًا قائمًا، وإنّ الطائفتين عرفتا أيضًا عصورًا ذهبيّة في علاقاتهما، وحتى تحالفات سياسيّة.
وتحدّث عن والدته، التي كانت تقيم كثيرًا في باريس، واصفًا إيّاها بأنّها "علمانيّة جدًا وحديثة جدًا"، بل أكثر تقدّميّة من والده، رغم أنّها كانت تحمي المعقل العائلي في الوقت نفسه.
ورأى أنّ هذا التناقض بين الحداثة والانتماء العائلي والطائفي ظلّ حاضرًا في حياته، كما في حياة لبنان السياسيّة.
الخوف الأكبر من "شيطان التقسيم"
في خلاصة رؤيته للمرحلة المقبلة، شدّد جنبلاط على أنّ الأولويّة يجب أن تكون لوقف إطلاق النار، وانسحاب الجيش الإسرائيلي، ثمّ إنقاذ وحدة لبنان.
وقال إنّ التحدّي الأكبر في السنوات المقبلة هو أن يبقى لبنان موحّدًا، وأن يقاوم "شيطان التقسيم" إلى كياناتٍ طائفيّة.
وبين ذاكرة الحرب واحتمالات الانفجار الجديد، بدا جنبلاط كمن يقدّم مراجعةً سياسية وشخصيّة مفتوحة، لا تخلو من الاعتراف ولا من التحذير، لكنّها تنتهي عند ثابتةٍ واحدة: لا خلاص للبنان إلّا بوحدته، ولا حماية لهذه الوحدة إلّا بالحوار، ووقف الحرب، ومنع تحويل الانقسام الداخلي إلى مشروع تقسيم دائم.




