في بلدٍ تُبنى فيه الزعامات على التدليس والاحتيال، وتعوّد أن تدار فيه المؤسسات بمنطق التبعية والوشاية والتزلف، منذ أن تولى غازي كنعان إدارة لبنان في ثمانينات القرن الماضي، لم يكن مُستغربًا أن يستيقظ اللبنانيون على فضيحة بطلها عراقي يدعى طارق الحسيني. فلم ينس اللبنانييون بعد ملف "أبو عمر"، حتى جاء الحسيني وكتب فصلًا جديدًا من هذه الحكايات.
لم يقتحم طارق الحسيني أسوار الثكنات بالرصاص، بل عبر بوابات البروتوكول والبدلات الرسميّة، مُنتحلًا صفة الملحق الأمني في السفارة العراقية برتبة "عقيد"، حتى صار "رقمًا صعبًا" قبل أن تسقطه مديرية المخابرات في الجيش اللبناني في فخ الواقع.
الاختراق الناعم: من الحمرا إلى اليرزة
لم تكن قصة الحسيني عملية انتحال صفة عابرة، بل كانت انعكاسًا لهشاشة المنظومة التي يفترض بها أن تحمي أمن البلاد. بدأت خيوط الحكاية من منطقة "الحمرا"، حيث نُسجت أولى شبكات العلاقات مع أحد المسؤولين الأمنيين في العاصمة (م.م) ومن هناك فتحت الأبواب الموصدة. لم يكتف "العقيد الوهمي" بالوجاهة الاجتماعية، بل حاول التغلغل في أروقة المؤسسات الأمنية، مستغلًا رغبة البعض في فتح قنوات اتصال خارجية غير رسميّة.
تشير معلومات "المدن" إلى أن الحسيني نجح في الوصول إلى مكاتب رفيعة، حيث التقى مدير عام أمن الدولة اللواء ادغار لاوندس أكثر من مرة، وقدم وعودًا فضفاضة بمساعدة الجهاز وتطوير قدراته عبر قنوات عراقية مفترضة.
كذلك، تؤكد المصادر أن الحسيني لم ينجح في الوصول إلى نائب مدير الجهاز العميد مرشد الحاج سليمان، كون الأخير لم يعطه موعدًا على الرغم من أن الحسيني طلب ذلك عدة مرات.
كما أنه فشل في الوصول إلى مدير عام الأمن العام اللواء حسن شقير، ذلك أن شقير يتواصل بشكل مباشر مع السلطات في بغداد على أعلى مستوى. لكن مجرد اختراق الحسيني لدوائر القرار الأمني وبنائه شبكة علاقات مع قيادات أمنية ومناطقية، يطرح تساؤلات كبرى حول "الفلترة" الأمنية التي تسبق استقبال الشخصيات الأجنبية.
لم يقف اختراق الحسيني عند حدود المكاتب، بل دخل منازل ضباطٍ وحضر ولائم ومناسبات أقيمت على شرف "الملحق الأمني في السفارة العراقية" العقيد الوهمي طارق الحسيني، الذي تبيّن أنه مجرد عامل توصيل في أحد المتاجر لبيع الخضار والفواكهة في منطقة خلدة. وكان لافتًا، بحسب المصادر الأمنية لـ"المدن"، أن الحسيني كان مقيمًا في لبنان منذ سنوات، وأن قصته لم تكن وليدة الأشهر الأخيرة، إذ إنه نسج سلسلة من العلاقات السياسية والأمنية في لبنان منذ عدة سنوات.
وقوع "العقيد الوهمي"
يقول مصدر أمني رفيع لـ"المدن" إن كثرة اللقاءات والولائم وطلب المواعيد من عدد من رؤساء الأجهزة الأمنية والضباط التي قام بها العقيد الوهميّ، وصلت أصداؤها إلى العاصمة العراقية بغداد. إذ تواصلت السلطات العراقية مع السفارة في بيروت للتحقق من هوية منتحل الصفة. فبادرت السفارة إلى التواصل مع مدير المخابرات في الجيش اللبناني العميد طوني قهوجي، فلاحقت المخابرات الحسيني وأوقفته في الأسبوع الأول من أيار الجاري.
تضيف المصادر، أن مديرية المخابرات تواصلت بدورها مع النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج، ومفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الذي ينتظر ختام التحقيقات على أن يدعي خلال اليومين المقبلين على طارق الحسيني بتهمة انتحال صفة أمنية.
واليوم الأحد، أصدر الجيش اللبناني بياناً، جاء فيه: "أوقفت مديرية المخابرات في الجيش، العراقي (ط.ن.) لانتحاله صفة مسؤول أمني عراقي داخل الأراضي اللبنانية، وذلك نتيجة عملية رصد ومتابعة أمنية. وتَبيّن من التحقيق الأولي أنه استعان بمستندات مزورة. كما ضُبطت البزّة العسكرية التي كان يستخدمها. يستمر التحقيق مع الموقوف بإشراف القضاء المختص".
على أي حال، قصة العقيد الوهميّ هي نسخة طبق الأصل من مأساة قصة الأمير السعودي الوهمي أبو عمر، التي كان بطلها مصطفى الحسيان والشيخ خلدون العريمط، المُشترك الأهم والأفدح بين القصتين هو طول المدة التي حاول المنتحلان التلاعب بالسياسيين والأمنيين في لبنان.
كلاهما كشف أن لبنان بلد مُشرع ليس فقط أمام الجواسيس، بل أمام "الهواة" ومنتحلي الصفة طالما أنهم يتقنون العزف على أوتار الانقسام الطائفي والولاءات الخارجية.
سقط الحسيني وقبله "أبو عمر". لكن " السيستم" الذي يسمح لهؤلاء باختراق أرفع الرتب والمقامات ما زال قائمًا، ينتظر منتحلًا جديدًا يبيع الأوهام لدولة تعيش أصلًا في الوهم.




