الخيار الثالث: التسلح الذي ينقذ اقتصاد دولة تُدار بالضعف

فراس العريضيالأحد 2026/05/10
8.jpg
الإنفاق العسكري ليس عبئًا على الاقتصاد، بل شرط لحمايته (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

في لبنان، لا يُقاس ضعف الجيش بحجمه، بل بحجم الخسائر التي يدفعها الاقتصاد يوميًا نتيجة هذا الضعف. الكلفة الحقيقية ليست في شراء السلاح، بل في عدم امتلاكه: استثمارات لا تأتي، موارد لا تُستخرج، وحدود تُستباح بلا كلفة ردع. في دولة طبيعية، يُناقش الإنفاق العسكري كجزء من الموازنة؛ في لبنان، يجب أن يُناقش كبديل عن الانهيار.

المشكلة ليست أن الجيش ضعيف، بل أن ضعفه تحوّل إلى جزء من توازن النظام. الجميع يعلن دعمه للمؤسسة العسكرية، لكن الممارسة الفعلية تُبقيها في الحد الأدنى: قوة تضبط الداخل، لا قوة تحمي الدولة. هذا ليس فشلًا عابرًا، بل خيار مستمر منذ سنوات، تُبرّره ذرائع جاهزة عن غياب المال أو القرار أو الغطاء الدولي، فيما الحقيقة أن الخلل يكمن في ترتيب الأولويات لا في غياب الإمكانات.

 

أي نقاش جدي حول بناء القدرة الدفاعية يجب أن ينطلق من مسلّمة واضحة: الإنفاق العسكري ليس عبئًا على الاقتصاد، بل شرط لحمايته. لا يمكن لأي اقتصاد أن ينمو في بيئة هشّة أمنيًا. الاستثمار، استخراج الموارد، السياحة، وحتى استقرار العملة، كلها ترتبط مباشرة بوجود قوة ردع موثوقة. الأمن ليس قطاعًا مكمّلًا للاقتصاد، بل بنيته التحتية غير المرئية. فدولة عاجزة عن حماية مياهها وثرواتها البحرية ستبقى عاجزة عن بناء أي دورة اقتصادية مستقرة.

لذلك، لا يمكن أن يبقى ملف التسلح رهينة التوازنات السياسية اليومية. المطلوب آلية مؤسساتية واضحة: مجلس تسليح وطني مصغّر، يعمل باستقلالية وفق خطط زمنية ملزمة، ويضم خبرات عسكرية وتقنية. 

بالتوازي، لا بد من اعتماد نموذج تمويل ذكي ومحدد الهدف. ربط التسليح بالموازنة العامة أثبت فشله. البديل هو أدوات تمويل مستقلة نسبيًا: سندات دفاعية موجّهة للمغتربين بعائد واضح، صندوق سيادي دفاعي تُغذّيه إيرادات مستقبلية، وشراكات مع القطاع الخاص في مجالات التكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج. هذه الآليات لا توفّر المال فقط، بل تفرض انضباطًا في إنفاقه.

 

أما بما يتعلق بمصادر السلاح، فهنا تكمن إحدى أهم نقاط التحول. لبنان لا يحتاج إلى كسر علاقاته الدولية، بل إلى الخروج من وهم "المصدر الواحد". الاعتماد الحصري على قناة واحدة جعل القرار العسكري رهينة سياسية. البديل هو تنويع مدروس يفتح المجال أمام خيارات أوسع من دون الدخول في مواجهات غير محسوبة.

وهذا التنويع لا يهدف إلى كسر التوازنات أو تحدّي الشركاء، بل تصحيح الخلل في بنية التسليح، فالتوجّه نحو أسواق قريبة من واشنطن لا يشكّل خروجاً عن الشراكة معها، بل يخدم في نهاية المطاف استقرار لبنان، وهو هدف يتقاطع مع المصالح الأميركية نفسها.

التجارب الدولية في تنويع مصادر السلاح كثيرة: دول مثل مصر والعراق لم تتخلَّ عن شراكاتها التقليدية، لكنها وسّعت قاعدة مورديها لتشمل أوروبا وآسيا، فخفّفت الارتهان وزادت هامش القرار.

في الحالة اللبنانية، يمكن رسم خريطة مصادر عملية تقوم على ثلاث دوائر مترابطة:
الدائرة الأولى هي الشركاء التقليديون، حيث يجب الحفاظ على قنوات التعاون القائمة، ليس فقط بسبب الدعم العسكري، بل لأهمية الغطاء السياسي الذي يوفره هذا التعاون.
الدائرة الثانية هي الأسواق الأوروبية: (إسبانيا، تشيكيا، صربيا...) والآسيوية (كوريا الجنوبية، ماليزيا...)، إضافة إلى دول مثل جنوب أفريقيا والبرازيل، حيث تتوفر تقنيات متطورة بأسعار تنافسية وشروط أقل تعقيدًا، ما يسمح بالحصول على معدات نوعية دون الدخول في حسابات استراتيجية كبرى.
الدائرة الثالثة هي الشراكات التقنية، أي التعاون مع شركات متخصصة في مجالات الطائرات المسيّرة، وأنظمة المراقبة، والبرمجيات الدفاعية. هذا المسار يتيح للبنان بناء جزء من قدرته داخليًا بدل الاكتفاء بالاستيراد.

هذا التنويع يجب أن يتم وفق قواعد واضحة: توزيع المشتريات على مراحل، وربط كل صفقة بحاجة عملياتية فعلية، وتجنب الخطوات التي قد تُفسَّر كتحول استراتيجي حاد في المنطقة.

 

لكن الأهم من المصدر هو طبيعة السلاح نفسه. لبنان لا يحتاج إلى جيش ضخم، بل إلى جيش ذكي. الأولوية يجب أن تكون لمنظومات تخلق تأثيرًا مباشرًا: الطائرات المسيّرة، أنظمة الرصد الساحلي والحدودي، الحرب الإلكترونية، والدفاع السيبراني. هذه الأدوات توفّر قدرة ردع حقيقية بكلفة أقل، وتخدم في الوقت نفسه قطاعات مدنية مثل الاتصالات وحماية البنى التحتية.

إلى جانب ذلك، تبقى الحاجة قائمة لوحدات عسكرية مرنة، تقليدية في تسليحها ولكن متقدمة في أدائها: وحدات سريعة الحركة، عالية الجاهزية، تملك قوة نارية كافية للتدخل السريع وفرض الردع في اللحظة الحاسمة.

في هذا الإطار، يتحول التسليح من عبء إلى عنصر في دورة اقتصادية. تطوير القدرات الدفاعية، خصوصًا في المجالات التكنولوجية، يخلق فرص عمل، ويحفّز الابتكار، ويفتح الباب أمام صناعات محلية مرتبطة بالأمن الرقمي والتقني.

في النهاية، المسألة ليست اختيارًا بين "الخبز أو السلاح". في الحالة اللبنانية، لا خبز من دون حد أدنى من الاستقرار. "الخيار الثالث" هو محاولة للخروج من هذا التناقض الوهمي، عبر بناء نموذج يربط الأمن بالاقتصاد بدل أن يضعهما في مواجهة.

فالدول لا تنهار فقط عندما تُهزم عسكريًا، بل عندما تقتنع أن ضعفها قدرٌ دائم.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث