تدير إسرائيل حربها ضد لبنان، ويدير اللبنانيون حروبهم البينية الداخلية. مفارقة لافتة: تقول إسرائيل إنها تهاجم لبنان، فتقصده كدولة قائمة بالتعريف، وباستواء الوجود "الدولتي" المكتمل الأركان.
ويقول اللبنانيون إنهم يدافعون عن لبنان، لكن قصدهم، أو مضمرهم، هو لبنان المجتزأ من كُلّ، الحاضرُ كدويلةٍ في "فهم" القائل الطائفي، الموجود كاقتطاع محدَّد في "عقل" القائل المذهبي.
لبنان المعرّف إسرائيليّاً، غير موجود إلاّ كموضوع استهداف بالآلة الحربية والسياسية، ولبنان المعرّف لبنانيّاً، غير موجود إلاّ كموضوع توزّعٍ جغرافي- أهليّ، مستهدفٍ بنار الافتراق، ومسكون بهواجس التغلّب والاستقواء.
تاريخ مضى على رسم جغرافيا هذا الكيان، فلم تلتئم أجزاؤه، وتجارب مريرة مرّ بها "انتظام الكيان"، فلم يتعلّم أبناؤه، لذلك وبعد قرنٍ وسنوات على "الولادة"، يُطرح السؤال المصيري: ماذا عن إمكانية ديمومة الكيان، كياناً، في ظلّ رسوخ صراع "المقاطعجية" الطائفيين، على الجباية، وفي ظلّ لجوء كل مقاطعجي مذهبي إلى "الوالي" الخارجي، طلباً للحماية؟
سؤال قديم- جديد:
سؤال المصير الكياني اللبناني طُرح في زمن النشأة، وإعلان إنشاء الكيان جُوبِه باعتراض طائفي، من ضفتي المسيحية والإسلامية، وفي مسار السيرة الكيانية مرّ صوت الاعتراض بمراحل خفوت، لكنه لم يتلاشَ في يوم من الأيام.
تضيء الحرب الإسرائيلية اليوم جوانب أزيحت إلى العتمة من أزمنة الإنشقاقات "المصيرية" الداخلية، فتعيد استحضارها إلى الأعين وإلى الأذهان، وحول الحرب المندلعة، تُستحضر أسلحة التنابذ السالفة، التي لم تصدأ، وتُستدعى نصوص الافتراق الأولى، فتعطى صفة الاستمرارية والتواصل والاتصال، لنصوص الافتراق الجديدة الراهنة.
ليس تأريخاً، بل تذكيراً من أجل قراءة جديدة، ومراجعة متجدّدة، يلوح طيف "المؤتمر السوري العام" في خلفية المشهد السياسي الحالي، ومعه يمر سريعاً خيال "مؤتمر الساحل والأقضية الأربعة"، مؤتمران اعتراضيّان دافعا عن الاتصال ورفضا الانفصال عن العمق العربي والإسلامي، بصفته الجغرافية والحضارية.
أمّا في الجانب الآخر من الخلفية "المشهدية" تعبر سحابة الخصوصية اللبنانية، ورمزية الفينيقية وفرادة التجربة التعددية، ومعنى لبنان الرسالة، والجسر الواصل بين الشرق والغرب... في هذا الجانب حضر الأساسي ممّا صاغ الاعتراض في قالب صفاتٍ خاصة، فعارض ذوبانها في محيط لا يشبهها "تاريخياً" ولا يدانيها "ثقافياً" ولا يذهب مذهبها "انفتاحاً" وقبولاً تعدّديّاً.
المفارقة، أو لنقل "الميزة" الاعتراضية الماضية، كانت شرطيّة من الجانب المسيحي؛ أي الرضى بكيان يطابق "مواصفات" من ارتضوه كياناً، أمّا من الجانب الإسلامي فقد كانت "الميزة" انفصالية في البدء عن اللبنانية، واتحادية، في البدء، مع محيطها، لكنها عادت والتحقت بموجب ميثاق وطني اهتزّ باكراً، سنة 1958، وتابع محطّات اهتزازه، وها هو يتعرّض حاليّاً لما يقرب من "زلزال" متوسط الشدّة، بعد سنتين ونصف من القتال على حدود الكيان الجنوبية.
خطر السؤال
وظيفة "التاريخ" أعلاه، التنبه إلى خطر السؤال لدى تكراره، إذ إنه في كل تكرار حضور خطر متناسل جديد، ومّما هو معلوم، فإن تناسل الأخطار، في صيغة مرض متواصل يُوهِن الجسدَ حتى يذهب به.
ملاحظة جدّية مستقاة من الماضي، هي أن الاعتراضية المسيحيّة لم تنعزل في تقديمها لرؤيتها الكيانية، بل حرصت على بلورة "لبنانية" خاصة مستقلّة، على اتصال بأفق أوسع، يجمع بين مشرقية وعروبية ذات خصوصيات متعدّدة. وعلى ذات الدرب، لم تقفل الإسلامية الاعتراضية، فأخذت الكيانية المخفّفة، وانتمت إليها، إنّما من دون انقطاع عن الحنين إلى الأصل، ومن دون الطموح، دائماً، إلى تحسين شروط الاتصال به، والتواصل معه. عرض الماضي الكياني على الحاضر، يطرح السؤال المقلق: هل ما زال الحافز الكياني المسيحي، محتفظاً بميله إلى النسخة الكيانية التي كان له اليد الطولى في "كتابتها"؟ وهل ما زال المَيْل الكياني الإسلامي، محتفظاً بأساسيات الميثاقية الكيانية التي قبلت ما يشبه الحيادية اللبنانية؟ يتوزع الجواب على فرعين، الفرع الأول يغلّبُ الميل المسيحي إلى نوع من طلب "النجاة" الاستقلالية من الداخل وفي الداخل، ونجاة حياديّة حيال الخارج ومع الخارج. يمكن الزعم أن النجاة المذكورة تحوز رضى الغالبية المسيحية، السياسية والسكانية.
الفرع الثاني الإسلامي، موزع الآن بين إثنين، إذا كان الحديث مذهبياً، ويصير مقسوماً على ثلاثة، إذا انفرد المذهب الدرزي عن المذهبين الآخرين، السنيّ والشيعي. القسمة أعلاه الآن، واضحة "دينيّاً"، ونافرة الوضوح سياسيّاً، وتشهد "اشتباكاً" مرجعيّاً يتوزع على انتماء خارجي، إسلامي عروبي، وعلى انتماء خارجي إسلامي إيراني، نستطرد هنا للقول، إن الاشتباك تخطّى الداخل ليستهدف دولاً عربية عديدة، وانتقل الخلاف بين هذه الدول المرجعيات، سنيّاً، وشيعيّاً، إلى الداخل. فكان عامل "فرقة" زائدة، أضيفت إلى الافتراق المندلع حالياً مع "الشيعية" حول الأساسي من القضايا المصيرية الوطنية.
عودٌ إلى السؤال: ما حظوظ إعادة بناء "الوطنية" الكيانية بعد أن فقدت المسيحية الكثير من زخم حماستها "لفرادة" التعدّدية اللبنانية، وبعد أن انشقت الإسلامية على نفسها، انشقاقاً مزدوجاً يجد تجلياته في السلوك الداخلي، وفي المسالك الخارجية.
مخاطر الأجوبة
إذا كان السؤال الكياني المصيري واحداً، فإن عدد الأجوبة عليه، معادل لعدد طوائف الكيان، ولعدد مذهبياته. الإشارة العددية هذه أساسية، على خطورتها، وطلب وضوح الإشارة أساسي أيضاً، ذلك أن التعمية هي أقصر الطرق إلى نفيّ مضمون كل جواب.
نسأل المسيحية اللبنانية: كيف تنظر إلى أدبياتها السياسية، وما نظرتها إلى أدائها السياسي، من رأس هرمها الذي يقود مصالحها، إلى مجموع جمهورها الذي يقول قولها، ويتّبع مجرى هواها؟ السؤال راهن وحَيّ، ولو غَرَف من ماضٍ ما زال حيّاً هو الآخر.
مساهمة في تلمّس الجواب، تبدو الأدبيات المسيحية الحالية على مسافة واضحة من شروط إعادة صياغة ميثاقية جديدة. آية هذا "الاتهام" مطالعة الحزبية المسيحية في كتاب الحرب المفتوحة من بوابة الجنوب، على المدى اللبناني كله. اقتصار تسمية السياسات باسم المطالعة، لا يُسقط أي بند من بنودها، من عنوان السيادة وحصر السلاح، إلى مرجعية قرار الحرب والسلم، إلى التشديد على مبدأ رفض وجود دولة ضمن الدولة، ورفض وجود قوّة قاهرة تمنع استعادة الدولة من منفى تغييبها. إذا كان ما ورد معترفاً به كحقٍّ سياسي لكل فئة لبنانية، فإنه من واجب كل فئة أن تحمل حقوقها على رؤوس أقلام صيغوية غير مسنّنة، وعلى أكتاف ميثاقية تسمّي العدو باسمه وتحدده: إنه العدو، ثم تنطلق إلى نقاش "شريكها" من الفئة الأخرى في كيفية إدارة هذا الصراع مع العدو، وفي ما هو مطلوب لحفظ الكيان وصيانته، وفي ما هو ممنوع الإقدام عليه، وفي رفض كل سياسة تجعل البلد ساحة لسياسات الآخرين....
على "الرصيف" المقابل، نسأل الإسلامية السياسية عن أدائها، ونخصّ بالذكر الإسلامية الشيعية، تلك التي كانت حالة ناهضة، فصارت حالة طافرة، هذه الشيعية نسألها عن أفعالها وعن أقوالها وعن أدائها، خصوصاً منذ سنة 2023 وحتى آخر صدى انفجار قذيفة معادية.
على خط المكاشفة والوضوح، ومن منطلق الشراكة في الجواب، لقد فقدت المقاربة الإسلامية الشيعية غطاءها "النظري" التسويغي، وسيطر عليها التبرير الافتراضي. على سبيل المثال: لو لم نفتح النار على العدو، لأقدم العدو على ذلك. هكذا تبنى مبادرة فتح الحرب على افتراض أن العدو كان سيقوم بفتحها. على الافتراض هذا تبنى السياسات الميدانية، وتنقل المواضيع من مكان إلى آخر. على سبيل المثال: يحلّ عنوان العداء لإسرائيل، محل عنوان، كيف نواجه إسرائيل، ويحلّ عنوان العداء للمقاومة، محل الحق في نقاش أعمال وأقوال المقاومة، ويُسلّط الضوء على "الدولة" المغيّبة قهراً، حسب مواسم السياسة، فتكون الدولة غائبة وعاجزة ومقصّرة، مع علم صاحب القول إن الدولة دُفِعَت خارج مهامّها، ولا دولة خارج المهام، ولا يُناقش المغيّب في مسؤولياته، بل يُسأل من لعب الدور الأساسي في صناعة التغييب، في الأهم من ميادين التجليّات الدولتيّة.
في عناوين المرسل إليهم، وفي تسمية المطالبين بطرح الأسئلة، وبتقديم الأجوبة، من الضروري التشديد على دور كتلتين أهليتين، في هذا الظرف الدقيق، الكتلتان هما: المارونية السياسية، المتقدمة ضمن الأهليّة المسيحية، والشيعيّة السياسية، المسيطرة الآن ضمن الأهلية الشيعية. هل في الأمر نفي لأوزان الأهليّات المذهبية الأخرى؟ نؤكد بنفي الأمر، ونشدّد على أنه على عاتق هاتين الكتلتين الآن، تقع مسؤولية تسهيل مقاربة "الميثاق الوطني" مقاربة جديدة، من موقع الأسبقية في التأسيس لدى المارونية، ومن موقع الضّم إلى الكيان لدى الشيعية.
هي معاينة بنيوية جديدة؟ هذا هو الأمر. أما الأهم فهو الانسحاب من الانفراد ومن التفرد، والخروج على معادلة المركز والأطراف، ذلك أن ديمومة هكذا معادلة تؤدي إلى تكريس مقاطعات تتبادل الاستقواء والاستبعاد والإلغاء، ولا تحجم عن ركوب مركب الصدام والعداء...
وعليه أي لبنان تُرجى قيامته؟ أيّ كيان ستكتب له الديمومة والاستقرار؟




