بقدر ما الصورة جلية، بقدر ما هي مقلقة ومشبوهة. محيط وليد جنبلاط غير مطمئن، فالحملات السياسية والإعلامية تتصاعد بشكل تدريجي وواضح ومنسّق، وكأن ثمّة غرفة عمليات تدير المشهدية برمّتها، ووصلت العملية إلى حد العنف الجسدي. حقيقة الحملات شبه غامضة، لكن الخيوط كلها وبترابطها تؤشّر إلى أن ثمّة جهد موحّد يخاض، والمستفيدون كثر، بينهم إسرائيل.
بدأت القصّة بحساب على مواقع التواصل الاجتماعي. دأب مشغلوه على نشر اتهامات ومزاعم ضد جنبلاط والحزب التقدمي الاشتراكي ومسؤوليه، منها ما يتعلق بالفساد، ومنها ما هو سياسي مرتبط بشبكة علاقات جنبلاط المحلية والإقليمية. لكن أصحاب هذا الحساب ليسوا وحدهم، بل انضم إليهم عدد من أصحاب الحسابات الحقيقية والمزيّفة .
حسابات مشبوهة
استعرت الحملة أكثر، وبلغت ذروتها مع اندلاع أحداث السويداء، فاصطفت كل هذه الحسابات في صف إسرائيل ودروزها ضد خطوات وليد جنبلاط وسياسته التسووية، وتبنّت الحسابات كل الروايات الإسرائيلية بشكل فاضح، فرسمت المشهدية حينها صورة لاحتمال ارتباط هذه الحسابات ومشغليها بدروز إسرائيل، وربما أجهزة استخبارات إسرائيلية.
ما زاد من حدّة الشكوك كان تفرّغ أصحاب الحسابات المشابهة بشكل كامل لمهاجمة جنبلاط ومحيطه، وشن حملات منظمة ومنسّقة ونشر مزاعم خطيرة وحساسة. هذا الجهد مستمر على مدار الساعة وبشكل مكثّف، وجزء منه يقوم على تسريبات مدفوعة لمتعاونين في لبنان، لا يمكن أن يتم دون مقابل يتقاضاه أصحاب هذه الحملات من مشغليهم، لأنه صار بمثابة وظيفة.
لم تتوقف الحملة عند هذه الحدود، بل تفاقمت أكثر مع دخول صحافيين على الخط، شنوا هجمات إعلامية منسّقة وواضحة تحمل الكثير من المغالطات بهدف التشويه، بينها ما قالوه عن رفض جنبلاط التفاوض المباشر، إضافة إلى مقالات عن معارضة جنبلاط سياسة رئيس الجمهورية جوزيف عون، وهي معلومات مغلوطة. مع العلم أن لا إشكالات سابقة بين "التقدمي" والصحافيين الذين يساعدون في الحملة، والهجمات استجدت من حيث لا يدري أحد.
حملات غير بريئة ولا عشوائية
هذه الحملات غير بريئة وليست عشوائية أو منفردة، بل واضح أنها تندرج في سياق الهجمات السياسية والإعلامية ضد جنبلاط. لا توجد جهات تتبنّاها بشكل علني، لكن ثمّة خيوط تربط ما بين الحملة وعلاقة محتملة بإسرائيل، خصوصاً وأن الهجمات تتمحور حول مواقف جنبلاط المعارضة لسياسات إسرائيل في لبنان وسوريا، والحسابات تروّج لمواقف دروز إسرائيل.
وتتزامن هذه الهجمات مع اهتمام إسرائيلي مشبوه بملف دروز سوريا ولبنان. عيّنت السلطات الإسرائيلية غسان عليان منسقاً للتواصل مع دروز لبنان وسوريا، انطلاقاً من اعتمادها على الأقليات في سياق مشاريع التقسيم التي تقودها. ومن الواضح أن نهجي إسرائيل ووليد جنبلاط لا يتفقان، وإسرائيل لا تترك من يعارضها وشأنه تاريخياً، وقد قتل اللوبي الإسرائيلي كل معارض لإسرائيل.
آخر المستجدات كان تعرّض أمين سر كتلة "اللقاء الديموقراطي" النائب هادي أبو الحسن لمحاولة قتل. ليس واضحاً بعد ما إذا كانت المحاولة تمت بدوافع شخصية أم ضمن المسار المذكور، لكن مصادر في منطقة المتن تشير إلى صلات بين المعتدي ومشغل إحدى صفحات التواصل الاجتماعي المشبوهة يجاهر بها الأول، وتحدث عنها أبو الحسن دون أن يسميها، فأشار إلى صلات بين المعتدي و"شخصيات خارج الحدود"، ولم يسقط احتمال الاغتيال السياسي والدفع باتجاه الفتنة. وبغض النظر عن الدوافع، فإن الحملات ضد جنبلاط وصلت بشكل أو بآخر إلى محاولة الاغتيال وانتهاج المنحى العنفي.
في المحصلة، فإن ما يخاض ضد وليد جنبلاط يرقى إلى حملة تشويه سياسي ممنهج. حملات سياسية وإعلامية تشكّك بدوره الدرزي في محاولة لنزع صفة الاجماع الدرزي في لبنان عنه، ومنحى عنفي تمثّل بمحاولة قتل أحد نواب الحزب، وما يمثّل ذلك من رسائل تهديد محتملة. أفق المواجهة طويل وبعيد وفق ما يبدو، وإن كانت الجهة التي تقف خلف الحملات مجهولة، إلّا أن أصايع الاتهام تتجه نحو إسرائيل.




