حدد الموعد المفترض للجولة الثالثة من جلسات ما يُسمّى "المحادثات التمهيدية" للمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية في واشنطن. والذي سيعقد الأسبوع المقبل برئاسة السفير سيمون كرم، ومشاركة ممثل عن الجيش والسفيرة اللبنانية في أميركا ندى حمادة معوض ونائب رئيس البعثة.
نفي لبناني مستمر
حتى الآن، لا تزال رئاسة الجمهورية ترفض عقد أي لقاء بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ونتنياهو. حدد الموعد بينما كانت واشنطن لا تزال ترفض تحديده ما دام لا يتطابق مع الشروط التي وضعها السفير الأميركي في بيروت، ميشال عيسى، والتي ترتبط بحصول اللقاء بين عون ونتنياهو.
القضية هنا لا تتعلق بوجود رفض لبناني رسمي للاجتماع وفق الصيغة التي يريدها الأميركيون. ولتكن الأمور واضحة، فإن كثيرين في لبنان، ومن بينهم الرئيس عون، باتوا يدركون واقعية ما قاله السفير الأميركي من بكركي حول أولوية هذا اللقاء بوصفه خطوة أساسية للانتقال إلى المرحلة الثانية من المسار وفق المفهوم الأميركي. فذلك يشكّل عملياً خريطة الطريق التي رسمتها واشنطن وتعمل على تنفيذها، ولا يبدو أن أحداً في لبنان يملك الجرأة على تجاوزها. وهذا يعني أن رئيس الجمهورية يتجه، في نهاية المطاف، إلى عقد اللقاء، فيما يبقى الخلاف على توقيته وظروفه.
بين عون والشرع: ترتيبات أمنية
ثمة أمر آخر يرتبط بما يصفه رئيس الجمهورية بأنه "ممر واقعي"، يتمثل في إبداء استعداده للتوصل إلى اتفاق ترتيبات أمنية مع إسرائيل، في استنساخ للموقف الذي سبق أن أعلنه الرئيس السوري أحمد الشرع، من دون أن يلقى أي تجاوب من نتنياهو. ويُفهم لبنانياً أن عون يريد التفاوض على ترتيبات أمنية مع إسرائيل في ظل استمرار احتلالها أجزاء من جنوب لبنان، لكن ليس بصورة مباشرة، بل عبر وفود على مستوى السفراء مدعومة بلجنة تفاوض صغيرة يُفترض أن يكون سيمون كرم جزءاً منها، على أن يُرحَّل التوقيع النهائي إلى مرحلة لاحقة، بعد إقرار الاتفاق. وعندها فقط، قد يصبح إجراء لقاء مع نتنياهو أمراً مطروحاً، بما ينسجم أيضاً مع المطلب العربي بحصر التفاوض في إطار أمني بحت.
اتصالات إقليمية لتغيير موقف ترمب
على أي حال، لا تزال الاتصالات ناشطة على مستوى "أصدقاء لبنان"، الذين يتوزعون بين دول عربية، كمصر والسعودية، ودول أجنبية، كفرنسا، للحؤول دون حصول لقاء عون - نتنياهو في الوقت الراهن، باعتبار أن لذلك انعكاسات كبيرة على الساحة اللبنانية، وقد يعرّض السلم الأهلي للاهتزاز. وفهم أن المسعى جاء بطلب لبناني. ويستند المصريون، مثلاً، إلى مقاربة تقوم على عدم حرق المراحل أو الذهاب إلى خطوات متسرعة.
ومن الواضح أن هناك اقتناعاً راسخاً بصعوبة تراجع دونالد ترمب عن دعوته الرئيس اللبناني إلى زيارة واشنطن وعقد لقاء مع نتنياهو علماً أن الدعوة لم توجه حتى الآن. كما أن عون سيكون في موقع حرج إذا امتنع عن تلبية الدعوة، إذ سيُفسَّر ذلك على أنه قرار بمواجهة ترمب أو إعلان صريح برفض طلبه. لذلك، ثمة خشية لبنانية من ردود الفعل الأميركية، ترافقها تحذيرات متزايدة. وقد نشأت عن ذلك محاولات عربية وإقليمية لإقناع ترمب بإيجاد مخرج معيّن يقوم على تفهّم الاعتذار اللبناني عن عدم الحضور، على أن يتخذ لاحقاً أي موقف يريده، لكن من دون أن يؤدي ذلك إلى الإضرار بالوضع اللبناني، أو، بصورة أوضح، من دون منح نتنياهو ضوءاً أخضر للتصعيد في لبنان.
انزعاج اميركي
في هذا الوقت، تسببت المواقف الأخيرة الصادرة عن رئاسة الجمهورية بشأن لقاء نتنياهو، ولا سيما إعلان الرئيس عون رفضه العلني لهذا الخيار، بحالة انزعاج لدى السفير الأميركي ميشال عيسى، خصوصاً بعد تداول تلك المواقف إعلامياً، سواء على شكل تسريبات أو تصريحات. وفُهم أن عيسى حاول الاستفسار عن الموقف الحقيقي للرئيس عون، علماً أنه سمع منه سابقاً ما يناقض ما يُقال في الإعلام.
وفي إطار سياسة الاحتواء، قامت رئاسة الجمهورية، بعد التواصل معها وإبلاغها انزعاج السفير الأميركي، بإزالة الموقف الذي عبّر عنه عون خلال استقباله وفداً من نواب "القوات اللبنانية"، والمتعلق بعدم رغبته في لقاء نتنياهو، عن الصفحات الرسمية للرئاسة على مواقع التواصل الاجتماعي. إلا أن ذلك لم يؤدِّ إلى إنهاء الإشكال، إذ يطالب الأميركيون بإيضاحات مباشرة حول الموقف الحقيقي للرئيس عون. ويبدو أنهم باتوا يربطون هذا الموقف بأساس استئناف مسار التفاوض، بما يُفهم منه أنه نوع من الضغط السياسي عليه.
إسرائيل "تقصف" إيران في بيروت
في موازاة ذلك، كانت إسرائيل تختبر شكلاً مختلفاً من التلاعب على الطريقة اللبنانية، بين القبول باللقاء ورفضه، مستغلة هذا الالتباس لتوسيع اعتداءاتها. وما زاد الأمور تعقيداً بالنسبة إليها، ما تسرّب عن احتمال حصول تقارب أميركي - إيراني برعاية صينية، إضافة إلى المعلومات التي تحدثت عن تطور في ورقة البنود التي قدّمتها إيران إلى واشنطن عبر باكستان، والتعليقات الإيجابية التي صدرت بشأنها، ولا سيما من ترمب نفسه.
وكما بات معلوماً، نصّت الورقة الإيرانية، في بندها الأول، على ضمان وقف إطلاق النار في لبنان وعلى مختلف الجبهات مع موعد توقيع الاتفاق. وقد أبلغ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لبنان بذلك رسمياً، خلال اتصاله الأخير بالرئيس نبيه بري، وفق ما أعلنه الأخير. ما يعني، في حال الموافقة الأميركية، مزيداً من القيود على حرية الحركة الإسرائيلية في لبنان.
في ضوء ذلك، اختارت تل أبيب التوقيت والظروف المناسبين، وبادرت إلى استصدار قرار أمني أتاح استهداف قيادي في المقاومة في عمق الضاحية الجنوبية لبيروت. وهي عملية تحمل في طياتها أبعاداً سياسية بقدر ما تحمل أبعاداً أمنية، إذ أرادت إسرائيل أن تؤكد أنها لا تربط الملف اللبناني بأي تسوية أميركية - إيرانية، في وقت يسعى الإيرانيون إلى إدراج لبنان ضمن مسار التفاوض مع واشنطن، ما خلق حالة من اختلال التوازن على الساحة اللبنانية.
وفي السياق نفسه، يُفهم أن إسرائيل استهدفت، في بيروت، الطرف الذي يراهن على المسار الإيراني لا الإسرائيلي، بهدف استفزازه ودفعه إلى رد فعل عسكري يطيح أي فرصة للتوصل إلى اتفاق، ويمنح لاحقاً مبررات للتصعيد. في المقابل، بدا الحزب، بصفته المعني المباشر، شديد الحذر في التعامل مع أي رد فعل يمكن أن تستفيد منه إسرائيل.
مصدر دبلوماسي: إيران ربطت لبنان بها
وفي هذا التوقيت، ثمة تأكيدات بأن ملف لبنان بات مرتبطاً، أكثر من أي وقت مضى، بالمسار الإيراني. لذلك تبدو إسرائيل في حال استنفار قصوى، وفق ما أكده دبلوماسي شرقي في بيروت لـِ «المدن». وقال المصدر إن إيران باتت أكثر تشدداً، بطلب من حزب الله، في ربط الملف اللبناني بمسار التفاوض الإيراني - الأميركي، لأسباب تتصل، جزئياً، بتعزيز موقع الحزب على الساحة اللبنانية ومنع استفراده.
وأضاف المصدر أن طهران أبلغت واشنطن، عبر باكستان، بأن مقاربتها للملف اللبناني تقوم على ثلاثة مبادئ: وقف كامل لإطلاق النار، وانسحاب إسرائيلي، وضمانات بعدم الاعتداء أو خرق اتفاق وقف إطلاق النار مستقبلاً. وبحسب تقدير المصدر، فإن إسرائيل ترفض هذه البنود، وللتأكيد على رفضها، ولإظهار أن لبنان بات جزءاً من المسار الإسرائيلي الخاضع لقرارها، نفذت هجومها الأخير على الضاحية الجنوبية لبيروت بعد توقف دام نحو شهر.
إلى ذلك، كشف المصدر عن وجود مسعىً صيني متزامن مع مساعي إسلام آباد، يهدف إلى خلق ما وصفه بـِ "مساحة مشتركة وإجراءات لبناء الثقة" بين الولايات المتحدة وإيران، تمهيداً لتوفير أجواء مناسبة لاستئناف المفاوضات المباشرة. ولهذا الغرض، زار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بكين، فيما يُنتظر أن يزورها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد أقل من عشرة أيام.




