مأزق الجمهورية.. والخروج من التيه!

نزيه درويشالخميس 2026/05/07
Image-1778064287
لبنان أمام مفترق طرق حقيقي (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

ليست المصافحة في "مفاوضات واشنطن" مجرّد تفصيل بروتوكولي، ولا الصورة ترفًا دبلوماسيًا عابرًا. هي، في جوهرها، تعبير مكثّف عن مأزق الجمهورية ذاتها: دولة تُستدعى إلى الطاولة من موقع الضعف، ويُطلب منها في الوقت نفسه أن تُحسن التفاوض كأنها في موقع الندّ. هي صورة لا تُحسد عليها، وتبدو بغيضة لكثير من اللبنانيين، لكنها ليست خيارًا يمكن التهرّب منه بسهولة. بل قد تكون فرصة ذهبية، يشكّل الإخفاق في التقاطها تفريطًا في إنقاذ لبنان من الارتطام الكبير.

ففي واحدة من اللحظات النادرة خلال الأربعين سنة الماضية، يجد لبنان نفسه تحت مظلة دولية فعلية تقودها الولايات المتحدة، قادرة، نظريًا، على فرملة اندفاعة إسرائيل التدميرية في مطاردة "حزب الله"، ومنح لبنان فرصة لالتقاط أنفاسه واستعادة جزء مما خسره. هي لحظة نادرة لأنها تقوم على تقاطع مصالح واضح: رئيس أميركي يتوق إلى إنجاز خارجي يُسجّله في رصيده، ولبنان يسعى، ولو من موقع الخسارة، إلى استعادة ما قضمته إسرائيل بأسرع وقت ممكن، قبل أن تتحول الخسارة إلى "أمر واقع" دائم. وبين هذين الهدفين، تلوح إمكانية، ولو ضئيلة، لضغط أميركي مباشر على إسرائيل، يفرض تسويةً تُعيد للبنان بعض حقوقه، مقابل ترتيبات أمنية تضمن أمن شمال إسرائيل.

لكن ما يبدو فرصة من الخارج، يتكشّف سريعًا في الداخل عن مأزق عميق. فالجمهورية التي تُستدعى إلى هذه اللحظة، تبدو أقل استعدادًا من أي وقت مضى لتلقّفها، لا بسبب غياب الإمكانات فحسب، بل بسبب انقسامها على ذاتها، وغموض خياراتها، وتضارب حسابات من يُفترض أنهم معنيون بإنقاذها.

 

عناصر المأزق

أولًا، تذهب الدولة اللبنانية إلى واشنطن للتفاوض، في المرحلة الأولى، على تثبيت وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة، وإعادة الأسرى قبل أي بحث في ملفات أخرى. وهو ما يُصرّ عليه الرئيس كشرط يسبق أي مصافحة. في المقابل، تُصرّ إسرائيل على عكس هذا الترتيب: نزع سلاح "حزب الله" أولًا، قبل تنفيذ أي من "الشروط اللبنانية".

لكن، وبغض النظر عن ترتيب الأولويات، وحتى لو وافقت إسرائيل جدلا على مقاربة لبنان، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف يمكن للدولة اللبنانية أن تضمن لاحقًا نزع سلاح الحزب؟ وهي التي اتخذت هذا القرار نظريًا، لكنها عجزت عن مقاربته عمليًا؟ وأي أدوات تملكها أصلًا لفرضه، في ظل ميزان قوى داخلي مختل، وتجارب سابقة أظهرت حدود قدرتها على التنفيذ؟ 

 

ثانيًا، اللحظة اللبنانية لم تنضج بعد. فالانقسام الداخلي بلغ مستويات غير مسبوقة من الحدّة، ليس سياسيًا فحسب، بل اجتماعيًا وثقافيًا أيضًا. خطاب الكراهية المتفشي، والانحدار اللغوي والأخلاقي في التعبير، ليسا مجرد ظواهر عابرة، بل هما مؤشران خطيران على استعداد كامن للعنف. ما نشهده اليوم هو "بروفة" لفظية لما قد يتحول إلى عنف مادي عند أول منعطف. في ظل هذا المناخ، كيف يمكن لأي مفاوض لبناني أن يدّعي تمثيل موقف وطني موحد؟ (بعيدًا عن حق الرئيس الدستوري في التفاوض)، وكيف يمكن لأي اتفاق أن يصمد إذا لم يكن مدعومًا بحد أدنى من الإجماع الداخلي؟

 

ثالثًا، الغموض الذي يلفّ مسألة التعامل مع "حزب الله". ما هي الخطة الأميركية الفعلية؟ هل هناك تصور واضح لكيفية دفع الحزب إلى تسليم سلاحه؟ وإذا كان الخيار هو الإكراه، فمن سينفّذ؟ الجيش اللبناني؟ قوة دولية وعربية؟ أم إسرائيل نفسها؟ وما هي الكلفة البشرية والسياسية لمثل هذا السيناريو؟ أما إذا كان الخيار هو الإقناع أو التسوية، فهل هناك عرض حقيقي يمكن أن يقبله الحزب؟ الواقع يشير إلى أن احتمال التسليم الطوعي ما يزال ضعيفًا للغاية، بانتظار البت النهائي في الملف الإيراني.

 

رابعًا، في حال افتراض سيناريو "تسوية" مع الحزب، يبقى السؤال الجوهري: ما هو الثمن؟ مَن سيدفع؟ الولايات المتحدة لا تدفع من جيبها، وإسرائيل ليست معنية إلا بأمنها المباشر، وبالتالي يبقى لبنان "الحلقة الأضعف" والمرشح لتحمل كلفة أي صفقة. هنا يبرز هاجس "إعادة توزيع الكعكة" الداخلية: هل نحن أمام تعديل في موازين السلطة والنفوذ لتعويض الحزب أو بيئته عن خسارة السلاح؟ وما هي حدود هذا التعديل؟ وهل سيبقى ضمن إطار النظام الحالي، أم سيفتح الباب لتغييرات أعمق في بنية النظام السياسي؟ ولا تستقيم هنا نظرية "لا شروط للمغلوب"، لأنه مغلوبٌ إسرائيليًا وليس داخليًا.

 

خامسًا، لا يمكن فهم المشهد من دون التوقف عند التحرك العربي، ولا سيما السعودي والمصري، الذي بدا وكأنه يسارع إلى فرملة هذا المسار. أغلب الظن أن ذلك لم ينبع فقط من توجس من "التوقيع المنفرد"، على ما طبّل ممانعون، بقدر ما هو خشية من نتائج أي تسوية داخلية محتملة كثمن للسلام. فالدول العربية المعنية لم تكن يومًا داعمة لسلاح الحزب، ولم تعتبره يومًا "ورقة قوة". لكنها لا ترغب في أن يكون نزعه ثمنًا لإعادة صياغة التوازنات الداخلية في لبنان بطريقة قد تمنح مكاسب إضافية لطرف على حساب آخر.

من هنا، يمكن قراءة العودة اللافتة إلى التشديد على "اتفاق الطائف" كأداة سياسية لقطع الطريق أمام أي تنازلات قد تُقدَّم من حساب التوازنات الطائفية الدقيقة. الخشية العربية مزدوجة: قلقٌ من مكاسب سياسية "تعويضية" لممثلي "الطائفة الشيعية" تخلّ بالنظام؛ وقلقٌ أقلّ، من استغلال بعض القوى المسيحية للحظة الضعف هذه، للمطالبة باستعادة ما خسرته في "الطائف" نتيجة اختلال ميزان القوى حينها. فلبنان، في ظل هشاشته الحالية، قد لا يحتمل فتح ملف خطير قد يؤدي إلى تفجير ما تبقى من استقراره النسبي.

 

الآتي أعظم!

إذا كانت هذه هي تعقيدات المرحلة الأولى؛ أي "ترتيب البيت الداخلي"، فإن ما يليها لا يقل خطورة.

هل تكفي المظلة الأميركية وحدها لحماية لبنان من إسرائيل؟ ماذا لو تغيرت السياسات والأولويات؟ وهي غالبًا ما تتغيّر. ماذا لو تحوّلت هذه المظلة نفسها إلى أداة ضغط على لبنان بدل أن تكون درعًا له؟

وهل يشكّل السلام مع إسرائيل حلًا لمشاكل لبنان؟ وأي سلام في منطقة لم تعرف الاستقرار بعد؟ ما هي شروط هذا السلام؟ ما هي حدوده؟ كيف يمكن ضمان احترامه من الطرفين؟ وهل يملك لبنان أصلًا القدرة على فرض احترام توقيع إسرائيل، في ظل اختلال موازين القوى و"مزاجية" الضامن الأميركي؟

ثم، حتى لو تحقق السلام، هل يكفي ذلك لإعادة لبنان إلى سكة التعافي؟ أم أننا أمام وهم جديد؟ فالاقتصاد المنهار، والبنية التحتية المدمرة، والمؤسسات المشلولة، تحديات لا يحلها السلام تلقائيًا. إعادة الإعمار تحتاج إلى موارد هائلة، وإدارة شفافة، وإلى ثقة دولية ومحلية مفقودة تمامًا.

يبقى السؤال الإنساني الأكثر إلحاحًا: ماذا عن الناس؟ كيف سيُعاد إعمار القرى والبلدات التي سُوّيت بالأرض؟ متى؟ ومن سيموّل؟ وكيف سيعود مئات الآلاف من المهجّرين وهم يحملون في صدورهم غضبًا وألمًا وخيبة؟ أي مشروع سياسي لا يضع هذه التساؤلات في صلبه، يبقى مغامرة كبيرة تحتمل الفشل.

 

الخروج من التيه!

في المحصلة، نحن أمام مفترق طرق حقيقي. الأسئلة معقّدة، وربما لا إجابات جاهزة لها. لكن ما لم يعد ممكنًا هو الاستمرار في دوامة الحرب والدمار والتهجير. ربما يكون "مأزق واشنطن" فرصة بحد ذاته، وقد تكون الأخيرة المتاحة قبل "الانفجار الكبير". لذا، فإن تجاهلها أو التعامل معها بخفة أو بشعارات فارغة قد يكون خطأ فادحًا. 

المطلوب اليوم، قدر من العقلانية والجرأة؛ عقلانية في قراءة الواقع كما هو، لا كما تصوره نظريات "المناضلين" خلف شاشات هواتفهم، وجرأة في اتخاذ قرارات صعبة، حتى وإن كانت غير شعبية. لم نعد نملك ترف الوقت، والخيارات تتقلّص بسرعة: إما التقدّم نحو بداية تعافٍ بطيء ومؤلم، أو الانزلاق نحو هاوية الفوضى.. وتيه الشعارات الجوفاء الأنانية القاتلة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث