يترقّب لبنان لحظةً إقليميّةً شديدة الحساسيّة، مع تقدّم الحديث عن اتّفاقٍ وشيكٍ بين الولايات المتّحدة الأميركيّة وإيران، بالتّزامن مع انتهاء المهلة التي منحها الرّئيس الأميركيّ لطهران للرّدّ على مقترحٍ أميركيّ جديد. غير أنّ ما يجري في الكواليس الدّبلوماسيّة لا ينفصل عمّا يحدث في الميدان اللّبنانيّ، حيث أثبتت الوقائع أنّ الجنوب والبقاع والضّاحية الجنوبيّة لبيروت ما زالت تتحرّك ضمن إيقاع التّفاوض الإقليميّ، رغم إصرار الدّولة اللّبنانيّة على فصل مسارها عن المسار الإيرانيّ. فلبنان، عمليًّا، حاضرٌ كبندٍ أساسيّ في أيّ تفاهمٍ أميركيّ- إيرانيّ محتمل، وهو ما أبلغه وزير الخارجيّة الإيرانيّ إلى رئيس مجلس النّوّاب نبيه برّي في آخر اتّصالٍ بينهما. وفي موازاة ذلك، يتحضّر لبنان لجولةٍ ثالثةٍ من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل في واشنطن، بوساطةٍ أميركيّة، وقد أعلنت الخارجية الأميركية موعدها يومي الخميس والجمعة من الأسبوع المقبل. لكنّ هذا المسار التّفاوضيّ يأتي تحت ضغط تصعيدٍ إسرائيليّ متدرّج، شمل الجنوب والبقاع، ووصل إلى الضّاحية الجنوبيّة لبيروت، في أوّل خرقٍ أمنيّ كبير للعاصمة منذ بدء سريان وقف إطلاق النّار، مع إعلان رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو تصفية أكثر من مئتي عنصرٍ من "حزب الله"، وتأكيده أنّ "لا حصانة لمن يهدّد إسرائيل في بيروت".
واشنطن وطهران: لبنان داخل سلّة التّفاوض
لم يعد ممكنًا قراءة المشهد اللّبنانيّ بمعزلٍ عن المفاوضات الأميركيّة، الإيرانيّة. فالميدان اللّبنانيّ، وتحديدًا جبهة الجنوب، تحوّل مجدّدًا إلى ورقةٍ من أوراق الاختبار بين واشنطن وطهران، وإلى مساحةٍ تقيس فيها الأطراف حدود الضّغط وحدود التّسوية. لبنان الرسميّ يحاول تثبيت معادلةٍ واضحة: قراره وملفّاته وحدوده وأمنه يجب أن تُناقَش تحت سقف المؤسّسات اللّبنانيّة، لا ضمن تسوياتٍ خارجيّة تتجاوز الدّولة. إلّا أنّ الواقع الميدانيّ يقول إنّ هذا الفصل لا يزال صعبًا. فكلّما تقدّمت المفاوضات الأميركيّة- الإيرانيّة، ارتفع منسوب الرّسائل العسكريّة على الجبهة اللّبنانيّة، وكلّما اقترب موعد تفاوضيّ، بادرت إسرائيل إلى تثبيت قواعد اشتباكٍ بالنّار.
هنا تكمن المفارقة: لبنان يريد أن يفاوض على انسحابٍ كامل، وترسيمٍ واضح، وأسرى، وعودة النازحين، وإعادة إعمار، ووقفٍ نهائيّ للأعمال العدائيّة. أمّا إسرائيل فتريد أن تفرض، قبل أيّ جلسةٍ سياسيّة، واقعًا أمنيًّا يجعل التّفاوض امتدادًا للأمر الواقع العسكريّ، لا بديلًا عنه.
جولة واشنطن الثّالثة: تفاوض تحت القصف
في هذا المناخ، تتّجه الأنظار إلى الجولة الثّالثة من المحادثات بين لبنان وإسرائيل في واشنطن،. وتنتظر بيروت ردًّا أميركيًّا مستوى التّمثيل، وسط معلوماتٍ عن رغبةٍ أميركيّة في خفض التّصعيد الإسرائيليّ، تمهيدًا لتثبيت وقف إطلاق النّار والانتقال إلى الخطوة التّفاوضيّة الثّانية.
وعلمت "المدن" أنّ الوفد اللبناني سيضمّ هذه المرة السفير السابق لدى الولايات المتحدة سيمون كرم، والسفيرة الحالية ندى حمادة معوض، ونائب رئيس البعثة وسام بطرس، والملحق العسكري في السفارة اللبنانية.
وبحسب تسريبات عن مصادر رسميّة لبنانيّة، فإنّ المفاوضات المرتقبة ستتناول مسارين متوازيين: أمنيّ وسياسيّ. الأوّل يتعلّق بتثبيت وقف النّار ومنع الخروقات، والثّاني يبحث في الانسحاب الكامل، والحدود، والأسرى، والنازحين، وإعادة الإعمار.
وتسعى الرّئاسة اللّبنانيّة، وفق المصدر نفسه، إلى بحث اتّفاقٍ لوقفٍ نهائيّ للأعمال العدائيّة بين لبنان وإسرائيل، على أن تسبق ذلك خطوةٌ عمليّة قبل 17 أيّار، تتمثّل في تمديد الهدنة والتزامٍ إسرائيليّ واضح بوقف إطلاق النّار.
لكنّ بيروت لا تذهب إلى واشنطن بوهم السّلام. فالموقف اللّبنانيّ، كما يجري تظهيره في الكواليس، لا يقوم على توقيع اتّفاقيّة سلام، بل على مسارٍ سقفه الأقصى استعادة الحقوق مقابل اتّفاق عدم اعتداء، يبدأ بالمفاوضات وينتهي بانسحابٍ كامل ووقفٍ نهائيّ للاعتداءات.
غارة الضّاحية: رسالة لإجهاض المسار
الغارة الإسرائيليّة على حارة حريك في الضّاحية الجنوبيّة لبيروت شكّلت نقطة تحوّلٍ خطيرة في مسار الهدنة. فهي لم تكن مجرّد عمليّة اغتيالٍ أمنيّة، بل رسالة سياسيّة مباشرة، أرادت إسرائيل من خلالها القول إنّ العاصمة ليست خارج بنك الأهداف، وإنّ أيّ تفاوضٍ لن يقيّد حرّيّة عملها العسكريّة.
استهدفت الغارة قائد قوّة "الرّضوان" في "حزب الله"، مالك (أو أحمد غالب) بلوط، وفق الرّوايات المتداولة، في أوّل استهدافٍ للعاصمة منذ بدء سريان اتّفاق وقف إطلاق النّار. وسارع نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس إلى تبنّي العمليّة، فيما نقلت هيئة البثّ الإسرائيليّة عن مسؤولٍ كبير أنّ المقرّ المستهدف كان قد أصدر تعليماتٍ بخرق وقف إطلاق النّار.
وتضاربت الرّوايات الإسرائيليّة غير الرّسميّة حول طريقة التّنفيذ. فإذاعة الجيش تحدّثت عن غارةٍ نفّذتها مقاتلات حربيّة، فيما ذكرت "يسرائيل هيوم" أنّ بارجةً حربيّة أطلقت ثلاثة صواريخ من البحر المتوسّط. لكنّ الأهمّ من الوسيلة هو التّوقيت: الضّربة جاءت عشيّة التّحضير لجولة واشنطن، ما جعلها تبدو محاولةً لرفع سقف الشّروط الإسرائيليّة قبل الجلوس إلى الطّاولة.
مصدرٌ رسميّ لبنانيّ وصف الغارة بأنّها "رسالة إسرائيليّة لعرقلة مسارات المفاوضات"، كاشفًا أنّ الرّئاسة اللّبنانيّة أبلغت واشنطن أنّ أيّ لقاءٍ في الظّرف الرّاهن مع نتنياهو قد يؤدّي إلى إجهاض مساعي الاستقرار. كما أشار إلى وجود تفهّمٍ أميركيّ للموقف اللّبنانيّ الرّافض لعقد لقاءٍ الآن بين الرّئيس جوزاف عون ونتنياهو.
نتنياهو يرفع السّقف: "لا حصانة في بيروت"
في الخطاب الإسرائيليّ، لم تعد الضّاحية وحدها عنوانًا للمعادلة، بل بيروت كلّها. قال نتنياهو إنّ "لا حصانة لمن يهدّد إسرائيل"، مضيفًا أنّ قائد "الرّضوان" كان يعتقد أنّه "محصّن" في بيروت، قبل أن يؤكّد أنّ "أيّ إرهابيّ لن يتمتّع بالحصانة في بيروت".
وهذا فيه شيءٌ من الإعلان السّياسيّ عن توسيع نطاق الاستهداف، وربط العاصمة بمنطق الجبهة. كما أعلن نتنياهو أنّ القوّات الإسرائيليّة "صفّت"، خلال الشّهر الأخير، أكثر من مئتي عنصرٍ من "حزب الله" ممّن قال إنّهم "عملوا ضدّ إسرائيل"، مشيرًا إلى تصفية عناصر في لبنان وغزّة. قال إنّهم كانوا يعملون ضدّ قوّاته.
ميدانيًّا، ترافق هذا الخطاب مع تصعيد في الغارات جنوبًا وارتفاع أعداد الضحايا. وبهذا المعنى، كان التّصعيد مزدوجًا: سياسيّ في التّهديد، وعسكريّ في توسيع رقعة الخرق.
"إنجاز عمليّاتيّ" ورسائل إلى الدّاخل الإسرائيليّ
تزامن العدوان على الضّاحية مع اليوم الأوّل لتسلّم القائد الجديد لسلاح الجوّ الإسرائيليّ عومر تيشلر مهامّه. وقد قرأت وسائل إعلامٍ إسرائيليّة هذا التّزامن بوصفه محاولةً لتقديم "إنجازٍ عمليّاتيّ" سريع، في لحظةٍ يواجه فيها نتنياهو انتقاداتٍ داخليّة بشأن تقييد حرّيّة عمل الجيش في لبنان.
فالحكومة الإسرائيليّة تريد، عبر هذه العمليّات، إقناع جمهورها بأنّ وقف إطلاق النّار لا يعني وقف الاستهداف، وأنّ الجيش يحتفظ بيده الطّولى في لبنان. كما تريد أن تقول للولايات المتّحدة إنّها لن تدخل أيّ تفاوضٍ وهي مكبّلة، ولـ"حزب الله" إنّ إعادة ترميم القدرات ستُواجَه بالضّربات الاستباقيّة.
موقع "والا" الإسرائيليّ نشر تقريرًا عن استهداف القياديّ في وحدة "الرّضوان" أحمد غالب بلوط، مشيرًا إلى أنّه شغل، على مدى سنوات، مناصب عدّة داخل الوحدة، وكان مسؤولًا عن جاهزيّتها للقتال ضدّ الجيش الإسرائيليّ. ونقل الموقع عن الجيش الإسرائيليّ أنّ بلوط اضطلع بدورٍ في تعزيز قدرات القوّة وتوجيه عناصرها لتنفيذ عمليّات في جنوب لبنان، بينها إطلاق صواريخ مضادّة للدّروع واستخدام عبواتٍ ناسفة.
كما قالت الرّواية الإسرائيليّة إنّه عمل على إعادة ترميم قدرات وحدة "الرّضوان"، ولا سيّما من خلال محاولات إعادة تفعيل ما تُسمّيه إسرائيل "خطّة احتلال الجليل"، وهي الخطّة التي تعتبرها تل أبيب تهديدًا مباشرًا لمستوطناتها الشّماليّة.
اغتيالات متتالية وتثبيت قواعد جديدة
لم يكن استهداف بلوط عمليّةً معزولة. فبالتّوازي، تحدّث الإعلام الإسرائيليّ عن مقتل عددٍ من عناصر "حزب الله" الذين وصفهم الجيش الإسرائيليّ بأنّهم من القيادات البارزة، بينهم محمد علي بزي، الذي شغل خلال السّنوات الأخيرة منصب قائد قسم الاستخبارات في وحدة "نصر"، وحسين حسن روماني، المسؤول عن منظومة الدّفاع الجوّي في الحزب.
ووفقًا للرّواية الإسرائيليّة، فإنّ القادة الذين جرى اغتيالهم كانوا يعملون على التّخطيط وتنفيذ عمليّات ضدّ القوّات الإسرائيليّة والمواطنين الإسرائيليّين. وأكّد الجيش الإسرائيليّ أنّ عمليّاته في جنوب لبنان مستمرّة، بهدف إزالة ما يعتبره تهديداتٍ تستهدف قوّاته العاملة في المنطقة وسكّان إسرائيل.
وأشار الجيش إلى أنّه منذ بدء تفاهمات وقف إطلاق النّار، جرى اغتيال أكثر من 220 عنصرًا وقائدًا من "حزب الله"، قال إنّهم شكّلوا تهديدًا لقوّاته ولمواطنيه، كما تحدّث عن مقتل أكثر من 85 عنصرًا خلال الأسبوع الماضي وحده، في إطار عمليّاتٍ مشتركة نفّذها سلاح الجوّ والقوّات المقاتلة.
هذه الأرقام، بصرف النّظر عن دقّتها، تُستخدم إسرائيليًّا لتكريس معادلةٍ جديدة: وقف النّار لا يلغي حقّ إسرائيل في الاغتيال، والهدنة لا تعني حماية أيّ هدف تعتبره تل أبيب تهديدًا.
بيروت بين واشنطن وطهران ودمشق
في موازاة المسار الجنوبيّ، تتّجه الأنظار إلى زيارة رئيس الحكومة نواف سلام المرتقبة إلى سوريا ولقائه الرّئيس السّوريّ أحمد الشّرع. الزيارة تحمل ملفّاتٍ سياسيّة واقتصاديّة وأمنيّة، وقد تشكّل محطّةً أساسيّة لإعادة تنظيم عددٍ من القضايا العالقة بين البلدين، خصوصًا مع تداخل الملفّات الحدوديّة والأمنيّة والاقتصاديّة.
هذه الحركة باتّجاه دمشق ليست منفصلةً عن المشهد العام. فلبنان يحاول إعادة ترتيب هوامشه الإقليميّة، من واشنطن إلى طهران وصولًا إلى دمشق، فيما يواجه ضغوطًا إسرائيليّة متواصلة ومطالب داخليّة بحصر السّلاح بيد الدّولة.
وفي هذا السّياق، قال المصدر الرّسميّ اللّبنانيّ إنّ أيّ دعمٍ إيرانيّ لموقف لبنان هو "مشكور إذا كان يؤدّي إلى وقف إطلاق النّار"، لكنّه شدّد على أنّ أيّ مسعى إيرانيّ يجب أن يمرّ عبر المؤسّسات اللّبنانيّة، وأن يسهم في تنفيذ قرار حصر السّلاح.
وختم المصدر بالتّأكيد أنّه "يجب إنهاء مهمّة السّلاح"، لافتًا إلى أنّ هذا الأمر يحتاج إلى وقتٍ ومعالجاتٍ سياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة.
تفاوض بلا أوهام
يدخل لبنان المرحلة المقبلة بين حدّين: تفاوضٌ في واشنطن، ونارٌ إسرائيليّة على الأرض. وبينهما، تحاول الدّولة تثبيت حضورها بوصفها المرجعيّة الوحيدة لأيّ مسارٍ أمنيّ أو سياسيّ.
لكنّ نجاح هذا المسار يتوقّف على ثلاثة شروط: وقف الخروقات الإسرائيليّة، تثبيت الانسحاب الكامل ضمن جدولٍ واضح، وتحويل مطلب حصر السّلاح إلى عمليّةٍ سياسيّة قابلة للتّنفيذ، لا إلى شعارٍ للاستهلاك أو مادّةٍ للتّفجير الدّاخليّ.
إسرائيل تريد تفاوضًا تحت الضّغط. لبنان يريد تفاوضًا يقود إلى وقف الاعتداءات واستعادة الحقوق. أمّا واشنطن، فتدير الإيقاع بين التّهدئة والضّغط، فيما تراقب طهران موقع لبنان داخل سلّة التّفاهمات الكبرى. وبين هذه العواصم، يبقى الجنوب هو الميزان الأخطر: هناك تُختبر الهدنة، وهناك تُرسم حدود التّسوية أو الحرب.




