لبنان على حافة الفتنة ودور نبيه بري في درء الانفجار

مصطفى علّوشالخميس 2026/05/07
52079202387_20c7c11452_o.jpg
بري، أحد آخر الفاعلين القادرين على التأثير داخل البيئة الشيعية (مجلس النواب)
حجم الخط
مشاركة عبر

"يبكي ويضحك لا حزناً ولا فرح كعاشق خط سطراً بالهوى ومحا

لو كنت تدرين ما ألقاه من شجن لكنت أرفق من آسى ومن صفح

غداة لوحت بالآمال باسمة لان الذي ثار وانقاد الذي جمح

فالروض مهما زهت قفر إذا حرمت من جانح رف أو من صادح صدح" (الأخطل الصغير)

 

في أيام المراهقة في طرابلس، أذكر أن بعضنا كان يتجمع في باب التبانة لتنطلق مسيرة صاخبة بالهتافات المطلبية تجوب الأحياء، لينضم إليها وفود من القبة والأسواق والزهرية وآخرون من مناطق أخرى، لنتجمع في ساحة التل وسط المدينة، حيث كانت خراطيم المياه تنتظرنا لإجبارنا على التفرق. كانت أيام اللعب مع الشرطة أمراً ممتعاً بين مطاردة مختصرة وضرب عصي وزجاجات فارغة، إلى أن يتفرق الجمع بثياب مبللة. مصيبتي كانت دائماً هي كيفية شرح الأمر لوالدتي بأن مسألة عمال التبغ في الجنوب أو قضية فلسطين أو زيارة الحبيب بورقية أو ذكرى تأسيس الجامعة العربية... تستأهل البلل بالمياه الباردة، حتى إن تبعتها نزلة برد بحرارة مرتفعة وسعال حاد. 

في تلك الأيام، كان مجرد التفكير بمذهب عامل التبغ نوع من التجديف. فالكل كان واحداً في مواجهة السلطة والظلم الاجتماعي، الذي كان يشمل مارونياً يسكن في الجرود، أو سنياً في أقاصي عكار أو علوياً يتشارك مع سني في باب التبانة بضيق سبل الرزق، أو شيعياً في الجنوب أو البقاع يطارد لقمة عيش كانت تهرب منه. الكل كان يطالب بالخبز والعلم والطبابة، وكلها لا دين لها ولا مذهب. 

 

أذكر أيضاً كيف كانت صور حسن نصرالله تزين بيوت الناس الحالمين برد الكرامة ودحر العدو الغاصب، حتى ولو كان ثمن ذلك الموت والدمار. فقد كانت وقفة العز أعز من الحياة. وأذكر أن الشيخ نعيم قاسم كان يقوم بجولاته العديدة في طرابلس، خصوصاً في رمضان، فكان الجميع يتحلقون حوله لأخذ البركة من ثوب المقاومة، ومن ثم جمع التبرعات بما تيسر من أجل دعم المواجهة مع العدو. في تلك الأيام، لم يكن أحد منا مهتماً بشكل عمامة الشيخ، وكان معظمنا يمجد الحسين المناضل ويهجو يزيد الذي يمثل السلطة الظالمة. 

حتى عندما عاد الخميني إلى إيران سنة 1979، أخذ حتى أكثر اليساريين إلحاداً ينظّرون لإسلام ثوري يعم العالم العربي السني النائم والمستسلم لإسرائيل وأميركا. وسوغ بعض الشيوعيين التنكيل برفاقهم الإيرانيين، وصاروا يأخذون التوجيهات الأسبوعية من خطب الخميني ظهر نهار الجمعة في جامعة طهران. وأذكر كم طربنا لأنشودة أحمد فؤاد نجم في تمجيد ثورة إيران بالتمني أن تمتد إلى مصر بقولة "لو كان الخميني عمنا... والمعارضة يد واحدة عندنا... كنا دسنا شاهنا وأمريكانه بنعلنا... وانطلقنا بثورة من أوسع طريق..." وبعدها "خلاصة الكلام... يزيد ولّا الحسين؟".

اليوم، مات الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، واندثرت أجيال عاشت على أسطورة الظفر والتضحية وحلم الاستشهاد. وأجبر النظام في إيران على إظهار وجهه الحقيقي بأنه مشروع سلطة بغلاف مذهبي، يشبه في مضمونه السياسي ما فعله ويفعله كل الساعين إلى السيطرة، وإن بشعارات متعددة. وصار الحرس الثوري وأتباعه، عند الكثيرين من الناس، يشبهون لواء جولاني في إسرائيل أو فرقة القبعات الخضر في أميركا...  لكن، في لبنان، بقيت الضحية هي ذاتها. فعمال التبغ ضحايا السلطة والإقطاع، صاروا مع منظمة التحرير الفلسطينية ضحايا جانبيين لصراع مصيري مع إسرائيل، وضحايا لصراع حافظ الأسد والخميني في حروب أمل وحزب الله، وهم اليوم أيضاً ضحايا أسطورة الولي الفقيه ووكالته للمهدي. 

 

في المحصلة، يقف لبنان اليوم عند مفترق دقيق، حيث تتقاطع أزمات الداخل مع ضغوط الإقليم، فيما تتراجع قدرة الدولة على ضبط التوازنات التي قامت عليها. لفهم خطورة اللحظة، لا بد من العودة إلى مسار تحوّل أحد أهم عناصر القوة في التجربة اللبنانية المعاصرة: المقاومة. وكيف انتقلت من إطار جامع إلى عنصر انقسام، وما يفرضه ذلك من أدوار على القيادات القادرة على التأثير، وفي مقدمتها نبيه بري.

ففي بداياتها، شكّلت المقاومة حالة وطنية جامعة. فقد التقت حولها شرائح واسعة من اللبنانيين، ووجد فيها السنة والشيعة، إلى جانب قوى أخرى، إطارًا للدفاع عن الأرض في مواجهة الاحتلال. في تلك المرحلة، بدت المقاومة تعبيرًا عن إجماع وطني يتجاوز الانقسامات التقليدية، ويؤسس لمشترك سياسي وأخلاقي حول قضية السيادة. غير أن هذا الإجماع تآكل تدريجيًا تحت وطأة تحولات داخلية وإقليمية. بدأ الخطاب المقاوم يضيق ضمن إطار أكثر ارتباطًا بالهوية المذهبية، في موازاة صعود محور إقليمي أعاد تعريف موقع المقاومة ضمن شبكة أوسع من الصراعات. ومع هذا التحول، اتسعت المسافة بين فكرة المقاومة كقضية وطنية، وبين تموضعها الفعلي في توازنات سياسية ومذهبية معقدة. 

 

شكّل اغتيال رفيق الحريري في العام 2005 نقطة تحوّل مفصلية في مسار العلاقات الداخلية. أدّى الحدث إلى إعادة رسم خطوط الانقسام، وأدخل البلاد في مرحلة من الاستقطاب الحاد. في تلك اللحظة، تغيّرت نظرة جزء كبير من اللبنانيين إلى المقاومة، خصوصًا داخل البيئة السنية. تحوّل النقاش من دور السلاح إلى سؤال الهوية والانتماء، وهذا ما عمّق الانقسام وأضعف إمكان استعادة الإجماع الوطني السابق.

ثم جاء التدخل العسكري في سوريا ليكرّس هذا التحول. فقد نقل الصراع من مستوى داخلي قابل للإدارة إلى مستوى إقليمي مفتوح، وربط مصير لبنان مباشرة بمسارات الحرب في المنطقة.أدّى هذا التدخل إلى توسيع الفجوة بين الطوائف اللبنانية وتعزيز الشعور بأن قرار الحرب والسلم لم يعد وطنيًا، وتعميق ارتباط جزء من الداخل اللبناني بمحاور خارجية. في هذه المرحلة، لم تعد المقاومة تُقرأ بوصفها أداة دفاع وطني، بل كجزء من صراع إقليمي ذي أبعاد مذهبية، وهذا ما ساهم في إعادة إنتاج الانقسام الداخلي بصورة أكثر حدة. انعكست هذه التحولات على النسيج الاجتماعي اللبناني. تراجعت مساحات التلاقي التي كانت تجمع السنة والشيعة حول قضايا مشتركة، وحلّ مكانها خطاب يقوم على الشك المتبادل والخوف من الآخر. تحوّل الخلاف من سياسي إلى وجودي في نظر كثيرين، وتآكلت الثقة التي كانت تشكّل قاعدة للاستقرار.

 

في هذا السياق، يبرز دور نبيه برّي بوصفه أحد آخر الفاعلين القادرين على التأثير داخل البيئة الشيعية وعلى مستوى النظام اللبناني ككل. فقد لعب تاريخيًا دور الوسيط وضابط الإيقاع في لحظات التوتر، مستندًا إلى موقعه في حركة أمل وإلى خبرة سياسية طويلة في إدارة الأزمات. وهنا، لا أريد أن أظهر بمظهر من يمدح الرجل، فهو ما زال بالنسبة لي مع غيره من طوائف أخرى، رمزاً فاقعاً من رموز الانهيار السياسي والاقتصادي والأخلاقي في لبنان، كما أنني لا أحاول دس السم بالعسل لدفعه للمواجهة. لكن اللحظة الراهنة تفرض انتقال دوره من إدارة التوازنات إلى منع الفتنة. ويتطلب ذلك جملة من الخطوات السياسية الواضحة تتلخص بإعادة تثبيت المرجعية الوطنية وإطلاق موقف سياسي صريح، يؤكد أن مرجعية القرار النهائي تبقى داخل الدولة اللبنانية، وأن أي ارتباطات إقليمية يجب أن تخضع لمصلحة لبنان أولًا. يشكّل هذا الموقف أساسًا لإعادة بناء الثقة مع باقي المكونات. من ثم الدعوة إلى حوار وطني يعالج القضايا الخلافية الكبرى، وفي مقدمها مسألة السلاح، ضمن مقاربة تدريجية توازن بين متطلبات السيادة والهواجس الأمنية. يملك بري موقعًا يسمح له بلعب دور الضامن لهذا الحوار. إذ يمكنه استخدام موقعه وخطابه لخفض منسوب التوتر، عبر إعادة توجيه النقاش من الهوية والانتماء إلى المصالح المشتركة، والعمل على إعادة وصل ما انقطع بين البيئات اللبنانية. 

الأهم هنا هو العمل على تقليص تأثير الصراعات الإقليمية على الداخل اللبناني، عبر الدفع نحو تحييد لبنان قدر الإمكان عن المواجهات المفتوحة. وتتجاوز هذه الأدوار الحسابات السياسية التقليدية، لتدخل في إطار المسؤولية التاريخية. يملك بري فرصة التأثير في مسار الأحداث عبر مبادرة تعيد توجيه البوصلة نحو الداخل اللبناني، وتفتح الباب أمام استعادة الدولة لدورها. تفرض هذه المرحلة إعادة تعريف مفهوم المقاومة ضمن إطار الدولة، بما يعيد ربطها بالمصلحة الوطنية ويمنع استخدامها في صراعات تتجاوز لبنان. يشكّل هذا التحول مدخلًا لإعادة بناء الثقة بين اللبنانيين، واستعادة الحد الأدنى من التوازن.

 

مرّت مسألة المقاومة في لبنان بمسار تحوّل من حالة وطنية جامعة إلى عنصر انقسام داخلي، تحت تأثير عوامل مفصلية أبرزها اغتيال رفيق الحريري والتدخل في سوريا. وفي ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى دور قيادي قادر على منع الانزلاق إلى الفتنة.يقف نبيه بري أمام لحظة مفصلية، حيث يمكن لمبادرته أن تساهم في إعادة توجيه المسار نحو الاستقرار، أو أن يبقى لبنان أسير توازنات قابلة للانفجار في أي لحظة. هذه الحالة يمكن تحويله من مسألة ابتزاز وطني قد تؤخر الانفجار إلى لحظة يصبح حتمياً وأكثر تدميراً، لا يمنكن احتواؤه. أو يمكن تحويله إلى حل حتى ولو أدى إلى خلاف شديد ضمن شيعة لبنان، لكن يمكن احتواؤه.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث