دخل لبنان، اليوم الأربعاء، مرحلةً سياسيّةً وأمنيّةً أكثر تعقيدًا: مفاوضاتٌ مرتقبة في الولايات المتّحدة بين لبنان وإسرائيل، غاراتٌ إسرائيليّة على الجنوب والبقاع، تهديداتٌ عسكريّة من داخل الأراضي اللبنانيّة، حراكٌ رسميّ في عين التينة، اشتباكٌ تشريعيّ حول العفو العام، حكمٌ قضائيّ بارز في ملفّ فضل شاكر وأحمد الأسير، ونداءٌ مارونيّ يدفع بوضوح نحو السلام والحياد وحصريّة السلاح. وسط هذا المشهد، تبدو الدولة اللبنانيّة أمام اختبارٍ مزدوج: كيف تفاوض تحت النار، وكيف تعيد بناء قرارها السياديّ في ظلّ سلاحٍ خارج المؤسّسات واحتلالٍ يحاول تثبيت وقائع ميدانيّة جديدة في الجنوب.
كرم إلى واشنطن: تفاوضٌ بلا لقاءٍ سياسيّ مباشر
علمت "المدن" أنّ السفير سيمون كرم سيمثّل لبنان في المفاوضات المقبلة بين لبنان وإسرائيل، والمقرّر عقدها في الولايات المتّحدة الأميركيّة الأسبوع المقبل. والاختيار ليس تقنيًّا فقط، بل يحمل دلالة سياسيّة واضحة: لبنان يريد الذهاب إلى مسارٍ تفاوضيّ مضبوط، من دون تحويله إلى لقاءٍ سياسيّ رفيع قد يُفسَّر على أنّه انتقالٌ مباشر إلى التطبيع.
وبحسب المعلومات، اختار رئيس الجمهوريّة جوزاف عون كرم للمشاركة في المفاوضات، في إطار المطالبة بتثبيت وقف إطلاق النار كاملًا، والانتقال إلى بحثٍ أمنيّ هدفه التوصّل إلى ترتيبٍ يوقف الاعتداءات الإسرائيليّة ويعيد تثبيت الحدود السياسيّة والأمنيّة للصراع.
وتشير المعلومات إلى أنّ مشاركة كرم تهدف أيضًا إلى تجنّب أيّ لقاءٍ محتمل بين عون ونتنياهو في هذه المرحلة، قبل تحضير الأرضيّة السياسيّة والتفاوضيّة لأيّ اجتماعٍ من هذا النوع. فالموقف اللبناني، كما يتبلور، يقوم على أنّ أيّ لقاءٍ رفيع يجب أن يأتي بعد الاتفاق على المخرجات، لا أن يكون مدخلًا إلى تفاوضٍ بلا ضمانات.
ومن المفترض أن يشارك إلى جانب كرم ممثّلٌ عن الجيش اللبناني، والسفيرة اللبنانيّة في واشنطن ندى حمادة معوّض، بما يعكس رغبةً لبنانيّة في جمع البُعدَين السياسي والعسكري في أيّ نقاشٍ يتعلّق بالترتيبات الأمنيّة ووقف الخروقات الإسرائيليّة.
في موازاة ذلك، شدّد رئيس الحكومة نواف سلام على أنّ لبنان يريد "السلام لا التطبيع"، راسمًا سقفًا سياسيًّا لأيّ تفاوضٍ مع إسرائيل يقوم على الانسحاب ووقف الاعتداءات، لا على فتح علاقة طبيعيّة مع الاحتلال. واعتبر أنّ تحديد جدولٍ زمنيّ للانسحاب هو "الحدّ الأدنى المطلوب"، مؤكّدًا في المقابل أنّ أيّ تفاهمٍ خارجيّ يحتاج إلى مسارٍ داخليّ موازٍ، عنوانه بسط سلطة الدولة وحصر السلاح. وفي هذا السياق، أشار إلى تطوير خطّة حصر السلاح، بما يعكس توجّه الحكومة إلى مقاربةٍ تجمع الحوار الداخلي بتثبيت القرار السيادي تحت سقف المؤسّسات الدستوريّة.
إسرائيل تضغط ميدانيًّا: تهديدات من الجنوب
في المقابل، برزت المفارقة السياسيّة الأوضح: فيما يُحضَّر لبنان لمسارٍ تفاوضيّ يُفترض أن يثبّت وقف إطلاق النار، كان رئيس الأركان الإسرائيلي يجول داخل الجنوب اللبناني، مطلقًا تعليماتٍ ميدانيّةً لعسكريّيه بـ"إزالة أيّ تهديد"، ومؤكّدًا، بحسب ما نقل أفيخاي أدرعي، أنّ "لا قيود" على استخدام القوّة. بذلك، بدت إسرائيل كأنّها تفاوض من داخل الأرض اللبنانيّة لا على الانسحاب منها، وتتعامل مع وقف النار كمساحةٍ لإعادة التموضع لا كالتزامٍ سياسيّ أو أمنيّ.
وتتعمّق المفارقة أكثر مع حديث الجيش الإسرائيلي عن "توسيع الضربة" ضدّ حزب الله و"إضعافه باستمرار"، في لحظةٍ يُطرح فيها تفاوضٌ أمنيّ برعايةٍ أميركيّة. فالرسالة الإسرائيليّة لا تقتصر على الضغط على لبنان، بل تمتدّ إلى واشنطن نفسها: تل أبيب تريد أن تدخل أيّ تسوية وهي ممسكةٌ بالميدان، وأن تفرض على طاولة التفاوض وقائع سبقتها الغارات والتهديدات والإنذارات بالإخلاء.
ميدانيًّا، بدا وقف إطلاق النار معلّقًا بين النصّ والواقع. فقد استُشهد لبنانيّون، بينهم نساءٌ وأطفال، وأُصيب آخرون جرّاء غاراتٍ إسرائيليّة على بلداتٍ في الجنوب والبقاع، فيما أعلن حزب الله تنفيذ عمليّات استهدفت قوّاتٍ وآليّات إسرائيليّة. وفي المقابل، أقرّ الجيش الإسرائيلي بإصابة اثنين من جنوده، وبسقوط مسيّراتٍ مفخّخة وقذائف قرب قوّاته، قبل أن يعلن استهداف نحو 25 "هدفًا" لحزب الله خلال أربعٍ وعشرين ساعة.
أما المفارقة الأخطر، فهي أنّ إسرائيل تطلب إخلاء بلداتٍ لبنانيّة، بينها كوثرية السيّاد، الغسّانيّة، مزرعة الداوديّة، بدياس، ريحان، زلاية، البازوريّة، حاروف، حبّوش، أنصاريّة، قلاويه، ودير الزهراني، في وقتٍ يُفترض أن يكون عنوان المرحلة تثبيت الهدوء. وهذا يعني أنّ المسار التفاوضي، قبل أن يبدأ، يُختبر تحت النار: لبنان يطالب بجدول انسحاب، وإسرائيل توسّع هامش الاحتلال؛ لبنان يتحدّث عن وقف الخروقات، وتل أبيب تجعل الخرق أداة تفاوض؛ وواشنطن ترعى مسارًا أمنيًّا فيما الميدان يسبق الدبلوماسيّة ويفرض شروطها.
عين التينة: برّي وسلام على إيقاع الحرب
سياسيًّا، استقبل رئيس مجلس النواب نبيه برّي، في عين التينة، رئيس الحكومة نواف سلام. وتناول اللقاء تطوّرات الأوضاع العامّة، وآخر المستجدّات السياسيّة والميدانيّة، في ضوء مواصلة إسرائيل خرق اتفاق وقف إطلاق النار، واستمرار عدوانها على لبنان، ولا سيّما في الجنوب والبقاع الغربي، إضافةً إلى ملفّ النازحين.
في الشأن التشريعي، دعا برّي اللجان النيابيّة إلى جلسةٍ مشتركة، عند الحادية عشرة قبل ظهر الإثنين، لمتابعة درس اقتراح القانون الرامي إلى منح عفوٍ عام وتخفيض مدّة العقوبات بشكلٍ استثنائي.
وكان نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب قد رفع جلسة اللجان التي كانت مقرّرة اليوم، بعد توتّرٍ ومشادّةٍ كلاميّة، "منعًا لأيّ توتّرات"، كما قال. وبعد سبع دقائق فقط على بدء جلسة لجان المال والموازنة، والإدارة والعدل، والدفاع الوطني والداخليّة والبلديّات، وحقوق الإنسان، طارت الجلسة.
القضاء: براءة شاكر والأسير
قضائيًّا، أصدرت محكمة الجنايات في بيروت، برئاسة القاضي بلال ضناوي وعضويّة المستشارَين سارة بريش ونديم الناشف، حكمها في دعوى محاولة قتل مسؤول "سرايا المقاومة" في صيدا هلال حمّود. وقضى الحكم، بالأكثريّة، ببراءة كلٍّ من الفنان فضل شاكر والشيخ أحمد الأسير لعدم كفاية الأدلّة، وإطلاق سراحهما ما لم يكونا موقوفَين في دعاوى أخرى.
إلّا أنّ براءة شاكر في هذه القضيّة لا تعني خروجه من السجن، إذ لا تزال أمامه ملفاتٌ عالقة أمام القضاء العسكري، بينها اتهاماتٌ بتمويل جماعاتٍ مسلّحة، وتقديم خدماتٍ لوجستيّة، وملفّ أحداث عبرا، وتبييض الأموال لمصلحة جماعاتٍ مسلّحة. كما أنّ تبرئة الأسير في هذه الدعوى لا تعني إمكان الإفراج عنه، لوجود حكمٍ بالإعدام صادرٍ بحقّه عن المحكمة العسكريّة في قضيّة أحداث عبرا، ولا يزال الملفّ أمام محكمة التمييز العسكريّة.
نداء المطارنة: السيادة أو الفراغ
في هذا المناخ، جاء نداء مجلس المطارنة الموارنة والرؤساء العامّين والرئيسات العامّات، برئاسة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، ليعيد وضع النقاش في إطاره السيادي. فقد شدّد المجلس على مسؤوليّة مؤسّسات الدولة في تولّي مهامها كاملةً، وعلى ضرورة ترسيخ سيادة القانون، وحصريّة السلاح بيد الدولة، والالتزام بالقرارات الدوليّة، ولا سيّما 1559 و1680 و1701.
وأكد المجلس أنّ لبنان مدعوّ إلى مقاربة مسار التفاوض مع إسرائيل برعايةٍ عربيّة ودوليّة، بما يخدم مصلحته العليا ويؤدّي إلى تثبيت الأمن والاستقرار. وذهب النداء أبعد من ذلك، حين اعتبر أنّ البدائل التي جُرّبت لعقود "أنتجت الاحتلال بدل التحرير، والاستقواء بالخارج بدل السيادة، والاستتباع بدل الحرّيّة والكرامة".
بين واشنطن والجنوب، وبين بعبدا والسرايا وعين التينة، يقف لبنان أمام معادلةٍ صعبة: لا تفاوض بلا انسحاب، ولا انسحاب بلا ميزان ضغط، ولا سيادة بلا قرارٍ داخلي واضح في شأن السلاح والدولة. أمّا إسرائيل، فتسعى إلى استثمار تفوّقها العسكري لتثبيت أمرٍ واقع في الجنوب، فيما يحاول الداخل اللبناني إدارة التناقض بين الحاجة إلى التسوية والخوف من أثمانها السياسيّة.




