"صناعة" مظلة وطنية للرئيس المفاوض: سقف الشرعية لا يكفي؟

بتول يزبكالأربعاء 2026/05/06
Image-1778003643
لا تبدو المظلة السياسية حول رئيس الجمهورية حدثًا جانبيًا في مشهد التفاوض (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

في هذه السّاعة المتأخّرة من الصّراع المفتوح على معنى الدولة في لبنان، لا يقف البلد أمام سؤال التفاوض مع إسرائيل بوصفه تفصيلًا دبلوماسيًّا أو اختبارًا تقنيًّا لمسارٍ سياسيّ محتمل، بل أمام امتحانٍ أشدّ عمقًا: مَن يملك حقّ الكلام باسم لبنان؟ ومَن يقرّر الحرب والسّلم؟ ومَن يستطيع أن يمنح رئيس الجمهوريّة، ومعه الحكومة، مظلّةً وطنيّة تكفي لعبور حقل الألغام من دون تفجير الداخل قبل الوصول إلى أيّ تسوية؟ هنا تبدأ المفارقة: الجميع يرفع تقريبًا العناوين نفسها، الانسحاب، الأسرى، الحدود، الضمانات، الإعمار. لكنّ الخلاف ينفجر عند الوسيلة: تفاوضٌ مباشر أم غير مباشر؟ مظلّة وطنيّة أم اصطفاف جديد؟ دولة تفاوض باسم الجميع أم قوى تضع للدولة شروط المرور؟

على هذا الخطّ تحديدًا، تولد فكرة "المظلّة" السياسيّة حول رئيس الجمهوريّة. فهي ليست، في ظاهرها، محاولة لتأمين غطاءٍ شخصيّ للرئيس بقدر ما هي محاولة لتأمين غطاءٍ للمسار نفسه: مسار أن تتولّى الدولة، عبر رئاسة الجمهوريّة والحكومة ووزارة الخارجيّة، إدارة ملفّ الحرب والتفاوض والحدود، بدل أن يبقى القرار موزّعًا بين الجبهات والمواقف والسقوف المتعارضة.

وانطلاقًا من هذا الواقع، سألت "المدن" مجموعةً متنوّعة من النوّاب والقوى السياسيّة، باختلاف كتلهم وانتماءاتهم، عن طبيعة المظلّة السياسيّة الّتي تسعى أطراف لبنانيّة إلى تأمينها حول مواقف رئيس الجمهوريّة، ولا سيّما في ملفّ التفاوض المباشر، وما يرافقه من كلامٍ عن احتمال لقاءٍ يجمعه برئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو في واشنطن، برعاية الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب. كما سألت عن موقع المرجعيّات الروحيّة، وتحديدًا بكركي ودار الإفتاء، في تثبيت هذا الغطاء أو توسيعه، وعن حدود تحوّله من دعمٍ وطنيّ للرئاسة إلى اصطفافٍ سياسيّ جديد.

 

من المظلّة إلى اصطفافٍ مضادّ؟

النائب في تكتّل "لبنان القويّ" غسّان عطالله، في حديثه لـِ "المدن"، يضع المسألة في خانة الحذر. فهو لا يقدّم جوابًا حاسمًا في موضوع المظلّة، لكنّه يؤكّد احترام مقام رئاسة الجمهوريّة، وضرورة إبقائه خارج التجاذبات. يقول: "في الحقيقة، لا أستطيع أن أعطيك جوابًا حاسمًا في هذا الموضوع. لكن المؤكّد أنّنا نحترم مقام رئاسة الجمهوريّة، ونتمنّى أن يبقى هذا المقام خارج التجاذبات الّتي نشهدها اليوم. كما نأمل أن نتمكّن جميعًا من مساعدته على الوصول إلى برّ الأمان، من دون أن نثير مشكلات داخليّة أو انقسامات جديدة".

يرفض عطالله، بهذا المعنى، منطق الفرز بين مَن هو مع الرئيس ومَن هو ضدّه. ويضيف: "نحن لا نؤيّد فكرة الاصطفافات، أي أن يكون هناك فريق مع الرئيس وفريق ضدّه. الأهمّ أن يُحتضن مقام الرئاسة بشكل عام، من دون الدخول في النيات أو الحسابات الشخصيّة أو ما يريده كلّ طرف. المطلوب أن نساعد على جعل الأمور أكثر وضوحًا أمام رئيس الجمهوريّة، كي يتمكّن من اتخاذ القرار الصحيح". ثمّ يختصر تحفّظه من المشهد الاستعراضيّ بالقول: "أمّا أن نخرج في مشهد دعم للرئيس بطريقة قد تسبّب خلافات داخليّة، فهذا أمر لا نؤيّده".

وعند سؤاله عمّا إذا كان قد حصل تواصل معهم كما حصل مع غيرهم، يجيب عطالله بصراحة: "إذا كان المقصود أن يتمّ التواصل معنا بالطريقة نفسها الّتي يتمّ فيها التواصل مع غيرنا، فهذا لا يحصل معنا. الجميع يعرف أنّنا لا نقبل أن يطلب منّا أحد أن نتحرّك بطريقة شكليّة أو استعراضيّة". بالنسبة إليه، قد يكون من السهل على البعض أن يطلب من جهات معيّنة القيام بخطوة إعلاميّة أو الظهور في مشهد محدّد، "لكن هذا لا ينطبق علينا". ويختم موقفه بالقول: "نحن نتّخذ الخيار الّذي نراه مناسبًا للمرحلة، والّذي نعتقد أنّه يساعد من دون أن يستفزّ أحدًا، ومن دون أن يتحوّل إلى اصطفاف مع طرف ضدّ طرف آخر".

 

الدستور كمظلّة أولى

موقف الحزب التقدّمي الاشتراكي، كما يعبّر عنه النائب بلال عبدالله، في حديثه لـ"المدن"، يذهب أبعد في رفض المصطلح نفسه. يقول عبدالله: "رئيس الجمهوريّة ليس بحاجة إلى مظلّة، فالدستور يحميه. لماذا يحتاج رئيس الجمهوريّة إلى مظلّة من أحد؟ رئيس الجمهوريّة مؤتمن على دستور البلاد وعلى حماية المصلحة الوطنيّة، بغضّ النظر عن الانقسام الحالي والخطابات الّتي تصدر من هنا وهناك".

لكنّ رفض فكرة "المظلّة" لا يعني الوقوف على الحياد. فالاشتراكي، كما يؤكّد عبدالله، يقف إلى جانب الرئاسة والحكومة. يقول: "نحن، كتلةً نيابيّة وحزبًا تقدميًّا اشتراكيًّا، ندعم رئيس الجمهوريّة، وهذا أمر لا نقاش فيه. كما ندعم الحكومة أيضًا. لكن المسألة ليست مسألة من يقف مع رئيس الجمهوريّة ومن يقف ضدّه. رئيس الجمهوريّة مؤتمن على الدستور".

ويرفض عبدالله الحديث عن اصطفاف مسيحيّ حول الرئاسة، تحديدًا من قبل "القوات اللبنانيّة" وعدد من الكتل. يقول: "أعتقد أنّ رئيس الجمهوريّة نفسه يرفض هذا الأمر. منطلقات رئيس الجمهوريّة وطنيّة، وهو يعمل من أجل مصلحة البلد. لا يمكننا أن نتحدّث عن اصطفاف مسيحيّ أو سنّي أو شيعيّ، سواء معه أو ضدّه. هذا ليس هو النهج الصحيح".

في ملفّ التفاوض، يقدّم عبدالله خلاصة واضحة: "رئيس الجمهوريّة اختار مسار التفاوض، ونحن معه. وهناك فريق يرفض التفاوض ولديه مبرّراته، فلنبقِ النقاش ضمن هذا الإطار". أمّا الحديث عن لقاء محتمل بين الرئيس عون ونتنياهو، فينفيه عمليًّا بالقول: "لا يوجد لقاء محتمل. هناك مفاوضات جارية، ونحن نثق بحكمة رئيس الجمهوريّة وبإدارة هذا الملف من قبل رئاسة الجمهوريّة ووزارة الخارجيّة".

 

دعمٌ معروف لا يحتاج إلى "فحص دم"

من موقعٍ قريب من رئيس الجمهوريّة، يضع النائب آلان عون المسألة في سياقٍ مختلف. ففي حديثه لـِ "المدن"، يقول: "نحن أساسًا نؤمّن هذه المظلّة منذ وقت طويل. لا يحتاج أحد إلى التواصل معنا في هذا الموضوع، لأنّنا منذ البداية على تواصل مباشر مع رئيس الجمهوريّة، ونتابع معه، ونقف إلى جانبه. لكنّنا لا نضع ذلك في إطار الاصطفاف أو ردّ الفعل على حدث معيّن".

يختصر عون الموقف بعبارة لافتة: "علاقتنا برئيس الجمهوريّة معروفة، وقربنا منه معروف، وتواصلنا معه دائم. لذلك لسنا بحاجة إلى أن نثبت موقفنا في كلّ مرّة أو أن نجري "فحص دم" سياسيًّا عند كلّ محطة". لكنّ هذا القرب لا يلغي النقاش، كما يقول، إذ "في كلّ ملف من الملفات المطروحة، نناقش المقاربة والرأي والموقف. ونحن نلتقي معه في كثير من الآراء، وإن لم يكن ذلك دائمًا معلنًا".

في موضوع الاصطفاف، يحرص عون على تقديم نفسه وتياره كجسرٍ لا كطرفٍ في استقطاب. يقول: "نحن نحرص دائمًا على أن نكون جسرًا لا طرفًا في اصطفاف. ولدينا، والحمد لله، شبكة علاقات واسعة تسمح لنا بالتواصل مع معظم الأطراف، باستثناء الجهات المعروفة الّتي لا تواصل معها. نحن نطمح إلى أن نكون عامل تقريب بين وجهات النظر، لا جزءًا من حالة استقطاب. لكن هذا لا يلغي أنَّ لدينا رأيًا واضحًا وقرارًا في القضايا المطروحة".

أمّا في ملفّ التفاوض، فيذهب عون إلى لبّ المفارقة. فالأهداف، كما يقول، واحدة تقريبًا، والخلاف على المسار. يوضح: "في موضوع التفاوض، نحن واضحون. الأهداف هي نفسها الّتي يطرحها الجميع تقريبًا، لكن الخلاف يدور حول المسار. المطالب الّتي يطرحها رئيس الجمهوريّة هي نفسها الّتي يطرحها الرافضون للتفاوض: انسحاب إسرائيل، عودة الأسرى، ضمانات بعدم الاعتداء، منع أيّ أطماع إسرائيليّة، حلّ النزاعات الحدوديّة، ثم إعادة الإعمار بدعم دولي، لا من إسرائيل طبعًا".

ومن هنا، يسأل عون عن جدوى إغلاق الأبواب أمام وسيلة قد توصل إلى الهدف. يقول: "إذن، الخلاف الحقيقي هو حول شكل التفاوض: هل يكون مباشرًا أم غير مباشر؟ هذه هي النقطة الأساسيّة. وفي السياسة، لا توجد حرب تنتهي من دون تفاوض في نهاية المطاف. حتى حزب الله، مهما قاتل، سيصل في لحظة ما إلى انتظار تفاوض ما لإنهاء الحرب. قد نختلف على صيغة التفاوض، لكن لا يمكن إغلاق الباب أمام وسيلة قد توصل إلى تحقيق الأهداف".

أمّا بالنسبة إلى صورة محتملة مع نتنياهو أو لقاء معه، فيشدّد عون على أنّ الرئيس كان واضحًا: "هذا الأمر ليس مطروحًا الآن، وحتى لو طُرح من الجانب الأميركي، فلا يمكن الحديث فيه قبل إنجاز اتفاق كامل يحفظ حقوق لبنان. اللقاء قد يحصل لاحقًا أو قد لا يحصل، ومن المبكر الحكم على ذلك". ويضيف: "إذا كان التفاوض يستطيع أن يحقّق هذه الأهداف، فلماذا نغلق الأبواب؟ المسألة ليست أنّ من يؤيّد التفاوض يتنازل عن الحقوق، بل إنّ هناك من يقول: استخدموا كلّ الوسائل الممكنة للوصول إلى الحلّ". والخلاصة عنده: "التفاوض ليس هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة للوصول إلى الهدف الّذي نبحث عنه جميعًا".

 

بكركي ودار الإفتاء: الغطاء خارج القيد الطائفيّ

في الحركة باتجاه بكركي، لا يرى آلان عون تفصيلًا عابرًا. يقول في حديثه لـِ "المدن": "نعم، كنا اليوم عند البطريرك، واجتمعنا به. جاءت الزيارة أوّلًا في إطار التضامن المعنوي معه بعد ما تعرّض له من حملات، لكنّنا تطرّقنا أيضًا إلى الموضوع السياسي العام. البطريرك لا يلعب دورًا سياسيًّا مباشرًا، لكنّه يشكّل ركيزة أساسيّة معنويّة وكنسيّة ووطنيّة لرئيس الجمهوريّة في المسار الّذي يسلكه. وهذا أمر مهمّ لأنّه يساهم في توفير غطاء كبير لرئيس الجمهوريّة".

غير أنّ عون يرفض حصر الغطاء في الإطار المسيحيّ. يقول: "لا، هذا غير صحيح. المفتي دريان أصدر بيانًا مؤيّدًا لهذا المسار، والنواب السنّة اجتمعوا وأيّدوا هذا التوجّه، والدروز أيضًا أيّدوا المسار وزاروا رئيس الجمهوريّة لدعمه. لذلك لا يمكن القول إنّ الأمر محصور بطائفة معيّنة". ويضيف: "هناك قسم كبير جدًا من اللبنانيّين مقتنع بهذا المسار، لا لأنّه خيار مريح أو مثالي، بل لأنّنا جميعًا نعيش حالة إكراه بسبب الحرب والظروف القائمة".

هذه الفكرة تحديدًا تمنح "المظلّة" معناها الأوسع. فهي ليست احتفالًا سياسيًّا ولا حشدًا مذهبيًّا، بل محاولة لقول إنّ الدولة، وهي تفاوض أو تستكشف باب التفاوض، لا تمثّل فريقًا دون آخر. لكنّها، في الوقت نفسه، تحتاج إلى أن يسمع المعترضون السؤال نفسه: ما البديل العمليّ القادر على تحقيق الانسحاب، وضمان الأمن، وإعادة الأسرى، ووقف الاعتداءات، وفتح باب الإعمار؟

عون يضع المعترضين أمام هذا السؤال مباشرة: "الرئيس لديه غطاء واسع. لكنّنا نريد أن يكون هذا الغطاء كاملًا قدر الإمكان، وأن يكون اللبنانيّون متفاهمين على المقاربة. أمّا المعترضون، فمن حقهم أن تُسمع وجهة نظرهم، لكن عليهم أيضًا أن يقدّموا بديلًا قادرًا على تحقيق الأهداف. حتى الآن، البديل الّذي يطرحونه لا يبدو قادرًا على الوصول إلى هذه النتائج". ويختم: "المهم أن نتعامل مع هذا المسار بحذر ومسؤوليّة، من دون أن نفجّر الوضع الداخلي أو ندفع البلاد إلى مزيد من الانقسام".

 

التغييريّون: مع الدولة لا مع الأحلاف

من خارج الاصطفافات التقليديّة، تأتي مواقف النواب التغييريّين أقرب إلى تثبيت العنوان السياديّ العام، مع تفاوت في درجة الانخراط في حراك "المظلّة". النائبة نجاة عون صليبا، في حديثها لـِ "المدن"، تقول: "نحن مع رئيس الجمهوريّة، ومع المؤسّسات منذ البداية. لقد جلست في البرلمان جلسات طويلة، لأنني أؤمن بضرورة احترام مؤسّسات الدولة. هناك رئيس للجمهوريّة، ولا أذكر أنّ أحدًا تواصل معي في هذا الموضوع، لأنّ مواقفي معروفة".

في موقفها من التفاوض، تختصر صليبا المسألة بواقعيّة قاسية: "أنا أتواصل مع رئيس الجمهوريّة مباشرة، وأدعم كلّ المواقف الّتي يتّخذها. فهو يعرف أنّ الخيارات أمامنا، بدلًا من المفاوضات، محدودة وقاسية: إمّا خيار الحرب الّتي ما زلنا نعيش نتائجها، وإمّا خيار التفاوض من أجل وقف النزيف والدمار الّذي نعيشه". أمّا عن محاولات حشد المرجعيّات الروحيّة، من البطريرك إلى المفتي، حول موقف رئيس الجمهوريّة، فتجيب باقتضاب: "لا".

النائب مارك ضو، في حديثه لـِ "المدن"، يقدّم موقفًا مقتضبًا لكن واضحًا: "لم يتم التواصل معنا ولا يوجد فرضيّة مظلّة، أصدرنا مواقف داعمة بشأن التفاوض ولرئيس الجمهوريّة، وأكتفي بذلك". ثمّ يضيف: "نحن جزء من مشهد الحراك السياسيّ، لكن لا يمكن وصفه بأنّه حراك منظّم بالمعنى المباشر. كلّ ما يحصل اليوم يندرج في إطار دعم الموقف الّذي يتّخذه رئيس الجمهوريّة ومعه رئيس الحكومة. هذا الملف يقوده رئيس الجمهوريّة بنفسه، بما في ذلك ما يتعلّق بإمكان حصول لقاء مع نتنياهو أو عدم حصوله، ويوجد توافق معه".

أمّا النائب إبراهيم منيمنة، ففي حديثه لـِ "المدن"، يقول إنّ أحدًا لم يتواصل معه في هذا الموضوع تحديدًا: "لم يتواصل معنا أحد بهذا الموضوع تحديدًا. ربما تواصلوا مع الكتائب أو الاشتراكي أو غيرهما، لكنني أتحدّث عمّا يتعلّق بي وبموقفي". لكنه لا يترك موقفه ملتبسًا. يقول: "لا أرى الأمر كمسألة أحلاف. موقفنا واضح منذ البداية: نحن مع سيادة الدولة، ومع تسليم سلاح حزب الله إلى الدولة، ومع دعم قرارات الحكومة المتعلّقة بحصريّة السلاح، ومع استعادة الدولة قرارها السيادي في السلم والحرب وفي التفاوض".

بالنسبة إلى منيمنة، العنوان ليس الاصطفاف بل الدولة. يضيف: "إذا كان هذا هو المقصود بالاصطفاف، فنحن ضمن هذا الموقف. أمّا أبعد من ذلك، فلا أعرف ماذا يمكن أن يعني الاصطفاف. العناوين الأساسيّة بالنسبة إلينا هي: سيادة الدولة، حصرية السلاح، قرار الدولة داخل مؤسّساتها الدستوريّة، والذهاب إلى المفاوضات لحماية لبنان وتقليل الخسائر الّتي يتعرّض لها، واستعادة موقعه الطبيعي في المنطقة. وإذا كان رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة يقودان هذا المسار، فهذا يمثّلنا".

أمّا لقاء عون- نتنياهو، فيستبعد منيمنة حصوله الآن. يقول: "أعتقد أن هذا اللقاء لن يحصل الآن. رئيس الجمهوريّة كان واضحًا في هذا الموضوع، ولا يمكن أن يحصل لقاء في ظلّ القتل والدمار في لبنان، وفي وقت لم تقدّم إسرائيل شيئًا. مثل هذه اللقاءات تكون عادة في ختام المفاوضات، لا في بدايتها". وعن الحراك باتجاه بكركي والمرجعيّات الروحيّة، يجيب: "لا، ليست لدي معطيات مباشرة عن هذا الأمر".

 

معراب والكتائب: تنظيم الغطاء السياديّ

في المقلب الأكثر تنظيمًا من الحراك، تحضر "القوات اللبنانيّة" و"الكتائب" بوصفهما من أبرز القوى الدافعة إلى توسيع الغطاء السياسيّ حول رئيس الجمهوريّة ومسار التفاوض تحت سقف الدولة. النائب غسّان حاصباني، في حديثه لـ"المدن"، يربط هذا المسار بما تلا مؤتمر معراب. يقول: "منذ مؤتمر معراب، هناك لجنة متابعة تعمل على تنفيذ النقاط الّتي طُرحت في المؤتمر. ونحن ككتائب معنيون بذلك، كما أنّ هناك عددًا كبيرًا من الكتل الأخرى والنواب المستقلين الذين يتابعون كلٌّ بطريقته. الاتجاه العام هو نفسه: العمل على إنهاء الوضع الحالي، وتمكين الدولة من القيام بكلّ مهماتها، وبسط سيادتها على كامل أراضيها، وحصرية السلاح بيدها".

ومن هذا المنطلق، يضيف حاصباني: "نحن نشدّد على أهميّة موقف رئاسة الجمهوريّة، ونتواصل مع قوى سياسيّة أخرى في هذا الاتجاه". أمّا بكركي، فيعيد وضعها في إطارها التاريخيّ، قائلًا: "كنا في زيارة إلى البطريرك، أوّلًا للوقوف إلى جانبه بعد التهجّم الّذي تعرّض له. لكن الزيارة جاءت أيضًا في السياق السيادي نفسه. لبكركي دور تاريخي في حماية لبنان والوحدة الوطنيّة، كما أنّ لديها موقفًا ثابتًا من الحياد ومن قيام الدولة. وهي، من موقعها الوطني والروحي، تساهم في دعم المسار الّذي يؤمّن الاستقرار للبنان، وحضور الدولة الكامل على أراضيها، وسيادتها على كامل ترابها".

لكنّ حاصباني يرفض توصيف ما يجري على أنّه مجرّد اختلاف عاديّ في وجهات النظر. يقول: "الاختلاف في وجهات النظر أمر طبيعي بين القوى والمكوّنات ضمن العمل الديمقراطي. لكن ما نعيشه اليوم ليس مجرّد اختلاف عادي في وجهات النظر. هناك دولة، وهناك في المقابل جهة تتصرف كأنها دولة داخل الدولة. وعندما تحتاج إلى الدولة، تطلب مساعدتها، لكنها حين تتلقى أوامرها من الخارج أو تتخذ قراراتها المستقلة، تفعل ذلك بعيدًا عن الدولة".

ومن هنا، يحدّد الانقسام الحقيقيّ: "لم يعد الانقسام مجرّد انقسام سياسي. هناك من يريد أن يكون تحت سقف الدولة، وهناك من يريد العمل خارجها، ويلجأ إليها حين يناسبه، ويلجأ إلى جهات أخرى حين لا تناسبه الدولة. من هنا يأتي الانقسام الحقيقي". وفي المرحلة المقبلة، يتحدّث حاصباني عن خطوات واتصالات أوسع: "بالتأكيد، هناك تعاون على خطوات مشتركة، كما أن كل طرف يعمل من زاويته. وهناك أيضًا تواصل مع بعض الجهات الخليجيّة والدوليّة المعنيّة بالشأن اللبناني، إضافة إلى مراكز أبحاث وقنوات دبلوماسيّة، بهدف شرح الفكرة والموقف لصنّاع القرار في الخارج".

بهذا المعنى، لا تُبنى المظلّة في الداخل فقط، بل يُراد لها أن تكون مفهومة خارجيًّا أيضًا، كجزء من إعادة تقديم الدولة اللبنانيّة بوصفها المرجعيّة الوحيدة الممكنة.

 

الكتائب: مظلّة للشرعيّة لا للطائفة

الأمين العامّ لحزب الكتائب اللبنانيّة، سيرج داغر، يقدّم في حديثه لـ"المدن" الصيغة الأوضح لفكرة المظلّة. يقول: "لا شكّ في أنّ حزب الكتائب يسعى إلى تأمين أوسع مظلّة ممكنة لحماية الشرعيّة اللبنانيّة، أي شرعيّة رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة. ونحن ندعم هذه المظلّة، انطلاقًا من الخطاب الّذي تحدّث عن السيادة وحصرية السلاح، مرورًا بالبيان الوزاري وقرارات الحكومة، وصولًا إلى مسار التفاوض الّذي بدأ اليوم برعاية رئاسة الجمهوريّة. كلّ هذه المسارات تندرج ضمن إطار الشرعيّة اللبنانيّة، بهدف استعادة قرار الدولة وإنهاء حالة ازدواجيّة القرار".

وفي هذا الإطار، يتحدّث داغر عن اتصالات واسعة: "نحن نرى أنه يجب تأمين أوسع مظلّة سياسيّة ووطنيّة لهذا المسار. وفي هذا الإطار، هناك تواصل مع القوات اللبنانيّة، ومع قوى أخرى، ومع النواب السنّة، ومع النواب التغييريين، ومع شخصيات وكتل مختلفة، مثل النائب نعمة أفرام والنائب ميشال معوّض والنائب ميشال الدويهي وغيرهم. كما أنّنا نتواصل مع الجميع، وحتى مع الحزب التقدمي الاشتراكي، في محاولة لجمع أكبر عدد ممكن من القوى تحت سقف الشرعيّة اللبنانيّة".

لكنّ النقطة الأهمّ في كلام داغر هي محاولة كسر الصورة الّتي يسعى حزب الله، في رأيه، إلى تكريسها: أنّ المعركة ضدّ الشيعة. يقول: "كان هناك أمس كلام موجّه أيضًا إلى الرئيس نبيه بري وإلى الجمهور الشيعي. فحزب الله يحاول تصوير هذه المعركة كأنها معركة ضدّ الشيعة، وهذا غير صحيح إطلاقًا. بالعكس، حزب الله هو من يطلق هذه الأصوات النشاز عبر وسائل التواصل الاجتماعي والحملات الإعلاميّة، محاولًا الإيحاء بأن كلّ الشيعة يتبنّون هذا الخيار".

لذلك، يريد داغر توجيه رسالة إلى الجمهور الشيعيّ أيضًا: "نريد أن نقول أيضًا للجمهور الشيعي إن المسار القائم اليوم هدفه تحرير القرار اللبناني واستعادة سيادة الدولة، لا استهداف أي طائفة". ويضيف: "إذا كنا نريد ألّا يبقى لبنان ساحة لحرب إيرانيّة، فعلينا أن نؤمّن أوسع غطاء ممكن لهذا التوجّه. وقد بدأنا بالتواصل مع القوى السياديّة، لكن هذا التواصل يجب أن يتوسّع ليشمل كل القوى الوطنيّة".

أمّا بكركي، فيميّز داغر بين دورها الوطنيّ ودور سياسيّ مباشر لا تنخرط فيه. يقول: "يجب ألا ننسى أن بكركي كانت دائمًا صرحًا دينيًّا، لكنها في الوقت نفسه صرح وطني. وأنا أميّز هنا بين الصرح الوطني والصرح السياسي؛ فبكركي ليست صرحًا سياسيًّا، بل صرح وطني. وهي لا تدخل في الزواريب السياسيّة أو الحسابات الضيّقة، لكنها تعمل على دعم سياسة لبنان، ودعم الدولة اللبنانيّة، ودعم رئاسة الجمهوريّة، وكل ما يحمي الكيان اللبناني. ومن الطبيعي أن يكون هناك تواصل معها في هذا الإطار".

 

المظلّة الّتي تكشف السقف

لا تبدو المظلّة السياسيّة حول رئيس الجمهوريّة حدثًا جانبيًّا في مشهد التفاوض، بل هي جزء من التفاوض نفسه، ولو سبقته. فقبل أن يفاوض لبنان إسرائيل، أو يفاوض الأميركيّين على شروط التفاوض، يفاوض نفسه أوّلًا: على معنى الدولة، وعلى حدود السلاح، وعلى شرعيّة القرار، وعلى قدرة الرئاسة والحكومة على أن تقولا إنّهما تتكلّمان باسم لبنان كلّه، أو باسم أوسع قدرٍ ممكن منه.المفارقة أنّ معظم القوى الّتي تؤيّد التفاوض لا تقدّمه كخيارٍ مثاليّ، بل كخيار إكراه. لا أحد يبيع اللبنانيّين وهم السلام السهل، ولا أحد يزعم أنّ لقاءً في واشنطن، إن حصل يومًا، سيحلّ عقد التاريخ والجغرافيا دفعة واحدة. لكنّ هؤلاء يقولون إنّ البديل عن التفاوض، كما عرّفه لبنان في السنوات الأخيرة، كان مزيدًا من الحرب، ومزيدًا من الدمار، ومزيدًا من فقدان الدولة لقرارها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث