نشرت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" تقريرًا لمراسلها العسكريّ إيمانويل فابيان من رأس البياضة في جنوب لبنان، تحت عنوان: "الدفاع من خطّ المرمى لم يعد كافيًا: الجيش الإسرائيلي يُحكم قبضته في جنوب لبنان"، عرضت فيه مشاهد من جولةٍ نُظّمت لصحافيّين داخل ما يسمّيه الجيش الإسرائيلي "المنطقة الأمنية" الجديدة.
وبحسب التقرير، تنتشر الأعلام الإسرائيلية على طول الطريق الساحلي الجنوبي للبنان، فيما تعمل القوات الإسرائيلية على تسوية مبانٍ بالأرض داخل المنطقة، في مشهدٍ يعكس إصرار الاحتلال على تثبيت واقعٍ ميداني جديد في الجنوب.
رأس البياضة تحت الاحتلال
من رأس البياضة، الواقعة على بُعد نحو ثمانية كيلومترات شمال الحدود مع فلسطين المحتلّة، وجنوب مدينة صور، رصد التقرير مباني مدمّرة وأعلامًا إسرائيلية متناثرة على امتداد الطريق الساحلي، حيث نُقل الصحافيّون إلى واحدةٍ من أعمق نقاط التموضع الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية.
وأشار التقرير إلى أنّ هدوء الأمواج التي كانت ترتطم بالساحل الصخري تحت المطر انكسر فجأة، مع صدور إنذارٍ بهجومٍ بطائرةٍ مسيّرة تابعة لـ"حزب الله"، استهدف القوات الإسرائيلية في رأس البياضة.
ودوّى عبر أجهزة الاتصال مصطلح "المطرقة الجوية"، وهو الرمز الذي يستخدمه الجيش الإسرائيلي للدلالة على هجومٍ بطائرةٍ مسيّرة. ونقل التقرير عن أحد الجنود قوله: "هناك طائرة معادية هنا"، قبل أن يجري التعجيل بإدخال المراسلين إلى مركباتٍ مدرّعة خفيفة أعادتهم من داخل الأراضي اللبنانية إلى داخل إسرائيل.
"حزب الله" يستهدف آليات إسرائيلية
وأعلن "حزب الله" لاحقًا أنّه استهدف عددًا من الآليات العسكرية الإسرائيلية في رأس البياضة. في المقابل، أفاد الجيش الإسرائيلي بأنّ طائراتٍ مسيّرة مفخّخة وصواريخ مضادّة للدروع استهدفت قواته في أنحاء جنوب لبنان، من دون وقوع إصابات في صفوفه.
ورغم سريان وقف إطلاق نار بات شبه معطّل، وفق توصيف التقرير، فإنّ القوات الإسرائيلية المتمركزة في جنوب لبنان تواجه هجمات يومية من "حزب الله"، معظمها عبر طائراتٍ مسيّرة من نوع "الرؤية المباشرة"، وأحيانًا عبر نيرانٍ صاروخية وصواريخ موجّهة مضادّة للدروع.
ضابط إسرائيلي: "إنّه تحدٍّ حقيقي"
ونقل التقرير عن العقيد "ألف"، قائد اللواء 226 للمظلّيين الاحتياط في الجيش الإسرائيلي، قوله تعليقًا على استخدام المسيّرات: "إنّه تحدٍّ حقيقي"، مضيفًا: "هو تحدٍّ عملياتي، كسائر التحدّيات التي نواجهها هنا، مثل الصواريخ المضادّة للدروع والقذائف. هذا جزءٌ من الحرب".
وأوضح الضابط الإسرائيلي أنّ سبب انتشار القوات في عمق جنوب لبنان هو ضمان أن تبقى هذه التهديدات موجّهة نحو القوات العسكرية فقط، لا نحو المدنيين في الداخل الإسرائيلي.
وأضاف: "نحن هنا كي لا يتحوّل هذا التهديد إلى خطرٍ ملموس على الجبهة الداخلية. نحن من نتعامل معه هنا، وهو موجّهٌ بالأساس ضدّنا".
"منطقة أمنية" بعمق يصل إلى عشرة كيلومترات
وبحسب التقرير، تمتدّ "المنطقة الأمنية" الجديدة من الشرق إلى الغرب بعمقٍ يتراوح بين خمسة وعشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، وهي مساحة يعمل فيها الجيش الإسرائيلي على تسوية قرى بأكملها بالأرض، تنفيذًا لتوجيهات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، بذريعة منع "حزب الله" من استخدامها كنقاط انطلاقٍ لهجمات ضدّ إسرائيل.
وحتى في عمق ثمانية كيلومترات عند رأس البياضة، يواصل الجيش الإسرائيلي تدمير منشآت يقول إنّها كانت تُستخدم من قبل "حزب الله".
وكشف ضبّاط كبار للصحافيّين، بحسب التقرير، أنّ القوات الإسرائيلية عثرت على كميّاتٍ كبيرة من الأسلحة داخل منازل في القرى الساحلية، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، تدمير خمسة أنفاقٍ تابعة لـ"حزب الله" في المنطقة.
ونقل التقرير عن ضابطٍ في وحدة المظلّيين قوله إنّ "حزب الله" يحاول إرسال تعزيزات إلى جنوب لبنان لتعويض مئات المقاتلين الذين قُتلوا خلال الأسابيع الأخيرة من القتال.
وأضاف الضابط: "هناك قوات تحاول بالفعل الاقتراب، لكن في كلّ مرة تقترب يتمّ استهدافها. أسمع معنوياتهم تنهار، أعرف ذلك، وعندما تنهار معنوياتهم يحاولون الفرار أيضًا".
بقاءٌ مفتوح تحت عنوان "الأمن"
أمّا مدّة بقاء إسرائيل في "المنطقة الأمنية" الجديدة، فتبقى، وفق التقرير، سؤالًا بلا إجابة واضحة لدى الضباط الإسرائيليين.
وختم قائد كتيبة إسرائيلية بالقول: "الدفاع من خطّ المرمى، أو من حدود البلدات، لا يكون كافيًا في بعض الأحيان. ولا يمكننا أن نسمح للمشكلات الكبيرة بأن تتفاقم".
وبذلك، يعكس التقرير الإسرائيلي انتقال الاحتلال من منطق العمليات الموضعية إلى محاولة تكريس شريطٍ أمني جديد داخل الأراضي اللبنانية، عبر التدمير الممنهج والتمركز العسكري العميق، في ظلّ استمرار المواجهات اليومية وتعاظم المخاوف من تثبيت واقع احتلالي طويل الأمد جنوبًا.




