نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت في تقرير ميداني من جنوب لبنان صورة تفصيلية لما وصفته بـ"هدنة تحت النار"، حيث تتمركز قوات الجيش الإسرائيلي داخل عمق الأراضي اللبنانية، بهدف عرقلة تسللات وحدة "الرضوان" ومنع إطلاق الصواريخ المضادة للدروع باتجاه بلدات الشمال.
ويصف التقرير المشهد في إحدى القرى الشيعية المدمّرة، حيث لم يعد هناك وجود للمدنيين بعد استجابتهم لنداءات الإخلاء، فيما يتحصّن الجنود الإسرائيليون بعيدًا عن الأنظار لتفادي رصدهم بواسطة الطائرات المسيّرة التابعة لـ"حزب الله"، خصوصًا من نوع "FPV".
وفي ردّ على تساؤلات حول ما إذا كانت إسرائيل بصدد إنشاء منطقة أمنية جديدة على غرار تلك التي أقامتها في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، نقلت الصحيفة عن ضابط إسرائيلي رفيع تأكيده أن القرار يعود إلى القيادة السياسية، موضحًا أن المهمة الحالية تقتصر على منع التسلل وإطلاق النار المباشر، إلى جانب "تهيئة الظروف لاستمرار القتال".
ويشير التقرير إلى أن انتشار القوات الإسرائيلية يتم على طول ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، أي خط وقف إطلاق النار، مع إبقاء الخيارات مفتوحة بين الانسحاب في إطار أي اتفاق محتمل أو التوسع شمالًا إلى ما بعد نهر الليطاني، تبعًا لقرارات المستوى السياسي.
ورغم الهدنة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تؤكد المعطيات الميدانية استمرار تبادل إطلاق النار بين الطرفين، حيث يرى قادة ميدانيون إسرائيليون أن التمركز الدفاعي الثابت يمنح "حزب الله" فرصة لجمع معلومات استخبارية وتنفيذ هجمات صاروخية، في حين أن العمليات الهجومية تدفع مقاتلي الحزب أحيانًا إلى الانسحاب، وإن لم يحدث ذلك دائمًا.
ويكشف التقرير أن القوات الإسرائيلية تقدمت خلال ليلة واحدة في ظروف جوية قاسية، لتثبيت مواقعها على عمق يتراوح بين 7 و10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، في خطوة هدفت إلى إنشاء منطقة عازلة، وذلك بعد تجدد إطلاق النار من جانب "حزب الله" في أعقاب ضربات إسرائيلية استهدفت إيران ضمن عملية "الأسد الزائر".
ومنذ ذلك الحين، تولت وحدات يغلب عليها عناصر الاحتياط عمليات تمشيط المنطقة، حيث قُدّر وجود ما بين 25 و35 مسلحًا، قُتل معظمهم، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل نحو 400 مسلح على امتداد القطاعين الغربي والأوسط من الجبهة اللبنانية، رغم أن التقييمات الميدانية تشير إلى أن هذه النتائج لم تحسم المعركة بشكل نهائي.
ويؤكد التقرير أن "حزب الله" يواصل القتال للحفاظ على حضوره داخل لبنان، والعمل على طمأنة النازحين وإظهار قدرته على الدفاع عنهم، مشيرًا إلى أن الخسائر البشرية تؤثر على معنوياته، لكنها لا تُحدث الأثر ذاته الذي تُحدثه داخل المجتمع الإسرائيلي.
وفي ما يتعلق بطبيعة القتال، يبرز التقرير تصاعد ما وصفه بـ"الحرب الجوية المنخفضة"، حيث يستخدم الطرفان الطائرات المسيّرة والنيران غير المباشرة، مع احتفاظ إسرائيل بتفوق جوي يسمح لها بتنفيذ ضربات دقيقة، من بينها استهداف خلية تابعة لـ"حزب الله" عبر قنبلة زنة طن بعد رصدها بطائرة مسيّرة.
كما يسلط الضوء على تجربة الكتيبة التاسعة في اللواء المدرع 401، التي خاضت معارك مكثفة منذ دخولها إلى لبنان في مارس، حيث تعرضت خلال أسبوع واحد لأكثر من 30 هجومًا بصواريخ مضادة للدروع، ما أدى إلى مقتل جندي وإصابة آخرين، في حين ساهمت أنظمة الحماية والمناورة في الحد من الخسائر.
ويشير التقرير إلى تحدٍ متزايد يتمثل في الطائرات المسيّرة الموجهة بالألياف البصرية، التي لا تمتلك إسرائيل حتى الآن وسيلة فعالة لمواجهتها، ما يدفع القوات إلى الاعتماد على التحصين والتمويه والإنذار المبكر، إلى جانب محاولة استهداف هذه الطائرات في مراحل إنتاجها وتشغيلها.
ويختتم التقرير بالإشارة إلى أن الحرب باتت طويلة ومُرهِقة، حيث يواجه الجنود الإسرائيليون ضغطًا نفسيًا متزايدًا رغم اكتسابهم خبرات قتالية، في ظل استمرار العمليات منذ هجوم السابع من أكتوبر، ما يجعل الجبهة مفتوحة على احتمالات متعددة بين التصعيد أو إعادة التموضع وفق التطورات السياسية.




