معادلة عون الصعبة: لا حرب ولا استسلام.. ولا صورة بلا ثمن

بتول يزبكالثلاثاء 2026/05/05
Image-1777921305
يبدو أن رئيس الجمهورية يحاول تحويل الضغط الأميركي إلى مسار تفاوضي مضبوط (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يبدأ التفاوض اللبنانيّ- الإسرائيليّ بعد، لكنّ المعركة عليه بدأت. وهي ليست معركة على طاولة، ولا على وفد، ولا على نصّ اتّفاق محتمل فحسب. إنّها معركة على معنى الدولة نفسها: مَن يقرّر الحرب؟ مَن يفاوض على الخروج منها؟ ومَن يملك حقّ القول إنّ لبنان يريد وقف النار، واستعادة أرضه، وتحرير أسراه، من دون أن يُتَّهم بالتفريط أو الخضوع؟

في الظاهر، يبدو الانقسام بسيطًا. فريق يدعو إلى التفاوض، وفريق يرفع لواء المقاومة. غير أنّ السياسة، في لبنان خصوصًا، نادرًا ما تكون بهذه البساطة. فليس كلّ تفاوض تنازلًا، كما أنّه ليس كلّ سلاح سيادة. وليس كلّ مَن يرفض الحرب مؤيّدًا لإسرائيل، كما أنّ مَن يستدعي الحرب لا يصير، بحكم الاستدعاء وحده، حارسًا للبلد. بين الشعار والنتيجة مسافة طويلة، وغالبًا ما يدفعها اللبنانيّون من أمنهم وبيوتهم وأعمارهم.

من هنا، لا تكمن خطورة المرحلة في احتمال حصول لقاء بين رئيس الجمهوريّة جوزاف عون وبنيامين نتنياهو فحسب، بل في الشروط التي قد تُنتج هذا اللقاء، والغطاء الذي يحتاجه، والثمن الذي سيدفعه لبنان إن حصل بلا توافق، أو إن لم يحصل تحت ضغط التصعيد. فالبلد يقف مرّة أخرى أمام معادلته القديمة: لا يستطيع أن يحارب إلى ما لا نهاية، ولا يستطيع أن يفاوض كأنّ الداخل غير موجود.

 

واشنطن تريد الصورة أوّلًا

والحقّ فإنّ لبنان يقف أمام أسبوعين شديدَي الخطورة. ليست المسألة عراكًا سياسيًّا محدودًا في الداخل، ولا الزيارة هي زيارة بروتوكوليّة عاديّة إلى واشنطن. في العمق، ثمّة محاولة أميركيّة لصناعة لقطة سياسيّة كبرى: رئيس الجمهوريّة جوزاف عون في لقاء مباشر مع رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو.

بحسب معلومات "المدن"، يدفع السفير الأميركيّ لدى لبنان، ميشال عيسى، في هذا الاتّجاه. الرجل، كما قال، لا يرى في نتنياهو "بعبعًا"، ولا يجد ما يمنع لقاء الرجلين، إذا كان ذلك يفتح بابًا سياسيًّا جديدًا. ما قاله بعد زيارته بكركي ليس خروجًا عن النصّ، بل هو، وفق المعلومات نفسها، مضمون ما يصارح به المسؤولين اللبنانيّين. لكنّ الأهمّ هنا ليس اللقاء بحدّ ذاته. الأهمّ هو الصورة. واشنطن تريد لقطة تكسر المحظور اللبنانيّ، وتضع "حزب الله" أمام تحدٍّ سياسيّ مباشر، وتُدخل البلاد في مسار تفاوضيّ يبدأ من الصورة قبل أن يبدأ من جدول الأعمال.

هنا يصبح رئيس الجمهوريّة أمام خيارين صعبين. إمّا أن يذهب إلى لقاء مباشر مع نتنياهو تحت ضغط أميركيّ كثيف، فيجازف باهتزاز موقعه داخليًّا. وإمّا أن يرفض، فيجد البلد أمام احتمال تصعيد ميدانيّ وسياسيّ لا قدرة له على احتماله. إنّه اختبار رئاسيّ مبكر، لكنّه من النوع الذي قد يحدّد صورة العهد كلّه.

 

لا زيارة بلا لقاء؟

بحسب معلومات "المدن"، فإنّ الحماسة الأميركيّة للزيارة ليست منفصلة عن اللقاء المطلوب. لا تبدو زيارة واشنطن، في الحساب الأميركيّ، ذات معنى كامل إذا لم تتأمّن صيغة ما للقاء عون ونتنياهو. لذلك يسعى ميشال عيسى إلى ترتيب المشهد كلّه: زيارة، لقاء، صورة، ثمّ مسار.

في المقابل، حمل عيسى إلى الجانب الأميركيّ اعتبارات رئيس الجمهوريّة التي تحول دون التسرّع في لقاء من هذا النوع. لكنّ هذه الاعتبارات، كما يبدو، لم تُقنع واشنطن بعد. فالأجندة الأميركيّة لا تريد مفاوضات تقليديّة تبدأ بوفود تقنية وتنتهي، بعد زمن طويل، بلقاء سياسيّ. تريد العكس تقريبًا: لقاء سياسيّ أوّلًا، ثمّ مفاوضات تترتّب عليه.

وعلى هذا الأساس، يجري التحضير لاجتماع ثالث على مستوى السفراء، يُحتمل عقده هذا الأسبوع. جدول أعماله المعلن هو تثبيت وقف النار. أمّا الانتقال إلى تفاوض بوفد رفيع المستوى، فيبدو، وفق المعطيات المتداولة، مؤجّلًا أو خارج الأولويّة، لأنّ واشنطن تريد للمسار أن يبدأ من قمّة الصورة: عون ونتنياهو.

 

برّي والغطاء غير المتأمّن

يعرف رئيس الجمهوريّة أنّ أيّ خطوة من هذا الحجم تحتاج إلى غطاء داخليّ. ويعرف الأميركيّون ذلك أيضًا. لذلك يحاول ميشال عيسى، بحسب المعلومات، انتزاع غطاء من رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي لزيارة واشنطن وما قد يرافقها.

لكنّ هذا الغطاء لم يتأمّن. فبرّي يتمسّك برفض التفاوض المباشر، ويضع شروطًا واضحة قبل أيّ انتقال إلى صيغة جديدة: وقف النار، الانسحاب الإسرائيليّ، وتحرير الأسرى. بالنسبة إليه، لا يجوز أن يُمنح اللقاء قبل أن تُنتزع الأثمان السياسيّة والأمنيّة التي يحتاجها لبنان. وبذلك، يتحوّل الغطاء الشيعيّ، أو جزء منه على الأقلّ، إلى عقدة مركزيّة في طريق واشنطن.

هذه العقدة ليست إجرائيّة. إنّها جوهرية. فالتفاوض في لبنان لا يُقاس فقط بما يريده الرئيس، بل بما تستطيع التركيبة الداخليّة احتماله. هنا تحضر كلّ تقاليد التسوية اللبنانيّة: لا غالب ولا مغلوب، لا قرار كبيراً بلا توافق واسع، ولا عبور فوق طوائف وموازين من دون أثمان.

 

عون: التفاوض لا اللقاء

أمام وفد تكتّل "الجمهوريّة القويّة"، ثبّت جوزاف عون معادلة دقيقة. قال إنّ "لا عودة عن مسار المفاوضات"، لأنّه لا خيار آخر أمام لبنان. لكنّه، في الوقت نفسه، أبقى اللقاء المباشر مع نتنياهو خارج اللحظة الراهنة. فالأولويّة، وفق موقفه، هي التوصّل إلى اتّفاق أمنيّ، ووقف الاعتداءات الإسرائيليّة، قبل طرح مسألة اللقاء.

هذه المعادلة تتيح لعون أن يقول للداخل إنّه لا يذهب إلى التطبيع السياسيّ المجّانيّ، وأن يقول للخارج إنّه لا يغلق باب التفاوض. إنّها محاولة للسير بين الألغام: لا حرب، لا استسلام، لا صورة بلا ثمن، ولا قطيعة مع واشنطن.

وقد شدّد عون على أنّ أهداف المسار واضحة: الانسحاب الإسرائيليّ من الأراضي اللبنانيّة المحتلّة، إعادة الأسرى، ووقف الاعتداءات. كما ربط نجاح هذا المسار بالوحدة الداخليّة، وبالالتفاف حول الجيش والمؤسّسات الأمنيّة والدولة. في هذا الكلام رسالة مزدوجة أيضًا. إلى "حزب الله": قرار الحرب والسلم يجب أن يعود إلى الدولة. وإلى خصوم الحزب: لا يمكن إدارة هذا الملفّ بمنطق الغلبة.

 

"القوّات": دعم للرئيس وتغطية سياسية

في هذا السياق، جاءت زيارة النائبة ستريدا جعجع إلى بعبدا. مصادر في "القوّات اللبنانيّة" قالت لـ"المدن" إنّ الزيارة تحمل رسالة دعم واضحة لرئيس الجمهوريّة في لحظة يتعرّض فيها لحملة شرسة ومحاولات تشويش ومحاصرة. وهي، بحسب هذه المصادر، امتداد للموقف الذي عبّر عنه مؤتمر معراب، حيث جرى السعي إلى تأمين حاضنة وطنيّة وسياسيّة للرئيس.

تقول المصادر إنّ القوى المشاركة في هذا المسار تملك قاعدة نيابيّة وشعبيّة وازنة، وإنّ الهدف هو إبلاغ عون أنّ ثمّة أكثرية نيابيّة وشعبيّة ووزاريّة تقف خلفه، خصوصًا في ملفّ المفاوضات. فالبيان الصادر بعد الزيارة لم يكن مجرّد مجاملة، بل بيان تضامن في وجه التصعيد.

لكنّ "القوّات" لا تكتفي بالدعم. هي تقدّم قراءة سياسيّة واضحة: لبنان وصل إلى التفاوض لأنّ "حزب الله" أدخله في الحرب بعد 8 تشرين الأوّل 2023. ومن أدخل إسرائيل إلى لبنان بقرار أحاديّ، لا يستطيع وحده إخراجها. لذلك، يصبح التفاوض، في هذه القراءة، نتيجة مباشرة لتورّط الحزب، لا خيارًا مرغوبًا بذاته.

وتضيف المصادر أنّ مهاجمة رئاسة الجمهوريّة بسبب خيار التفاوض أمر غير مقبول، لأنّ الرئيس يحاول إنهاء الحرب وإعادة الاستقرار. أمّا الاستمرار في خطاب المقاومة وحده، فلا يوقف الدمار، ولا يحمي الناس، ولا يعيد الأسرى، ولا يفرض انسحابًا.

 

هل يكفي الغطاء؟

مع ذلك، تبقى العقدة في مكان آخر. فالدعم الذي توفّره "القوّات" وتكتّلات نيابيّة أخرى يعزّز موقع عون مسيحيًّا ونيابيًّا، لكنّه لا يبدّد وحده حساسيّة اللقاء المباشر مع نتنياهو. فالمسألة ليست حساب أصوات فقط. إنّها حساب شارع، وطوائف، وسلاح، وذاكرة حرب، وغضب من الجرائم الإسرائيليّة في غزّة ولبنان.

من هنا، يبدو أنّ رئيس الجمهوريّة يحاول تحويل الضغط الأميركيّ إلى مسار تفاوضيّ مضبوط، لا إلى صورة صادمة. يريد التفاوض، لكنّه لا يريد أن يبدأ باللقاء المباشر. يريد دعمًا خارجيًّا، لكنّه لا يريد أن يظهر كمن رضخ لإملاء خارجيّ. يريد إخراج إسرائيل من لبنان، لكنّه يعرف أنّ جزءًا من الداخل اعتاد وجودها ذريعةً لبقاء السلاح.

لهذا، ستكون الأيام المقبلة اختبارًا قاسيًا. واشنطن تضغط. عيسى يتحرّك. برّي يتحفّظ. "القوّات" تغطّي. "حزب الله" يصعّد سياسيًّا. وعون يقف في الوسط، محاولًا أن يخرج من الحرب من دون أن يدخل في انقسام أهليّ جديد.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث