واشنطن تضغط وعون يفاوض: لبنان أمام المفترق الأصعب

مانشيت - المدنالاثنين 2026/05/04
Image-1777907839
يتحرك البلد بين جبهتين متداخلتين (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

يقف لبنان أمام أسبوعين شديدَي الخطورة، في لحظة تتداخل فيها نار الجنوب مع ضغط واشنطن، وحسابات الداخل مع صورةٍ سياسيّة قد تغيّر قواعد اللعبة. فالسفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى يدفع، بحسب معلومات "المدن"، باتّجاه ترتيب لقاء بين رئيس الجمهوريّة جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، معتبرًا أنّ "نتنياهو ليس بعبعًا"، وأنّ لقاء الرجلين، إذا حصل برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لا يشكّل خسارة للبنان ولا تنازلًا.

الأهمّ بالنسبة إلى واشنطن، كما يبدو، هو إنتاج لقطة سياسيّة تجمع عون ونتنياهو، تُسقط المحظور من الجهة اللبنانيّة، وتتحدّى "حزب الله"، وتفتح مسارًا تفاوضيًّا جديدًا من بوّابة الصورة قبل النصوص. وعليه، يجد رئيس الجمهوريّة نفسه بين خيارين أحلاهما مرّ: إمّا الذهاب إلى لقاء مباشر مع نتنياهو تحت ضغط واشنطن، بما قد يعرّض موقعه ورئاسته لاهتزاز داخليّ خطير، وإمّا رفض اللقاء، بما قد يفتح الباب أمام تصعيد ميدانيّ وسياسيّ لا يملك لبنان ترف احتماله. وفي موازاة ذلك، يسعى عيسى إلى تأمين غطاء داخليّ للزيارة، وتحديدًا من رئيس مجلس النواب نبيه برّي، إلّا أنّ هذا الغطاء لم يتأمّن حتّى الآن، إذ يتمسّك برّي برفض التفاوض المباشر، مشترطًا وقف النار، والانسحاب الإسرائيلي، وتحرير الأسرى، قبل أيّ انتقال إلى صيغة تفاوضيّة جديدة.

وفي هذا السياق، لا تبدو زيارة واشنطن المحتملة منفصلة عن محاولة تأمين غطاء سياسيّ داخليّ لها، إذا نضجت شروطها. وقد افتتحت زيارة وفد تكتل "الجمهوريّة القويّة" إلى بعبدا هذا المسار، إذ بدا أنّ ثمّة سعيًا إلى تجميع مواقف داعمة للرئيس قبل أيّ خطوة كبيرة. وأمام الوفد، حرص عون على تثبيت معادلة مزدوجة: الوحدة الوطنيّة أوّلًا، والمضيّ في التفاوض ثانيًا، معتبرًا أنّ "لا عودة عن مسار المفاوضات"، وأنّ أهدافه هي الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانيّة المحتلّة وإعادة الأسرى.وهنا، يصبح السؤال الفعليّ: هل يستطيع عون الذهاب إلى واشنطن محمولًا على غطاء داخليّ كافٍ، أم أنّ الصورة التي تريدها واشنطن ستتحوّل إلى عبء على الرئاسة والدولة معًا؟

 

بعبدا وتأمين الغطاء

في قصر بعبدا، حضرت محاولة تأمين الغطاء السياسيّ بصورة أوضح. فقد استقبل الرئيس عون وفد تكتل "الجمهوريّة القويّة" برئاسة النائبة ستريدا جعجع، في زيارة بدت، بتوقيتها ومضمونها، افتتاحًا لمسار يرمي إلى تجميع دعم عدد من الكتل للزيارة المحتملة إلى واشنطن، إذا تقرّر حصولها.

أمام الوفد، شدّد عون على أنّ الظرف الراهن دقيق، ويتطلّب من الجميع تدعيم الوحدة الوطنيّة وعدم السماح بأيّ أمر يؤثّر سلبًا عليها. وقال إنّ لبنان، بقراره الوطني ووحدته، يستطيع مواجهة جميع التحدّيات، معتبرًا أنّ كل الأجواء السلبيّة المفتعلة حول الفتنة "لا جذور لها". ولفت إلى أنّه آلى على نفسه عدم الردّ على التجريح والانتقادات غير المبرّرة، لأنّها لا تعبّر حتّى عن البيئة التي تصدر منها.

وفي رسالة مباشرة إلى القوى السياسيّة، رأى عون أنّ أهمّ ما يمكن أن تفعله الأحزاب والتيّارات اللبنانيّة هو الالتفاف حول الجيش والمؤسّسات الأمنيّة ومؤسّسات الدولة، لأنّها أساس قيام الوطن. وهذا الكلام بدا موجّهًا إلى الداخل بقدر ما هو موجّه إلى الخارج، إذ يحاول رئيس الجمهوريّة تقديم صورة دولة متماسكة خلف مؤسّساتها، قبل الدخول في مسار تفاوضيّ بالغ الحساسيّة.

وفي ما يتّصل بالمفاوضات، كشف عون عن محادثات تحضيريّة متوقّعة مع سفيرة لبنان في واشنطن خلال الأيام المقبلة، موضحًا أنّها تشكّل اللقاء الثالث الممهّد لبدء المفاوضات برعاية أميركيّة. واعتبر أنّ هذه الرعاية إنجاز مهم للبنان، خصوصًا أنّه يحظى، بحسب قوله، باهتمام شخصيّ من الرئيس ترامب، وهي فرصة كبيرة يجب الاستفادة منها.

الأبرز أنّ عون أعلن جهوزيّة لبنان لتسريع وتيرة المفاوضات بقدر ما تعمل الولايات المتحدة على ذلك، مشدّدًا على أنّه "لا عودة عن مسار المفاوضات"، لأنّه لا خيار آخر أمام لبنان. وحاول في الوقت نفسه نزع الطابع الفئوي عن هذا المسار، مؤكدًا أنّه يصبّ في مصلحة جميع اللبنانيين ولا يستهدف أيّ شريحة أو فئة، لأنّ المعاناة تطال الجميع، واللبنانيين تعبوا من الحروب ونتائجها الكارثيّة.

ولمنع أيّ تأويل سياسيّ، حدّد عون أهداف أيّ مسار تفاوضيّ بالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانيّة المحتلّة وإعادة الأسرى، باعتبارهما من الحقوق التي يطالب بها لبنان منذ سنوات. وبذلك، أراد أن يقول إنّ التفاوض، من وجهة نظر بعبدا، ليس تنازلًا، بل محاولة لتحصيل حقوق لبنانيّة ضمن رعاية أميركيّة.

بعد اللقاء، قالت ستريدا جعجع إنّ لبنان وصل إلى التفاوض مع إسرائيل بسبب تورّط "حزب الله" في الدفاع عن بلد آخر، لا حبًّا بالتفاوض. وأضافت: "نشدّ على يد الرئيس عون ونقول له نحن إلى جانبك. لقد تعبنا من حروب الآخرين على أرضنا، ونريد أن نبني بلدًا مستقلًّا ومزدهرًا". وهذا الموقف بدا بمثابة حجر أوّل في جدار الغطاء السياسيّ الذي يحتاجه عون، لا مجرّد زيارة تضامنيّة عابرة.

 

الجنوب يشتعل: النار تمهّد للسياسة

في المشهد العام، يتحرّك البلد بين جبهتين متداخلتين: جبهة الجنوب المشتعلة ميدانيًّا، وجبهة الداخل المأزوم سياسيًّا. فعلى الأرض، يواصل الجيش الإسرائيلي عدوانه على الجنوب، عبر غارات جوّية وقصف مدفعيّ طال بلدات زوطر الغربيّة، كفرتبنيت، تولين، منطقة الجبل الرفيع في سجد، صريفا، البويضة، وميفدون، في وقتٍ لم تغادر المسيّرات الإسرائيليّة سماء المنطقة ليلًا حتّى ساعات الصباح.

وتزامن هذا التصعيد مع اشتباكات عنيفة بين عناصر من "حزب الله" وقوات الجيش الإسرائيلي في محيط وادي راج، بين دير سريان وزوطر، فيما تحدّثت وسائل إعلام إسرائيليّة عن استهداف "حزب الله" قوّة من لواء "غولاني" جنوبي لبنان. كما نفّذت قوات الاحتلال ليلًا عمليات تفجير في الخيام والقنطرة، وألقت قنابل مضيئة فوق برعشيت، وقصفت أطراف صفد البطيخ وياطر ومجدل سلم والشعيتية.هذا المشهد الميدانيّ يرفع منسوب القلق، خصوصًا مع الإنذارات التي يوجّهها المتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، وقد أرفق الجيش الإسرائيلي تهديده باتّهام "حزب الله" بخرق اتفاق وقف إطلاق النار، في محاولة واضحة لتبرير توسيع عملياته.

 

إسرائيل تلوّح وواشنطن تضبط السقف

سياسيًّا، تواصل إسرائيل تظهير رواية مفادها أنّ "حزب الله" يخرق وقف إطلاق النار عبر إطلاق الصواريخ والمسيّرات. ونقلت القناة 12 الإسرائيليّة عن مصادر أمنيّة أنّ الحزب يدير شبكة تضم نحو مئة عنصر متخصّصين في تشغيل وإطلاق المسيّرات ضد القوات الإسرائيليّة في الجنوب.

لكنّ اللافت أنّ القناة نفسها نقلت عن مصادر لم تسمّها أنّ الولايات المتحدة أبلغت إسرائيل أنّ وقف إطلاق النار مع لبنان سيبقى ساريًا، رغم أيّ تطوّرات متصلة بإيران. وهذا يعني أنّ واشنطن تحاول ضبط سقف الانفجار الميدانيّ، من دون أن تتراجع عن دفعها نحو مسار تفاوضيّ جديد، عنوانه تثبيت وقف النار، وعمقه السياسيّ فتح قناة مباشرة أو شبه مباشرة بين لبنان وإسرائيل.

في هذا الإطار، يعمل السفير ميشال عيسى على أكثر من خط. فهو من جهة يسعى إلى ترتيب اجتماع ثالث على مستوى السفراء، يرجّح عقده هذا الأسبوع، ويُفترض أن يكون جدول أعماله تثبيت وقف النار. ومن جهة أخرى، يدفع باتّجاه أن تبدأ المفاوضات الفعليّة من نقطة أعلى سياسيًّا، أي من لقاء عون ونتنياهو، لا من وفد تقنيّ أو أمنيّ محدود.

 

عيسى بين بكركي وعين التينة

في بكركي، قدّم السفير الأميركي خطابه الأكثر وضوحًا. فقد أكّد بعد لقائه البطريرك الماروني بشارة الراعي دعمه للبطريرك، مشدّدًا على أنّ لبنان بلد العيش المشترك، وقائلًا إنّ من يهاجمون هذا النموذج "فليبحثوا عن بلد آخر يعيشون فيه". وأشار إلى أنّ البطريرك يضع السلام في صلب اهتمامه، وأنّه لا يعتقد أنّ لبنان مقبل على انفجار أمنيّ.

غير أنّ الأهمّ كان كلامه عن زيارة الرئيس عون إلى الولايات المتحدة. فقد اعتبر أنّ الزيارة ستتيح وضع مطالب لبنان على الطاولة، وأنّ واشنطن حريصة على استقلال لبنان وكرامته واقتصاده. وعندما سُئل عن لقاء محتمل بين عون ونتنياهو، قال إنّ اللقاء، بحضور ترامب، لا يشكّل خسارة للبنان ولا تنازلًا، مضيفًا: "شو نتنياهو بعبع؟".

أمّا في عين التينة، فكانت المقاربة مختلفة. فقد استقبل الرئيس نبيه برّي السفير الأميركي وبحث معه تطوّرات الأوضاع في لبنان والمنطقة. لكنّ خلفيّة اللقاء كانت أعمق من تبادل المواقف، إذ حاول عيسى استطلاع إمكان تأمين غطاء سياسيّ من بري لزيارة واشنطن المحتملة. إلّا أنّ هذا الغطاء لم يتأمّن، لأنّ بري لا يزال يرفض التفاوض المباشر، ويشترط وقف النار، والانسحاب، وتحرير الأسرى، قبل أيّ بحث في صيغة جديدة، وفق المعلومات. 

 

"حزب الله": التفاوض المباشر تنازل مجّاني

في المقابل، جدد الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم رفضه التفاوض المباشر، معتبرًا أنّه يشكّل "تنازلًا مجّانيًّا بلا ثمار"، وخدمة لنتنياهو الذي يريد صورة نصر، ولترامب قبل الانتخابات النصفيّة. وقال إنّ الحزب مع دبلوماسيّة التفاوض غير المباشر، التي أعطت نتائج في الاتفاق البحري واتفاق وقف إطلاق النار، وأبقت للبنان قدراته التي هي حقّ له.

قاسم وصف المرحلة بأنّها خطيرة في تاريخ المنطقة ولبنان، معتبرًا أنّه "لا يوجد وقف إطلاق نار في لبنان، بل عدوان إسرائيلي أميركي مستمرّ". واتّهم إسرائيل بخرق اتفاق 27 تشرين الثاني آلاف المرّات، وبقتل المدنيين وجرح المئات وهدم البيوت وتهجير الناس من قراهم.

وردًّا على الأسئلة حول عودة المقاومين والسلاح إلى جنوب الليطاني، قال قاسم إنّ المقاومة استفادت من الدروس، واختارت أساليب تنسجم مع المرحلة، تعتمد الكرّ والفرّ، ولا تحتاج إلى الثبات في الجغرافيا. وأضاف: "لا وجود لخطّ أصفر ولا منطقة عازلة، ولن يكون".

 

الحكومة وحصر السلاح

داخليًّا، شارك رئيس الحكومة نواف سلام في اجتماع مجلس الأمن الداخلي المركزي، الذي عقده وزير الداخليّة أحمد الحجار، لبحث الأوضاع الأمنيّة. وأكّد سلام أنّ قرارات مجلس الوزراء ستُنفّذ، وأنّ قرار بسط سلطة الدولة على بيروت بالكامل وحصر السلاح لا تراجع عنه.

وشدّد على تكثيف الحواجز الثابتة والمتنقلة عند مداخل بيروت وداخلها، والتشدّد مع كل من ينقل السلاح أو يتنقّل بسيارات تحمل لوحات مزوّرة. كما أعلن متابعة ملف إطلاق النار في الضاحية الجنوبيّة، مؤكّدًا توقيف عدد من الأشخاص والاستمرار في ملاحقة كل من أطلق الرصاص أو قذائف "آر بي جي"، لما لذلك من تداعيات على أمن مطار بيروت واللبنانيين.

وقال سلام إنّ البلاد دخلت مسارًا جديدًا بعد قرار 5 آب، وإنّ حصر السلاح يحتاج إلى وقت، قد يكون أسابيع أو أشهرًا، لكنّه ليس قرارًا قابلًا للتراجع. كما أوضح أنّ المفاوضات لم تبدأ بعد، وأنّ اجتماعات واشنطن تمهيديّة، معتبرًا أنّ بيان الخارجيّة الأميركيّة حُمّل أكثر ممّا يحتمل.

في المحصّلة، لا تبدو الأزمة محصورة بسؤال: هل يزور عون واشنطن؟ بل بسؤال أكبر: بأيّ غطاء يذهب؟ وتحت أيّ شروط؟ وهل يكون اللقاء المحتمل مع نتنياهو مدخلًا لتحصيل الانسحاب والأسرى، كما تقول بعبدا، أم هديّة سياسيّة مجانية لإسرائيل، كما يقول "حزب الله"؟

واشنطن تضغط لصناعة صورة. إسرائيل تريد تحويلها إلى اعتراف بكسر المحظور. برّي يرفض المباشر ويطلب الشروط أوّلًا. "حزب الله" يلوّح بأنّ التنازل لن يمرّ. وعون يحاول أن يقدّم التفاوض بوصفه خيار الدولة الوحيد، لا خيار فئة ضد أخرى.

هكذا يقف لبنان على حافة مفترق حقيقيّ: إمّا أن يدخل التفاوض موحّدًا خلف مطالب واضحة، وإمّا أن يدفع ثمن الصورة قبل أن يبدأ الكلام.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث