أُنشئت دولة إسرائيل في العام 1948، وطُرد الفلسطينيون من أرضهم بقوة السلاح والمجازر والترهيب. فاعتُبر هذا الحدث "نكبة" (مصيبة مؤلمة) وليس هزيمة. كذلك، في العام 1967 وُصف احتلال الجولان وسيناء والضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة بـِ "النكسة" .في العام 1982، نتيجة الاجتياح الإسرائيلي للبنان، خرج ياسر عرفات من بيروت رافعًا إشارة النصر.
عند احتلال العراق في العام 2003 من قبل الولايات المتحدة، ثابر وزير الإعلام العراقي، حتى لحظة تقهقر الجيش، على ترويج الانتصارات المتتالية في وجه الغزاة "العلوج". أما في لبنان، وبالرغم من إعادة احتلال أكثر من 500 كيلومتر مربع من الأراضي اللبنانية وتهجير نحو 200,000 نسمة نهائيًا من 55 قرية مدمَّرة كليًا أو جزئيًا، ومحتلة أو ممنوع الدخول إليها، لا يزال حزب الله يرفض الاعتراف بالهزيمة.
ما هي الأسباب التي تجعلنا في هذا الشرق نرفض واقع الهزيمة؟
أولًا، ضمور العقل
لقد اعتقدت أوروبا لعدة قرون، تحت سلطة مبادئ الكنيسة، أن الأرض مسطَّحة. فقام كوبرنيكوس وغاليليو بإثبات العكس علميًا. وهذا التطور العلمي، وما رافقه من اكتشافات أخرى، وبالتزامن مع فلسفة التنوير، أدّى إلى ثورة فكرية. فإن أقرت بأن الله هو خالق الكون، أظهرت أيضًا أن لهذا الكون قواعده الذاتية التي علينا فهمها للتفاعل معه والاستفادة منه.
وبالتالي، فإن الإنسان مسؤول بالدرجة الأولى عن مصيره في هذه الدنيا. وعدم الاعتراف بالهزيمة رغم الواقع هو استمرارٌ في عدم الاعتراف بمسؤوليتنا عن مسار حياتنا وعن نتائج أفعالنا، وفي أخذ العِبَر منها لتصحيحه تفاديًا لإخفاقات أخرى. ويقول الفيلسوف الإيراني داريوش شايغان إن التحفّظ عن هذا التحوّل هو السبب الأول في تَخبُّط هذا الشرق. ويضيف أن هذا التحفّظ لا يقتصر على منطقتنا، فهو يصيب أيضًا بعض بلدان أميركا اللاتينية ودولًا في أفريقيا. فليس التسليم بالقدَرية المنسوبة إلى الأديان السماوية هو العائق أمام هذا التحوّل. فالإسلام، وهو الدين الأكثري في الشرق، إن يعزو إلى الله كلَّ الخلق، فالآية الكريمة تبيّن بوضوح: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم" (الشورى: 30).وفي آية أخرى: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم" (المائدة: 105).
يمكن ردّ هذه الاستقالة من تحمّل المسؤولية إلى مرحلتين تأسيسيتين أعقبتا انهيار السلطنة العثمانية.ففرنسا وبريطانيا، اللتان انتدبتا على بلادنا، وهما حاملتان لهذا التحوّل الفكري، لم تنقلاه إلى عالمنا.صحيح أنهما أقامتا مؤسسات ديمقراطية، من مجالس تمثيلية تعطي في المبدأ للمواطن دورًا في تحديد الخيارات، لكنهما، من أجل تمكين سيطرتهما، أوصلتا إلى السلطات التشريعية والتنفيذية، و إلى مواقع الإدارة العامة، النخب الإقطاعية السابقة والنخب الاقتصادية المستحدثة.وأبعدت كلَّ النخب الطامحة إلى تحرير فكر الإنسان من التبعية للتقاليد وأنماط الحكم السياسي والمجتمعي التي تُبقيه في حالة قصور، وتنفي عنه صفة الإنسان الفاعل. وعندما ثار العرب على هذه الطبقة ووقعت انقلابات عليها، مارست السلطات البديلة القمع، وحجبت هي أيضًا عن المواطنين أيَّ دورٍ فاعل، مما أبقاهم في حالة من عدم المسؤولية. عند الشيعة الإثني عشرية، قام الملا صدرا الشيرازي في أوائل القرن السابع عشر بثورة فكرية عن معنى الوجود في كتابه "تفسير آية النور". فقال عنه اللاهوتي هنري كوربان: »"لقد أحدث الملا صدرا ثورة حقيقية في ميتافيزيقا الوجود، إذ استبدل الميتافيزيقا التقليدية القائمة على الماهيات (حقيقة الأشياء) بميتافيزيقا تقوم على الوجود، مانحًا الأولوية، انطلاقًا من المبادئ الأولى، للوجود على الماهية". فالوجود هو ما نحن عليه وكيف نتصرف إزاءه، ونحن مسؤولون بالدرجة الأولى عن أفعالنا. لكن الثيوقراطية الإيرانية أصرت على اعتبار الوجود مرحلةً معلّقة يديرها وليّ الفقيه بأقل ضرر، بانتظار ظهور المهدي الذي وحده سيفرض العدل والسكينة ورفاه الإنسان. والولي وحده مخوَّل إدارة هذه المرحلة، وهو المسؤول الوحيد عن تسيير أمورها، وعلى الإنسان أن يطيعه دون مبادرة، وعليه التخلي عن أي مسؤولية.
ثانيًا، العقائد وإشكالية الواقع
تبلورت نظرية العقيدة في الغرب؛ فهي نظام كلي يحدد ركائز الحياة ويعطي هدفًا حتميًا لمسيرة الإنسان والمجتمعات. وقد كانت الشيوعية العقيدة الشمولية الأكثر تأثيرًا في العالم. على غرارها نشأت عقائد في عالمنا العربي، تبلورت بشكل خاص حول وحدة الشعوب العربية ضمن أمة واحدة. ومن أهم هذه العقائد: القومية العربية، والبعث، والناصرية، والقومية السورية الاجتماعية، وإن تفاوتت راديكالية مضامينها. المشكلة البنيوية للعقائد هي قناعتها بحتمية تحقيق أهدافها، وأن التاريخ يسير كما أدركته وخطّطت له. وكل تعارض بين الحتمي والواقع يُنكر، أو في أحسن الأحوال، يُعتبر"نكسة" مؤقتة. فبالنتيجة، وأمام التناقض بين الواقع وأهداف العقيدة، لا يمكن للأنظمة العقائدية الاعتراف بهزيمة ما وعدت به، وإلا ستخسر الحكم. ولم يبقَ من هذه الأنظمة إلا جهاز قمعي وفساد حكامها وزمرهم، إلى أن تتراكم الهزائم يوماً بعد يوم إلى حدٍّ تسقط فيه هذه الأنظمة بشكل مفاجئ ونهائي، كما حصل في الاتحاد السوفياتي وفي الأنظمة الوحدوية العربية من مصر إلى سوريا إلى العراق. ومع نهائية الأهداف والوسائل التي تحددها العقائد، يُحرَم الإنسان من أي مبادرة، ويُجرَّد فعليًا من أي مسؤولية تجاه حاضره ومستقبله. أما عقيدة "ولاية الفقيه" التي تبنّاها حزب الله، فمع أنها تختلف في الأهداف عن العقائد الوحدوية العربية، فإنها تتشارك معها في الاعتقاد بحتمية تطبيق أهدافها وبأن التاريخ يسير في مسار مستقيم نحو تحقيقها.ومن أدبيات حزب الله، المستوحاة من عقيدته، الإزالة الحتمية لدولة إسرائيل. فكيف يمكنه أن يعترف بالهزيمة، ولا حتى "بنكسة"؟ بينما في الواقع يشهد جنوب لبنان تقدّمًا إسرائيليًا وتهجيرًا لأهاليه وتدميرًا ممنهجًا لقراه، لم يشهد له مثيل خلال كل المواجهات العربية الإسرائيلية واللبنانية الإسرائيلية منذ عام 1948 بل يعتبر ذلك انتصارًا، وهو في الواقع انتصار العقيدة على الحقيقة. ففي آخر خطاب له، صرّح الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم:"لا تسألوا عن إمكاناتنا، فهي لا تُقاس بالأشهر والسنين، وهي مبنية على ثلاثية: الإيمان (بنتائج العقيدة)، والإرادة (بالرغم من عدد الشهداء والتدمير والتهجير)، والقدرة (بالرغم من تقييدها)".
ثالثًا، الحقيقة النسبية
بعد أن تحررت الأمم في مختلف القارات من الاستعمار الغربي، كان من ركائز خطاب قسمٍ كبيرٍ منها انتقاد الغرب وأفكاره، ومقاومة غزوه الثقافي بمعناه الواسع. وإن اعتمدت هذه الأمم عددًا من مفاهيم الغرب المؤسساتية والسياسية، كالديمقراطية من خلال المجالس التمثيلية، فإن هذا الاحتذاء كان زائفًا، ونتج عنه قيام ديكتاتوريات تحت مسمّى الديمقراطية الشعبية. والآن تهرع هذه الأمم إلى تقليد أسوأ ما ابتكره الغرب مؤخرًا، أي مبدأ الحقيقة النسبية. ربما كان أهم ما توصل إليه الغرب، والذي سمح له بالتطور، هو تحكيم العقل مستندًا إلى حقائق علمية ثابتة توصّل إليها من خلال الشك المنهجي لاستخلاصها.ويمكن مراجعتها إذا توفرت علميًا وقائع جديدة. أما الحقيقة النسبية فهي دحضُ جميع الحقائق الثابتة أو التشكيك فيها، أو اعتبارها قابلة لعدة استنتاجات، من دون تقديم أدلة دامغة. وأول من روّج بشكل منهجي للحقيقة النسبية، ومن موقع مسؤولية له تبعات خطيرة، هو الرئيس دونالد ترامب منذ ولايته الأولى وحتى الآن. فقلّل، مثلًا، من شأن تداعيات التغيّر المناخي، كما نفى أن تكون لسياسته الضريبية والجمركية أيّ تأثير في القدرة الشرائية للأميركيين، وادّعى أن بعض اللقاحات المؤكَّدَة فعاليتها على مدى عشرات السنين لا تحمي من الأمراض، بل يمكن أن تتسبب في أمراض أخرى. وآخر تجلّيات هذا المنحى تكراره أن قدرات إيران الصاروخية قد دُمِّرت منذ الأيام الأولى للعدوان. الغرب، منذ تخليه عن بعض قيمه التضامنية لمصلحة الاستهلاك الأناني نتيجة النيوليبرالية، بدأ يعتمد على الحقائق النسبية لرفضه الاعتراف بالاضطرابات الشديدة داخل مجتمعاته، بل بداية تفككها أمام الاستقطاب الحاد بين الخاسرين والرابحين من التحولات الاجتماعية والاقتصادية. وها نحن نتسارع إلى تبنّي الحقائق النسبية، والتي، إضافة إلى السببين الأولين اللذين ذكرتُهما، ينتج عنها عدم الاعتراف بالحقائق، ومنها الهزيمة.
الهزيمة حافز
التعنّت في عدم الاعتراف بالحقيقة هو السبيل الأفضل للانتقال من هزيمة إلى أخرى.
أما الاعتراف بها فيدفعنا إلى مراجعة أسبابها، وإعادة تقييم قدراتنا، وبذل الجهد لتحسينها، والانتقال من مقاربة وأسلوب عمل إلى آخر للوصول إلى أهدافنا. ألم تتعلّم ألمانيا واليابان من أخطائهما، فنبذتا عقائدهما الإمبريالية التي أهلكتهما، فأصبحتا اليوم دولتين مزدهرتين وقوتين، ولو متوسطتين، في الساحة العالمية؟ ألم يفهم النظام العنصري في أفريقيا الجنوبية أن استمراره سيقضي على كل مكتسبات القائمين عليه، فتخلّى عنه؟ ألم يفهم الحكّام في كوريا الجنوبية أن الديكتاتورية ستبقي بلادهم في صفوف العالم الثالث، بينما هي اليوم من أوائل البلدان في الصناعة والابتكار؟ ألم يتخلّص أنور السادات من الناصرية ومن شعار "وحدة الساحات" فحرّر سيناء؟ ألم يفهم أحمد الشرع أن الإسلام السلفي الجهادي طريقٌ مسدود للوصول إلى السلطة في سوريا؟ ألم يفهم محمد بن سلمان أن الوهابية قد تدمّر بلاده، فتبرّأ منها؟.



