فكرة اللقاء بين رئيس الجمهورية العماد جوزف عون ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتانياهو انطلقت قبل عقد الجلسة الأولى من المفاوضات بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في العاصمة الأميركية. طرحها السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، الذي شارك في الجلسة مع رئيس الجمهورية معتبراً ببساطة كاملة: "مجرد اللقاء بينك وبين نتانياهو تحلّ كل الأمور". جواب الرئيس: "مثل هذا اللقاء يأتي تتويجاً لاتفاق نهائي. ونحن لم نبدأ التفاوض بعد. والإتفاق له شروطه ومتطلباته". لم يرق الجواب للسفير. لكن، الأهم هو ما تخطط له أميركا. في حسابات المسؤولين الأميركيين: "اللقاء أمر لا بد منه لإنجاح المفاوضات". "هو الشرط لذلك". كيف ولماذا وماذا ستكون نتائج المفاوضات؟ لا أحد يعلم! حدّد موعد الجلسة. ثم سرّبت معلومات تؤكد ترتيب اتصال هاتفي ثلاثي بين الرئيس الأميركي ترامب والرئيس عون والسيد نتانياهو. حصلت بلبلة وخضّة في الداخل اللبناني. انتهى الأمر باتصال أول بين وزيرالخارجية روبيو والرئيس عون أعقبه اتصال بين الرئيس ترامب وعون أعلن بعده قرار وقف إطلاق النار الذي لم يتوقف حتى الآن بل وسّعت اسرائيل عدوانها قتلاً وجرفاً وحرقاً وتدميراً للمنازل والمستشفيات والأديرة والمساجد والمراكز العامة والممتلكات الخاصة وتهديداً بحرق أرز لبنان تحت عنوان "الضرورات الأمنية وحق اسرائيل في الدفاع عن نفسها" "وهذا التزام ورد في بيان الخارجية الأميركية الذي صدر بعد قرار وقف إطلاق النار".
الإصرار على طلب اللقاء يراد منه تحقيق عدة أهداف: مكسب سياسي أميركي اسرائيلي، بعد فشل تحقيق الهدف العسكري الأساس: نزع سلاح حزب الله بالقوة. حاولوا توريط الجيش اللبناني بالمواجهة. لم يقبل. حقق خطوات متقدمة على طريق تنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة من دون ادعاء أنه أنهى مهمته. لم يقدموا له أي دعم. تركوه. والنغمة التي كانت سائدة ولا تزال: "إذا لم يفعل الجيش اللبناني ذلك سننجز المهمة نحن بشراكة اسرائيلية – أميركية ". حاولوا، لم ينجحوا. وقعوا في مأزق. وثمة مأزق آخر في إيران. لم يحققوا الأهداف التي خططوا لها. هنا يمكن استضعاف لبنان والحصول على جائزة. كان سوء تقدير وتدبير كبيران. ذهبت أميركا إلى اتفاق على وقف إطلاق النار مع إيران. ودار لغط حول إدخال لبنان في هذه العملية وتأكيد على ضرورة الفصل بين لبنان وإيران، لكن تبين ان ثمة ربطاً كاملاً واضحاً بين "وقفي" إطلاق النار في لبنان وإيران ورفضاً من قبل أطراف لبنانية داخلية واسرائيلية. للأسف أطراف لبنانية لم يعجبها موقف رئيس الجمهورية برفض اللقاء مع نتانياهو. بعضهم قال: "لا بد من انعقاد اللقاء". ثم بعد حصول تطورات صادمة قال: "هذا الأمر متروك لفخامة الرئيس". مسؤولون آخرون قالوا لمسؤولين أوروبيين كبار: "لن نقحم أنفسنا في هذا الأمر. نتلطى وراء الرئيس"! "وإن كنا موافقين على المبدأ فالمشكلة هي حزب الله"! ثم خرج مسؤولون عرب تقول اسرائيل أنها حمّلت بعضهم رسائل للبنان: "اللقاء ضروري لا خيار أمام اللبنانيين". "وقد ينتج عنه بيان يطمئن لبنان إلى سيادته وحقه في بسط سلطته على أرضه وانسحاب اسرائيل، وبدء مسيرة عودة الناس وإعادة الإعمار". هذه حقوق للبنان. ولم يبادر أحد إلى دعم الدولة والجيش والمؤسسات الأمنية!
ماذا في بعض وقائع الربط بين لبنان وإيران في اللعبة الأميركية؟
صحيفة يديعوت أحرونوت قالت: "الوضع الحالي في لبنان هدية لحزب الله. حرية عمل الجيش الاسرائيلي مقيدة بسبب التعاون مع الولايات المتحدة. هو يخدم الحزب ويضع الجيش في واقع عملياتي معقّد ومكشوف. المعركة في لبنان ليست سوى أداة في ساحة كبرى، المفاوضات مع إيران". البيت الأبيض يدفع باتجاه استنزاف اقتصادي لإيران. هذه الإدارة تدمّر الشمال الذي يضحى به على مذبح المصالح الإيرانية. "الربط بين إيران وبيروت يترك سكان الشمال لمصيرهم"!
القناة 12 أعلنت: "نتانياهو طلب من ترامب تقييد سقف المفاوضات مع لبنان بمدة لا تتجاوز الأسبوعين أو الثلاثة في ظل مساع أميركية لربط التهدئة على الجبهة الشمالية بالتفاهمات مع إيران. عمليات الحزب في الشمال ضد قوات الجيش تقوّض فرص التوصل إلى تفاهمات وتستنزف معادلة الردع".
الرئيس ترامب قال: "إن قضينا على إيران فسنقضي على الحزب تلقائياً". الربط قائم سياسياً أو عسكرياً لكنه يبدأ من إيران.
يسرائيل هيوم كتبت: "توجّه اسرائيلي لقبول اتفاق محدود مع لبنان يقضي بتفكيك الحزب وإبعاده عن الليطاني من دون تطبيع كامل. والتركيز على الدور الحكومي هو بضغط أميركي إذ تخشى واشنطن أن يؤدي أي تصعيد اسرائيلي إلى تقويض الهدنة ومساعدة الحرس الثوري الإيراني على فتح جبهة جديدة"!
آفي ديختر أحد ابرز المسؤولين الأمنيين في اسرائيل وعضو المجلس الوزاري السياسي والأمني بحزب الليكود قال: "إن السياسة الاسرائيلية في لبنان لا تقوم على أساس مستقل. نحن مقيدون بسبب الشريك الأميركي. لقد ربطت القيادة الأميركية القضية اللبنانية بالقيادة الإيرانية "!
هآرتس: "من دون تفكيك برنامج إيران النووي ومعالجة أمر اليورانيوم ستكون المعركة خاسرة".
ترافق كل هذا الكلام مع جهد استثنائي لم يتوقف ويقوم به نتانياهو لإقناع ترامب باستكمال الحرب على إيران بما يساعد على الحل في لبنان وتكراره الدائم أن اسرائيل جاهزة للدخول في موجة جديدة من الضربات مع إحداثيات دقيقة ترافق الخطوات الأميركية، في ظل عجز على الأرض في لبنان عبّر عنه مسؤولون أمنيون وصحفيون أشاروا إلى "المأزق" "والفخ الاستراتيجي" بالتعامل مع المسيّرات الانقضاضية التي يستخدمها حزب الله.
يسرائيل هيوم اختصرت المعادلة بالقول: "نواجه فخاً استراتيجياً جنوب لبنان. فانسحابنا يعدّ هزيمة وترامب يمنع تقدّمنا"! "الإحراج مرتبط بعجز القوات الاسرائيلية حيال قضية الطائرات المسيّرة. جميع أعداء اسرائيل سيحاولون الحصول عليها".
الصحفي إيدي كوهين قال: "اسرائيل لا تستطيع نزع سلاح حزب الله. وهؤلاء لبنانيون ماذا سنفعل بهم؟ أنطردهم إلى سوريا؟ الطريق مقفل. هؤلاء ليسوا فلسطينيين". مذكراً بنتائج اجتياح العام 1982 .
هذه الوقائع مع سوء التقدير والتدبير في الداخل اللبناني حالت دون انعقاد اللقاء الثلاثي في بعبدا بين الرؤساء عون بري وسلام، وتشنّجت الأجواء أكثر مع بداية العد العكسي لانتهاء مدة قرار وقف إطلاق النار والتسريبات حول العمل على انجاز اتفاق والإعلان عنه بعد لقاء ثلاثي يجمع، ترامب، عون، نتانياهو في واشنطن، وهذا صبّ الزيت على النار وأشعل موجة من التصريحات والمواقف عمّقت الخلافات بين أركان الدولة، كل هذا واسرائيل تحضّر ملفاتها وخططها وأفكارها واقتراحاتها للجولة الجديدة من المفاوضات ولبنان لم يقم بما هو مطلوب وبالمستوى المطلوب بالتأكيد وأميركا "ملتزمة بحق اسرائيل في الدفاع عن نفسها" "في حال وجود تهديد وشيك أو هجوم محقق" كما قال وزير الخارجية ماركو روبيو مضيفاً: "وقف إطلاق النار قريب جداً. لبنان واسرائيل في بداية الوصول إلى اتفاق، ووقف النار بينهما حالة فريدة من نوعها لأنهما ليسا في حالة حرب". "الحل الجاري العمل عليه يمكّن الجيش من امتلاك القدرة على ملاحقة الحزب داخل الأراضي اللبنانية ونزع سلاحه وتفكيكه". والسؤال الدائم المتكرر هنا: "لماذا لم تفعلوا ذلك حتى الآن وقد فعل الجيش الكثير؟ لماذا التحريض على الجيش وقيادته واستهدافها والمطالبة بتغييرها؟ السيد روبيو تحدث عن إغراءات وترغيب لناحية الحديث عن ضرورة "إسقاط الحاجة إلى أي وجود اسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية وإقامة المناطق العازلة، فالوجود الحالي مؤقت لحماية المناطق الحدودية"!
بين الترهيب والترغيب، يتم الربط بين إيران ولبنان والضغط على الرئيس اللبناني للقاء نتانياهو! وينبغي تذكير السيد روبيو أن خصوصية لبنان وتنوعّه وتركيبة نظامه السياسي ظاهرة فريدة من نوعها ينبغي معرفة التعامل معها وحمايتها!
ماذا في المعلومات الرسمية الدقيقة الواردة من اسرائيل؟
1 – "3 لاءات: لا انسحاب. لا وقف لعمليات هدم البيوت والمنشآت. ولا عودة للناس". والاستمرار في ضرب الحزب، وهذا متفق عليه مع الأميركيين لأن الحزب هو الطرف الذي يخرق وقف إطلاق النار".
2 – "لم نكن نريد وقف إطلاق النار، لولا إيران لما حصل! لأن ترامب متأكد أنه لن يصل إلى اتفاق مع استمرار إطلاق النار".
3 – "قدّمنا ملفاً متكاملاً لروبيو وترامب حول اعمالنا في الجنوب". "لو قام الجيش اللبناني بما يجب أن يقوم به لأراحنا". وهجوم مركّز على قائد الجيش.
4 – "مقبلون على المسار السياسي بشكل كبير. سيكون اتفاق سلام وليس اتفاقاًٍ أمنياً فقط"! "الاتفاقات الثانية تأتي متفرعة عن اتفاق السلام! ونحن نحضّر ملفاتنا من خلال خبراء يعملون على إعداد المشاريع والتصورات حول العلاقات الدبلوماسية والتبادل التجاري ورسم خريطة الطريق الكاملة للمرحلة المقبلة" .
5 – "للوصول إلى هنا لا بد من مسار مشترك وتعاون عسكري لضرب الحزب وتفكيكه. نعمل عليه. ويجب أن يكون للجيش دور فيه. ونحن متفقون مع الأميركيين على شراكة تامة من خلال خبراء أو قنوات خلفية تدير الأمور خصوصاً في حال أصرّ الجيش اللبناني على عدم إقحام نفسه في هذه العملية". هنا يتكرّر الكلام الذي يستهدف قائد الجيش وصولاً إلى الإصرار على إقالته! في هذا التوقيت عند أول من أمس عقد لقاء بين القائد ورئيس لجنة الميكانيزم في القاعدة الجوية في بيروت!
6 – "إذا تعذّر انعقاد اللقاء الثلاثي المباشر بين ترامب، عون، نتانياهو، قد يعقد ترامب لقاءً منفرداً مع عون، وآخر منفرداً مع نتانياهو في مرحلة أولى ويصدر بنتيجته بيان يتضمن عناوين الاتفاق ويكون منطلقاً لاستكمال العمل، وإذا لم يحصل ذلك سيطلق ترامب يدنا لفعل ذلك "!
هذا ما تخطط له اسرائيل وتعمل بجدية لتحقيقه وخلق وقائع أو إعداد خطط لإقناع ترامب بوقف الربط بين لبنان وإيران، والضغط على الطرف اللبناني أكثر، وأيضاً على الإيرانيين لإنهاء "الوضع الشاذ". ترامب مقبل على انتخابات نصفية مهمة. ونتانياهو مقبل على انتخابات مصيرية أيضاً خلال الأشهر المقبلة! والاثنان يريدان ثمناً في لبنان!
ماذا نحن فاعلون؟ تفكّك. انقسام. سوء تقدير وتدبير. تردّد هنا وتهديد من السفارة الأميركية "ولّى زمن التردّد" واستعجال هناك وضياع. ولا رؤية واضحة وكأن اللقاء بترامب أو بنتانياهو سينهي كل شيئ. وتمنيات لدى كثيرين للأسف بضرورة تغيير الواقع الحالي والذهاب إلى ترامب ونتانياهو وأي كان "لتخليصنا" وبعض العرب يدفع في هذا الاتجاه.
سنبقى نطالب بالتوافق والأمن والاستقرار في الداخل لتحصين الموقف في التفاوض مع العدو والحديث عن سلام معه في ظل تسريبات من جهات عديدة وتحذيرات حول خطر اندلاع حرب أهلية في لبنان!
أخطر ما في الأمر أن يكون ما يجري في هذه المرحلة تتويجاً لما بدأ عام 2019 وكان جوهره الفعلي آنذاك "إما أن توقّعوا أو تقعوا"! "إما أن تجوعوا أو تركعوا وتخضعوا" من دون التقليل من قيمة وأحقية أي تحرك يحمل قضايا الناس ومعاناتهم، فهذه قضايا نبيلة!
منذ ذلك الوقت لبنان متروك ولم يقدم له شيء حتى بعد إنهاء الشغور الرئاسي وتشكيل حكومة جديدة!




