التخوين الانقضاضي ودوغماتية التفتيت!

زياد الصائغالاثنين 2026/05/04
Image-1777809222
مَنطِقَ التَفاوضِ، في السِياساتِ العامةِ، ليس تَنازُلاً (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في لُحظةٍ لُبنانيّةٍ مُفصليّةٍ تَتَراكَمُ فيها الأزماتُ وتَتَقاطَعُ عندَها ضُغوطُ الجُغرافيا مع استحقاقاتِ التاريخِ، تَبرُزُ ظاهرةُ التَّخوينِ الانقِضاضيِّ بوصفِها أداةً هجوميّةً لا تَهدَفُ إلى النِّقاشِ ولا إلى التَّصويبِ، بل إلى الإقصاءِ وكَسرِ أيِّ مَسارٍ سياديٍّ مُحتَمَلٍ. هذا التَّخوينُ، حينَ يُساقُ في وجهِ الدَّولةِ اللُّبنانيّةِ بسببِ تبنّيها خيارَ التَّفاوضِ مع إسرائيل ولو بمعاييرَ إنقاذيّةٍ مُقيَّدةٍ ومَضبوطةٍ، لا يُعبِّرُ عن حرصٍ وطنيٍّ بقدرِ ما يُفصِحُ عن مأزقٍ بنيويٍّ في منظومةٍ أَلفَتِ التَّفتيتَ نَهجاً، واعتادتِ الاستثمارَ في اللَّادولةِ كبيئةٍ حاضنةٍ لنفوذِها.

 

إنَّ التَّخوينَ الانقِضاضيَّ ليس مُجرَّدَ لغةٍ حادَّةٍ في الفضاءِ العامِّ، بل هو عُنفٌ رمزيٌّ مُنظَّمٌ يُرادُ له أن يُعيدَ إنتاجَ تَوازُناتٍ مُختلّةٍ عبرَ إلغاءِ أيِّ إمكانيّةٍ لقيامِ الدَّولةِ بوظيفتِها السِّياديّةِ الطَّبيعيّةِ. فحينَ تُطرَحُ مسألةُ التَّفاوضِ من مَنطِقِ إنقاذِ الكِيانِ، واستعادةِ قُدرةِ المؤسَّساتِ على إدارةِ الأزماتِ، يَندفِعُ هذا الخطابُ التَّخوينيُّ لِيُصوِّرَ الأمرَ خيانةً، لا لأنَّه يُخالِفُ ثوابتَ مَبدئيّةً، بل لأنَّه يَهدِّدُ بُنيةَ السُّلطةِ غيرِ الشَّرعيّةِ التي تَعيشُ على تعطيلِ الدَّولةِ وإفراغِها من مضمونِها.

إنَّ مَنطِقَ التَّفاوضِ، في السِّياساتِ العامّةِ، ليس تَنازُلاً، بل هو أداةٌ من أدواتِ إدارةِ الصِّراعِ، تُستخدَمُ لحمايةِ المصالحِ الوطنيّةِ وتَفادي الانزلاقِ نحوَ كوارثَ أوسعَ. والدَّولةُ، بحُكمِ تعريفِها، هي الجِهةُ الوحيدةُ المُخوَّلةُ دستوراً وقانوناً خَوضَ مثلِ هذه العمليّاتِ، ضمنَ أُطرٍ واضحةٍ ومَرجعيّاتٍ مُحدَّدةٍ. وعليهِ، فإنَّ تحويلَ خيارِ التَّفاوضِ إلى مادّةٍ للتَّخوينِ يُعبِّرُ عن رفضٍ جوهريٍّ لفكرةِ الدَّولةِ ذاتِها، لا عن رفضٍ لتكتيكٍ سياسيٍّ مُعيَّنٍ.

 

في هذا السِّياقِ، تَظهَرُ دوغماتيَّةُ التَّفتيتِ كإطارٍ فكريٍّ وسلوكيٍّ يُؤسِّسُ لهذا النَّوعِ من التَّخوينِ. هذه الدوغماتيّةُ لا تَحتَمِلُ التَّعدُّديّةَ ولا تَقبَلُ النِّقاشَ، بل تُعيدُ إنتاجَ نفسِها عبرَ فرضِ ثنائيّاتٍ قاتلةٍ من نوعِ إمّا نحنُ أو الخيانةُ، إمّا السِّلاحُ أو الاستسلامُ، إمّا اللَّادولةُ أو العدمُ. وتعبِّرُ هذه المعادلات في جوهرِها، تُعبِّرُ عن عجزٍ عن التَّكيُّفِ مع تحوُّلاتِ الواقعِ، وعن خوفٍ من خسارةِ الامتيازاتِ التي راكَمَتها خارجَ إطارِ الشَّرعيّةِ.

لقد مارَسَت هذه القوى، على مدى سنواتٍ، سِياسةَ التَّفتيتِ بوصفِها أداةً لإضعافِ الدَّولةِ وإبقاءِ المجتمعِ في حالةِ تَشظٍّ دائمٍ. تَفتيتُ القرارِ، تَفتيتُ المرجعيّاتِ، تَفتيتُ الهُويّةِ الوطنيّةِ الجامعةِ، وصولاً إلى تَفتيتِ مفهومِ السِّيادةِ نفسِه. وفي ظلِّ هذا التَّفتيتِ، تُصبحُ الدَّولةُ مجرَّدَ هيكلٍ فارغٍ، بينما تنتقلُ السُّلطةُ الفعليّةُ إلى شبكاتٍ غيرِ خاضعةٍ للمساءلةِ، تُديرُ المصالحَ بمعاييرِ القُوّةِ لا بمعاييرِ القانونِ.

غيرَ أنَّ ما نَشهَدُه اليومَ من حدَّةٍ في خِطابِ التَّخوينِ يُشيرُ إلى ما هو أبعدُ من مجرَّدِ استمرارٍ في هذه السِّياساتِ. إنَّه يُعبِّرُ عن حالةِ اهتزازٍ داخلَ هذه المنظومةِ نفسِها. فحينَ تَشعُرُ القوى المُمسِكَةُ باللَّادولةِ بأنَّ الأرضيّةَ التي تَقومُ عليها بدأت تَتَآكَلُ، تلجأُ إلى رفعِ سقفِ الخطابِ، في محاولةٍ لِردعِ أيِّ مسارٍ بديلٍ قد يُعيدُ الاعتبارَ للمؤسَّساتِ الشَّرعيّةِ.

 

هذا الاهتزازُ ليس عابراً، بل هو نتيجةُ تراكُماتٍ داخليّةٍ وخارجيّةٍ. داخليّاً، لم يَعُدِ المجتمعُ اللُّبنانيُّ قادراً على تحمُّلِ كلفةِ اللَّادولةِ، بعدَ أن تَحوَّلَ الانهيارُ الدُّستوريُّ، والسِّياديُّ، والاقتصاديُّ، والاجتماعيُّ إلى واقعٍ يوميٍّ يَمسُّ كلَّ بيتٍ. وخارجيّاً، تَتَغيَّرُ التَّوازُناتُ الإقليميّةُ والدُّوليّةُ بما لا يَسمَحُ باستمرارِ نَماذِجَ خارجةٍ عن الشَّرعيّةِ إلى ما لا نهايةَ. وفي هذا التَّقاطُعِ، تَبرزُ نافذةُ فُرصةٍ لإعادةِ بناءِ الدَّولةِ على أُسسٍ دستوريّةٍ واضحةٍ.

من هنا، يُمكِنُ قراءةُ الحملةِ التَّخوينيّةِ بوصفِها ردَّ فعلٍ على هذا الاحتمالِ بالذَّاتِ. إنَّها محاولةٌ لإجهاضِ أيِّ مسارٍ يُعيدُ الاعتبارَ للدُّستورِ كمرجعيّةٍ حاسمةٍ للسِّيادةِ، ويُرسِّخُ مبدأَ حَصريّةِ القرارِ بيدِ المؤسَّساتِ الشَّرعيّةِ. فالدُّستورُ، في جوهرِه، ليس نصّاً قانونيّاً فحسب، بل هو عَقدٌ اجتماعيٌّ يُنظِّمُ العلاقةَ بينَ السُّلطةِ والمجتمعِ، ويُحدِّدُ مَن يَملِكُ حقَّ اتِّخاذِ القرارِ في القضايا المصيريّةِ.

 

إنَّ إعادةَ الاعتبارِ، في هذا السِّياق المأزوم، للدُّستورِ تَعني عمليّاً إنهاءَ حالةِ الازدواجيّةِ في السُّلطةِ، ووَضعَ حدٍّ لِتَغوُّلِ البُنى غيرِ الشَّرعيّةِ على حسابِ المؤسَّساتِ. وهي، بالتَّالي، تُهدِّدُ مباشرةً مصالحَ القوى التي بَنَت نفوذَها خارجَ هذا الإطارِ. ولذلكَ، لا يَستَغرِبُ أن يكونَ التَّخوينُ هو الأداةَ المُفضَّلةَ لديها، لأنَّه يُتيحُ لها الهُجومَ من دونِ الحاجةِ إلى تقديمِ بدائلَ واقعيّةٍ.

غيرَ أنَّ التَّحدّي الحقيقيَّ لا يَكمُنُ في هذا الخطابِ بحدِّ ذاتِه، بل في قُدرةِ الدَّولةِ والقوى السياديّةِ على مُواجهتِه بخِطابٍ مُغايرٍ، يستندُ إلى العقلانيّةِ وإلى مَصالحِ النّاسِ الملموسةِ. فالمعركةُ اليومَ ليست بينَ خيارَينِ سياسيَّينِ فحسب، بل بينَ مَنطِقَينِ. مَنطِقِ الدَّولةِ ومَنطِقِ اللَّادولةِ. الأوّلُ يُراهنُ على المؤسَّساتِ والقانونِ، والثّاني يُراهنُ على القُوّةِ بالأمرِ الواقعِ.

في هذا الإطارِ، يُشكِّلُ خيارُ التَّفاوضِ، حينَ يُدارُ ضمنَ رؤيةٍ سياديّةٍ واضحةٍ، جُزءاً من مَسارٍ أوسعَ يَهدُفُ إلى إعادةِ تموضعِ لبنانَ ضمنَ محيطِه العربيِّ والدُّوليِّ. فلبنانُ، في هُويّتِه التّاريخيّةِ، ليس كِياناً مُنعزِلاً، بل هو عضوٌ حضاريٌّ في العالمِ العربيِّ، وجُزءٌ من المجتمعِ الدُّوليِّ، ومُشارِكٌ في إنتاجِ قيمِ الحُرِّيّةِ والانفتاحِ. وهذه الهُويّةُ لا تَنسَجِمُ مع حالةِ اللَّادولةِ، ولا مع ارتهانِ القرارِ الوطنيِّ لِجهاتٍ خارجةٍ عن الشَّرعيّةِ.

 

إنَّ لبنانَ التّاريخيَّ، الذي شَكَّلَ منصّةً للحوارِ والتَّعدُّديّةِ، لا يُمكِنُ أن يَستعيدَ دورَه إلّا من خلالِ دولةٍ فاعلةٍ قادِرةٍ على التَّعبيرِ عن إرادةِ شعبها، وحمايةِ مصالحِهم، وإدارةِ علاقاتِها الخارجيّةِ وفقَ قواعدِ السِّيادةِ. وفي هذا السِّياقِ، يَغدو التَّفاوضُ أداةً من أدواتِ السِّياسةِ، لا عنواناً للتَّفريطِ، شرطَ أن يَبقى مُحكوماً بمَرجعيّاتٍ وطنيّةٍ واضحةٍ، وفي مُقدَّمِها الدُّستورُ. إنَّ الرِّهانَ على استعادةِ الدَّولةِ لا يَمرُّ عبرَ الدُّخولِ في سِجالاتٍ عقيمةٍ مع خِطابِ التَّخوينِ، بل عبرَ تَكريسِ وقائعَ جديدةٍ على الأرضِ، تُظهِرُ أنَّ مَنطِقَ المؤسَّساتِ هو الأقدرُ على تَحقيقِ الاستقرارِ والازدهارِ. وهذا يَتَطلَّبُ إرادةً سياسيّةً صُلبةً، وتَعاوُناً وثيقاً بينَ مختلفِ القوى التي تُؤمِنُ بلبنانَ الدَّولةِ، بعيداً عن الحساباتِ الضَّيّقةِ.كما يَتَطلَّبُ إعادةَ بناءِ الثِّقةِ بينَ الدَّولةِ والمجتمعِ، وهي ثِقةٌ تَآكَلَت بفعلِ سنواتٍ من الفَشلِ وسوءِ الإدارةِ. ولا يُمكِنُ استعادَتُها إلّا من خلالِ سياساتٍ عامّةٍ شفّافةٍ، تُعطي الأولويّةَ لِمَصالحِ المواطنين/ات، وتُظهِرُ أنَّ الدَّولةَ ليست أداةً بيدِ فئةٍ، بل إطارٌ جامعٌ للجميعِ.

 

إنَّ التَّخوينَ الانقِضاضيَّ الذي يُواجِهُ خيارَ التَّفاوضِ لا يَكشِفُ عن قُوّةٍ بقدرِ ما يُفصِحُ عن ضَعفٍ، وعن عجزٍ عن مُواكبةِ لحظةٍ تَتَطلَّبُ انتقالاً من مَرحلةِ اللَّادولةِ إلى مَرحلةِ الدَّولةِ. أمّا دوغماتيَّةُ التَّفتيتِ، التي شَكَّلَت الإطارَ النَّظريَّ لهذا النَّهجِ، فهي اليومَ أمامَ اختبارٍ وجوديٍّ، في ظلِّ تَحوُّلاتٍ تَجعلُ استمرارَها أكثرَ صعوبةً. وفي هذه اللُّحظةِ بالذَّاتِ، تَبرُزُ أهميّةُ العودةِ إلى الدُّستورِ، لا بوصفِه نَصّاً جامداً، بل كمرجعيّةٍ حيّةٍ تُجسِّدُ فكرةَ الدَّولةِ السِّياديّةِ. فالدُّستورُ هو الضَّامنُ لوَحدةِ القرارِ، ولِتَوازنِ السُّلَطاتِ، ولِحُقوقِ المواطنينَ. وهو، بالتَّالي، الأساسُ الذي يُمكِنُ أن يُعادَ بناءُ لبنانَ عليه، كدولةٍ قادِرةٍ، عادلةٍ، ومنفتحةٍ. إنَّ إعادةَ الاعتبارِ لهذه المرجعيّةِ تَفتَحُ البابَ أمامَ استعادةِ لبنانَ لهُويّتِه التّاريخيّةِ، كجزءٍ من العالمِ الحُرِّ، وكصانعٍ للسَّلامِ لا كساحةٍ للصِّراعاتِ. وهي، في الوقتِ نفسِه، تُعيدُ الأملَ بإمكانيّةِ الخُروجِ من النَّفقِ، عبرَ مسارٍ سياديٍّ واضحٍ، يَضَعُ مصلحةَ الوطنِ فوقَ أيِّ اعتبارٍ آخَرَ.

عليهِ لا تكون مُواجهة التَّخوينِ بالرَّدِّ عليهِ تفصيلًا، بل بتَجاوُزِه، وبِبناءِ واقعٍ جديدٍ يُثبِتُ أنَّ الدَّولةَ، حينَ تَنهَضُ، تَكونُ هي الإطارَ الوحيدَ القادِرَ على حمايةِ لبنانَ وصونِ رسالتِه. وفي ذلكَ، تَكمُنُ الإجابةُ العمليّةُ على دوغماتيَّةِ التَّفتيتِ، وعلى كلِّ مَن راهَنَ يوماً على أنَّ هذا الوطنَ مُجرَّدُ ساحةٍ لا أكثرَ.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث