الإمارات خارج أوبك: نهاية منظمة أم اختبار القيادة السعودية؟

خلدون الشريفالاثنين 2026/05/04
Image-1777808850
تباعد متزايد بين الإمارات والسعودية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يكن خروج الإمارات العربية المتحدة من أوبك وامتدادها الأوسع أوبك+ قرارًا مفاجئًا، بل تتويجًا لمسار تباعد طويل بين نموذجين داخل الخليج: نموذج يسعى إلى تعظيم الحصة السوقية عبر الإنتاج، وآخر يضع الاستقرار السعري في صلب استراتيجيته. فالقرار، الذي يدخل حيّز التنفيذ في الأول من مايو/ أيار 2026 الجاري، لا يمثل مجرد خروج دولة من منظومتين نفطيتين، بل يطرح سؤالًا أوسع حول مستقبل قدرة أوبك وأوبك+ على إدارة المعروض، وضبط الأسعار، والحفاظ على صورة التماسك التي شكّلت أحد أهم عناصر قوتهما خلال العقود الماضية.

وبالرغم من تأكيد أبو ظبي أن الانسحاب لا يغيّر التزامها باستقرار الأسواق، وأنها ستواصل زيادة الإنتاج "بشكل تدريجي ومدروس"، فإن توقيت الخطوة وحجم الدولة المنسحبة يجعلانها مختلفة نوعيًا عن انسحابات سابقة لدول مثل قطر، أو أنغولا، أو الإكوادور، أو إندونيسيا. فهذه الحالات تعلّقت بمنتجين محدودي التأثير، بينما يتعلق القرار الحالي بثالث أكبر منتج داخل أوبك بعد السعودية والعراق، وهذا ما يمنحه بعدًا بنيويًا يتجاوز مسألة العضوية إلى اختبار مباشر لقدرة المنظمة على البقاء كفاعل منسّق في سوق متغيّرة.

 

أوبك بين الأرقام والواقع واختلاف النموذجين

لا تزال أوبك لاعبًا رئيسيًا في السوق، إذ تساهم بنحو 26% إلى 30% من المعروض النفطي العالمي، وترتفع هذه النسبة إلى قرابة 48% عند احتساب أوبك+ بقيادة روسيا. لكن هذه الأرقام تخفي تحوّلًا أعمق: الجزء الأكبر من نمو الإمدادات بات يأتي من خارج هذا الإطار، خصوصًا من الولايات المتحدة وكندا والبرازيل. وتشير تقديرات International Energy Agency إلى أن هذا الاتجاه يتسارع، ما يقلّص قدرة المنظمة على فرض إيقاعها كما في العقود السابقة.

في هذا السياق، لا يُعد خروج الإمارات مجرد حدث، بل عاملًا يسرّع انتقال السوق من منطق التنسيق إلى منطق المنافسة المفتوحة. وداخل هذا الواقع، يتبلور الخلاف بين أبو ظبي والرياض بوضوح: فالإمارات، ذات الكلفة الإنتاجية المنخفضة والطاقة المتنامية، تميل إلى تعظيم الكميات حتى في بيئة أسعار أدنى، بهدف تعزيز حصتها السوقية وتسريع تسييل احتياطاتها قبل بلوغ ذروة الطلب العالمي وفق قراءة تفترض أن بعض النفط قد يبقى في باطن الأرض بسبب التحولات المقبلة في مصادر الطاقة. في المقابل، ترى السعودية في الاستقرار السعري شرطًا لتمويل تحولها الاقتصادي اللازم، ما يجعلها أكثر تمسكًا بآليات التنسيق.

وفي القراءة المبسطة، قُدّم القرار الإماراتي كاستعادة للسيادة على الإنتاج. غير أن هذه السيادة تبقى نسبية ونظرية في سوق مترابطة، حيث تتحكم التوقعات، وسلوك المنتجين الآخرين، والاعتبارات الجيوسياسية في النتائج النهائية. تسعيرة النفط تخضع للعرض والطلب والأحداث والتحولات من أصغر مصفاة نفط إلى أكبر حقل، ما يبعد عن هذه السلعة البعد السيادي حصرًا. فالتحرر من القيود الجماعية لا يعني التحرر من تقلبات السوق، بل الدخول في بيئة أكثر حساسية للصدمات.

 

ردود الفعل والبعد الجيوسياسي

جاءت ردود الفعل داخل أوبك+ حذرة وميلها إلى التهدئة. فقد ركّزت مواقف صادرة عن مسؤولين في روسيا على استمرارية التعاون وعلى استقرار السوق، مع تأكيد أن التحالف سيبقى قائمًا. وفي الوقت نفسه، أشارت تقارير دولية إلى أن خروج الإمارات سيُضعف جزئيًا قدرة التحالف على التأثير في المعروض والأسعار، وقد يدفع إلى زيادة الإنتاج وضغوط نزولية مستقبلية.

هذا التباين بين خطاب الاستمرارية والاعتراف الضمني بالتراجع يعكس آلية إدارة الأزمة داخل أوبك+: الحفاظ على صورة التماسك، مع إدراك داخلي بأن القدرة على الضبط لم تعد كما كانت. وهو ما يضع السوق أمام مرحلة انتقالية، حيث تتراجع القواعد القديمة من دون أن تتبلور بعد قواعد بديلة واضحة.

ولا يمكن فهم القرار بمعزل عن التباعد المتزايد بين الإمارات والسعودية في ملفات إقليمية، من اليمن إلى السودان، وصولًا إلى العلاقة مع إيران وباكستان. ففي حين تميل الرياض إلى إدارة شبكة توازنات متعددة تشمل تركيا ومصر وباكستان وتهدئة محسوبة مع طهران، تعمّق أبو ظبي ارتباطها الأمني والتكنولوجي مع إسرائيل، وتعزّز شراكتها مع الولايات المتحدة. وفي هذا السياق، لا يبدو النفط سبب الخلاف بقدر ما أصبح ساحته، حيث تُترجم التباينات الاستراتيجية إلى خيارات إنتاجية وتحالفية متباعدة.

ولا يقتصر هذا التحول على سوق النفط، بل يتقاطع مع اهتزاز أوسع في نموذج الخليج لما بعد النفط، القائم على جذب الاستثمار وبيع الاستقرار. فمع تصاعد المخاطر الأمنية في الإقليم، لم يعد هذا الاستقرار مضمونًا كما كان، ما يعيد إدخال عامل المخاطر الجيوسياسية في صلب معادلة الطاقة والاستثمار معًا.

 

البعد الدولي واختبار القيادة

يتقاطع هذا التحول مع موقف أميركي تاريخي ناقد لأوبك. فقد رحّب الرئيس الأميركي دونالد ترامب بخروج الإمارات، معتبرًا أنه خطوة "رائعة" قد تسهم في خفض أسعار النفط والوقود. هذا الموقف يعكس رؤية ترى في إضعاف أدوات التنسيق الجماعي مصلحة للمهيمن، حتى لو جاء ذلك على حساب الاستقرار. وهنا تبرز المفارقة: ما يُنظر إليه في واشنطن كتحرير للسوق، قد يُنظر إليه في الرياض كإضعاف لأدوات ضبطه.

في المحصلة، لا يدور النقاش حول قرار إماراتي منفرد، بل حول مستقبل نظام كامل. فإذا كان خروج أبو ظبي يعكس صعود منطق السيادة الوطنية في إدارة الموارد، فإنه يكشف في الوقت نفسه حدود هذا المنطق في سوق لا تزال تحتاج إلى حد أدنى من التنسيق.

وهنا تحديدًا يتبلور التحدي أمام السعودية. فالدور الذي لعبته تاريخيًا لم يكن مجرد إنتاج كميات كبيرة، بل إدارة التوازنات ومنع الانزلاق إلى فوضى سعرية. ومع تراجع الانضباط داخل أوبك كما أوبك+، تصبح هذه المهمة أكثر كلفة وأكثر تعقيدًا، لكنها أيضًا أكثر أهمية.

قد ينجح بعض المنتجين في تحقيق مكاسب قصيرة الأجل عبر زيادة الإنتاج، لكن غياب إطار منسّق قد يحوّل السوق إلى ساحة تنافس غير منضبط، حيث تتآكل العوائد على المدى المتوسط. وفي عالم تتزايد فيه التوترات الجيوسياسية، لا يكون الاستقرار ترفًا، بل شرطًا أساسيًا للأمن الاقتصادي.

بهذا المعنى، لا تبدو المقاربة السعودية -القائمة على إدارة السوق لا مجرد المشاركة فيها- خيارًا محافظًا، بل محاولة للحفاظ على ما تبقّى من قابلية النظام النفطي للإدارة، في لحظة تتجه فيها قواعده إلى التفكك. وقد يكون التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة ليس في كسر القيود، بل في القدرة على إعادة فرض حد أدنى منها قبل أن تتحول السوق إلى فوضى يصعب احتواؤها.

في لحظة تتفكك فيها القواعد، قد لا يكون الرهان على التحرر هو الخيار الأكثر فاعلية وأمانًا… بل من يملك القدرة على إعادة فرضها إذا ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث