للمرة الأولى منذ سنوات، يخرج هذا القدر من الوضوح في الموقف السنّي باتجاه دعم خيار التفاوض مع اسرائيل. ليس مجرد تمايز في الخطاب، بل أقرب إلى تحول في المقاربة وإعلان صريح بأن المسار الدبلوماسي هو المدخل لإنهاء الحرب.
لقاء لنواب السنّة
اتى ذلك عقب لقاء جمع عدد من النواب السنة من مختلف المناطق اللبنانية، كامتداد مباشر لمؤتمر "بيروت آمنة وخالية من السلاح"، لكنّه تخطّى بيروت جغرافيًا وسياسيًا، ليحمل محاولة أوسع لإعادة تجميع الموقع السنّي ضمن توازنات النظام. وقد أُشير صراحة إلى "مباركة عربية" لهذه الخطوة، في توقيت دقيق وخطر، ما يرفعها من مستوى مبادرة داخلية إلى مسار له أبعاده الإقليمية، ويضعها في إطار إعادة تموضع سنّي مدعوم خارجيًا، يسعى إلى استعادة دور مفقود في التوازنات الوطنية.
مضمون اللقاء
بدا هذا اللقاء محاولة واضحة لإنتاج خطاب سياسي موحّد. "لغة واحدة" تحدّث بها النواب، كما وُصف داخل الجلسة، تقوم على تثبيت مرجعية الدولة والدستور، والاصطفاف خلف الحكومة ورئاسة الجمهورية، مع تأكيد الالتزام بقرارات 5 و7 آب و2 أيلول 2026، بوصفها محطات مفصلية في إعادة رسم مسار السيادة، ومحاولة لوضع حدّ لحالة التفلّت التي حكمت المرحلة السابقة. هذا التحول يتقاطع مع موقف المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في لبنان، برئاسة مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، الذي أعاد تثبيت دار الفتوى كمرجعية داعمة لمسار المفاوضات الدبلوماسية كخيار لإنهاء الحرب، بما يعكس توجهاً عاماً نحو إعادة الانتظام داخل منطق الدولة ومؤسساتها.
اللقاء، وفق ما عكسته مواقف المشاركين، محاولة لإنتاج خطاب سياسي موحد، بحيث بدا واضحًا أن هناك "لغة واحدة" يتحدث بها النواب السنة، كما قيل في الجلسة. هذه اللغة تقوم على تثبيت مرجعية الدولة والدستور، والوقوف خلف الحكومة ورئاسة الجمهورية، مع تأكيد الالتزام بقرارات 5 و7 آب و 2 آذار 2026، باعتبارها محطات مفصلية في إعادة رسم مسار السيادة.
من الإقرار إلى التنفيذ
النقاش داخل اللقاء انتقل سريعًا من مستوى المبادئ إلى مستوى الإجراءات. فالتحدي، كما جرى توصيفه، لم يعد في إعلان الالتزام بالدولة، بل في كيفية ترجمة ذلك عمليًا، عبر حصر السلاح بيدها، بما يشمل حزب الله وغيره، وتثبيت حصرية قرار الحرب والسلم.
وفي هذا الإطار، طُرح دعم مسار التفاوض مع إسرائيل، كأداة سياسية مفروضة بحكم الواقع. وقد أجمع الحاضرون على مبدأ التفاوض، بغض النظر عن تسميته أو شكله، مع التأكيد على ضرورة أن يتم ضمن الأطر الدستورية وتحت سقف الدولة.
كما تقرر عقد لقاءات دورية في مختلف المناطق، في محاولة لتوسيع هذا الإطار وتحويله إلى دينامية سياسية مستمرة، لا مجرد حدث عابر. ولم يغب البعد الرمزي، إذ وقف المشاركون دقيقة صمت عن أرواح الشهداء، في محاولة لربط هذا المسار السياسي بكلفة الحرب المستمرة.
التفاوض: بين الواقعية والاشتراط
في مواقف النواب، يتبدّى التباين في المقاربة، وإن كان تحت سقف واحد. فؤاد المخزومي قدم التفاوض بوصفه مسارًا طبيعيًا وقال لـ"المدن" "التفاوض يكون مع من نختلف معه، ولبنان فاوض إسرائيل منذ عام 1949، بغض النظر عن الطريقة".
بلال الحشيمي شدد على أن التفاوض يجب أن يتم وفق شروط رئيس الجمهورية، وبضمانات دولية وعربية، تعزز موقع لبنان في مواجهة "الاستباحة" التي يتعرض لها.
أما وضاح الصادق فذهب أبعد في توصيف الواقع، مشككًا بإمكانية الوصول إلى تفاوض فعلي في ظل غياب وقف إطلاق النار، معتبرًا أن الطرفين لا يريدان وقف النار. لكنه في الوقت نفسه أقرّ لـ"المدن" بأن لبنان "أُجبر" على الجلوس مع الإسرائيلي نتيجة ما قام به حزب الله، وأنه لا إمكانية لحماية البلد إلا عبر مفاوضات مباشرة، شرط الحفاظ على سقف عالٍ وفصل لبنان عن أي مسارات إقليمية أخرى.
أحمد الخير قال لـ"المدن" أن التفاوض فرصة جدية، رغم أننا في كل الحروب السابقة وصلنا لقرارات واتفاقيات توقف العدوان على البلد الى حد ما من خلال المفاوضات غير المباشرة، ولكن الحرب الأخيرة كل ما كنا نعمل عليه بالسنوات السابقة وجدنا أنفسنا أمام مرحلة جديدة. ويضيف: "البعض أخذ هذا التفاوض على إطار أوسع واضح منه وقف الأعمال العدائية واسترداد الأرض والأسرى والتأسيس لمرحلة جديدة، إلا أن البعض أعطى أبعاداً بأننا نريد الذهاب الى التطبيع أو السلام.. نحن نريد هدنة جدية".
أما بلال عبدالله، من الحزب التقدمي الاشتراكي، فشارك انطلاقًا من قناعة بأن لدى السنّة "مشروع دولة واعتدال"، معتبرًا أن النقاش حول شكل التفاوض (مباشر أو غير مباشر) هو "لعب على الكلام"، فيما الجوهر هو تحقيق وقف إطلاق النار، الانسحاب الإسرائيلي، إعادة الإعمار، وعودة الأسرى، على أن يتدرج أي اتفاق لاحقًا، من دون الذهاب مباشرة إلى ما تريده إسرائيل، لأن لبنان "غير جاهز".
لقاء عون-نتنياهو: بين التوقيت والمضمون
أما في ما يتعلق بإمكانية عقد لقاء بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فينقل المخزومي مقاربة حذرة، أقرب إلى تنظيم الإيقاع لا رفض الفكرة. يقول إن "الرئيس كان واضحًا بأن الفكرة ليست مرفوضة، لكن التوقيت يجب أن يكون صحيحًا والمضمون كذلك". ثم يحدّد ما يعتبره المدخل العملي: "بالنسبة لنا، الخطة واضحة: نزع السلاح من بيروت، ووقف الغارات عبر الميكانيزم. وإذا نجحنا في تطبيق ذلك في بيروت الكبرى، يمكن لرئيس الجمهورية أن يذهب إلى اجتماعات واشنطن ويقول إننا نفّذنا المطلوب، ونريد في المقابل تعزيز الجيش وانسحابًا إسرائيليًا".
في المقابل، يضع بلال الحشيمي سقفًا أكثر تشددًا للتوقيت. بالنسبة إليه، "الوقت لا يزال مبكرًا"، فلا يمكن الذهاب إلى أي لقاء من هذا النوع "من دون وجود ما يصب في مصلحة الدولة اللبنانية، أي انسحاب واضح والتزام بوقف إطلاق النار". ويضيف أن أي خطوة تحتاج أولًا إلى "خطة ورؤية واضحتين"، تبدأان من "إعادة بناء الدولة وتثبيت الاستقرار والأمن".
وضاح الصادق يربط الأمر بنتائج المفاوضات نفسها. يفتح الباب نظريًا، لكن بشروط قاسية: "إذا وصلنا في نهاية المفاوضات إلى إنهاء النزاع المسلح مع إسرائيل، وتم الاتفاق على كل القضايا العالقة، عندها يمكن أن يحصل اللقاء إذا رأى الرئيس أن ذلك في مصلحة البلد". ويضيف: "المشهد مؤذٍ للجميع، وكل حرب نخسر بعدها. تعبنا، ويجب أن نفعل كل شيء، ضمن مبادئنا وكرامتنا، للوصول إلى حل".
أما أحمد الخير، فيقارب المسألة من زاوية التوقيت والغطاء السياسي، معتبرًا أن "هذا اللقاء غير وارد حاليًا"، لأن هناك مطالب أساسية للدولة اللبنانية لم تتحقق بعد. ويرى أن طرحه يصبح منطقيًا "بعد انتهاء المفاوضات، وتأمين غطاء داخلي، وتحقيق الأهداف المرجوة"، ليُبحث لاحقًا "في إطار معيّن يواكب مسار الوصول إلى حل أوسع".
من جهته، يذهب بلال عبد الله في الاتجاه نفسه، مستبعدًا أي لقاء قريب في ظل استمرار التصعيد. يقول إن "الإسرائيلي متمادٍ في اعتداءاته"، وإن الحديث عن هكذا خطوة يبقى مؤجلًا "إلى حين وقف الاعتداءات، وتمكّن الأميركي من لجم إسرائيل، وتطبيق وقف إطلاق النار والانسحاب من الأراضي". ويختم بأن "رئيس الجمهورية لا يمكن أن يكون جاهزًا لمثل هذه الخطوة تحت القصف والدماء".
بهذا المعنى، يتقاطع موقف المجتمعين على فصل المبدأ عن التوقيت: لا رفض نهائي للفكرة، لكن شبه إجماع على أن شروطها لم تنضج بعد، وأن أي انتقال إليها يبقى مرهونًا بمسار الميدان ونتائج التفاوض.
ما بين إعادة التموضع والاختبار
في الخلاصة، لا يبدو هذا اللقاء مجرد محطة سياسية عابرة، بل هو محاولة لإعادة تموضع سنّي داخل المعادلة اللبنانية، عبر خطاب سيادي واضح، وانخراط صريح في خيار التفاوض، ولو بشروط. لكنه في الوقت نفسه اختبار لقدرة هذا الموقف على التحول إلى قوة فعلية، في نظام لا يزال محكومًا بتوازنات معقدة، داخلية وخارجية.




