نزع أصحاب الشوارع الطائفية والمذهبية أقنعة المجاملة، وانخرطوا في حلقة مبارزة سياسية، سلاحها لحم الغرائز العاري. هذا، بكلام آخر، قفزٌ فوق العوائق اللبنانية المتعارف على احترامها، واجتراءٌ على هزّ أسس صيغة التراضي، التي ما زالت تشكل المجرى العام لانتظام الحياة اللبنانية. هذا، من جهة أخرى، لا يعني أن التوازن كان دائماً دقيقاً، مثلما لا يعني أن "الغبن" لم يكن متنقلاً في أروقة التشكيلة اللبنانية، لكنه يشير إلى أن الاختلال لم يتّخذ لنفسه يوماً صفة "الغلبة الكاسحة"، ولم يقارب وضعية الإطاحة بترسيمة "التوازن" من أساسها...
لقد عرفت الحياة السياسية اللبنانية "بضع لحظات عابرة"، من الهدوء لكنها عادت لتشكّل فاتحة خراب داخلي جَالَ بأحكامه القاهرة على الجميع، ثم عاد ليستقرّ على قاعدة "الرضى المتبادل" عموماً، بين أطراف اللعبة الداخلية.
حصول التجرؤ "الشوارعي" اليوم، من دون تهيّب، حَرِيّ به أن يدفع المعاين إلى شجاعة الوضوح لدى تناول ما أفضت إليه "الحركة" من نتائج، وإلى جرأة شرح الكثير من المصطلحات المتداولة والمسكوت عنها، سواء بسواء. هذا الأمر، هو في أبسط الأحوال حقّ بديهي للجميع. إذ لا يُعقل أن تظلّ التعمية سيِّدة الموقف، مثلما من غير الجائز بقاء الابتزاز السياسي والمعنوي والوطني، عِمْلَة تَخَاطُب رائجة، وبسعر صرفٍ طائفي مرتفع ومجزٍ على كل صعيد
مصطلح أول يستحق الوقوف على أبعاده، هو مصطلح "الديموقراطية" الذي نُسب الى الشارع الطائفي والمذهبي. لعله من الأصح القول، إن الديموقراطية "الجنينية" لبنانياً كانت أولى ضحايا الانشقاقات الطائفية، وإن احتمال بنائها بات أصعب بكثير مما كان عليه الوضع اللبناني، قبيل اتخاذ هذا الوضع صفة "التقابل الضدّي" من كل الضفاف. ما يعلنه التوتر الطائفي والمذهبي الآن، يُذْكِي التشدّد ويستنبتُ الخرافة، إلاّ على سبيل المجاملة، وفي سياق الاضطرار السياسي المؤقت، ويرفع قيمة "الذات الخاصة" فلا يتعايش مع "أضداده". هكذا بِتْنَا نسمعُ مفردات غريبة على أسماع "الصراعية" اللبنانية، واشتراطاتٍ من عيار "إمّا وإمّا"، لا تمتّ بصلة إلى واقع "الديموقراطية التوافقية" التي هي تعايش الطوائف، ضمن قنوات الحدّ الأدنى من اللغة المقبولة والمصالح المعقولة. قيل ذات يوم: لدينا "الكثير من الحرية والقليل من الديموقراطية"، لعل القليل أصيب أيضاً في هذه الأيام، بعد أن طَافَتْ حرية الطوائف وتجاوزتْ ما هو معروفُ من سدود وحدود... هذا ناهيك عن أن الديموقراطية لا تنبت في آنية الطوائف، وهذه لا تعطي ما ليس عندها، "ففاقد الشيء لا يعطيه"، والفقدان هنا إيديولوجي وسياسي ومجتمعي... وعلى كل الأصعدة التي تمتّ إلى الديموقراطية بصلة.
مصطلح ثانٍ هو مصطلح الوطنية. لقد آن "للكثرة الصامتة" أن تعلن ارتيابها بالكثير ممّا تعتبره الطوائف والمذاهب وطنياً، فالوطنية كما جرى تعريفها وممارستها على الطريقة اللبنانية، هي كل ما يلائم مصالح هذه الطائفة أو تلك أو هذا المذهب أو ذاك. وعليه فإن الشعار "الوطني العام" يفقد مضمونه الوطني الداخلي الجامع، عندما تأخذ رايته الطوائف، إذ إن كل حصاد من هذا الشعار، يُراد له أن يصبّ حصراً في خانة الطائفة التي أمسكت به وعملت تحت رايته.
بداهة، لا تُعرَّف الوطنية اللبنانية إلاّ مرتبطة بالمصالح الداخلية أولاً، والاجتهاد حول سبيل تأمين هذه المصالح، والاختلاف فيها وحولها، بديهي هو الآخر، لكن كل تعارض مع محصلة التوافق حول المصلحة الوطنية العامة، والعمل ضد أحكامه، يصير "لا وطنياً"، بالنسبة إلى تعريف الوطنية ذاتها، كذلك كل ارتباط بأي خارج كان، هو شأن غير وطني، ونقول "ارتباطاً" وليس تعاوناً، أو تحالفاً أو اتفاقاً... لأن الطوائف لم تعتد التحالفات بل التبعية، وأوضاعها وتفسيراتها لمصالحها لا تتيح لها أكثر من الإقامة في الوصاية، شرقية كانت أم غربية، وأجنبية كانت أم عربية... ولو أردنا استعراض العمر "القصير" لتجربة الاستقلال اللبناني لوجدنا أن عُمر الاستقلالية أقصر بكثير مما يتداوله أبطال الاستقلالية، ولو أردنا استعادة تقويم الاستقلالية، بعلاقتها الوثيقة بالوطنية، لعثرنا على النزر اليسير الذي يسفّه كل التضخيم الذي يبثّه أبطال الوطنية.
للتذكير المفيد، لقد ارتبطت الوطنية عموماً بمسألة تحديد موقع لبنان في الصراع العربي الإسرائيلي، وكان للصراع حول الموقع محطاته، وكان من نتائجه بقاء الوطن الصغير ساحة صراع من خلال ربطه بقضايا العرب سابقاً، وبقضية الإسلامية الإقليمية لاحقاً، فكان من شأن ذلك وما زال تعميق حالة الافتراق بين اللبنانيين وزيادة تشابك تعقيدات مقاربتها.
عليه، وتأسيساً على تجارب لبنانية مريرة، وعلى دراماتيكية واقع الحال الراهن، يجب القول إنه لا يحق لفريق لبناني الانفراد بتحديد الموقع الوطني للبنان، مثلما يجب أن ترفع العوائق الداخلية في وجه تعريفه المنفرد، تمهيداً لمنع ممارسته الفردية... وفي مكان آخر، لا يحقّ لأي فريق لبناني إعادة تقسيم اللبنانيين وطنياً، وفقاً لتعريفاته، سواء طُرحت الوطنية بانتسابها إلى "اللبنانوية"، أو طرحت مقرونة "بالعروبوية والإسلاموية"... فالحال إن القضايا الكبرى قد تفككت وبقيت المصالح لدول المحيط العربي الشقيق، أو لدول المنطقة التي تتحرك بوسائل شتى لانتزاع هذه المصالح ولفرضها على منظومة العلاقات الدولية. كل إسقاط لهذه الاعتبارات، ومن قِبَلِ أي فريق لبناني، يعادل إعادة رهن المصير الوطني العام لمشيئة مشاريع فئوية في الداخل، على علاقة بمشاريع تتجاوز قدرات "الوطن" وواقعه في الخارج.
يرتبط موضوع المقاومة في لبنان بهذا المصطلح الثاني، كمعضلة قائمة بذاتها، لما تثيره في الحياة السياسية اللبنانية من حراك ملموس، ولما تجسّده بشكل محسوس كإرث لبناني متحدِّر من الحقبات "النضالية العربية"، ومن انتساب "النضالية اللبنانية" إلى الحيّز الأوسع من هذه الحق.
على سبيل الوضوح، من المهم القول إن نسخة المقاومة الإسلامية الراهنة لا تختزل كل التاريخ المقاوم اللبناني، لذلك لا يحقّ لها التصرف بكامل هذا التاريخ. أكثر من ذلك يجب أن توضع هذه المقاومة موضع النقد في كل مرة يلوح فيها إمكان وواقع التلاعب بما أسّسته شرائح وأجيال لبنانية متعاقبة. من المفيد القول أيضاً إن فعل المقاومة لا يشكل امتيازاً لأحد، ومردود النجاح المقاوم يؤخذ من الانخراط في البنية اللبنانية وبالتواصل معها، ومن إغنائها وتزخيم مناعتها، وليس من الخروج عليها أو البقاء خارجها ومن الخضوع لأحكامها وليس من تطويع البنية لأحكام المقاومة الخاصة، التي تظل في الواقع اللبناني المعروف، فئة محدّدة بجغرافيا بعينها و"باجتماع" خاص، وبتاريخ مخصوص... وهذه كلّها أمور تحتاج إلى تضافر لبناني عام وسياق سياسي شامل لجعلها عامة غير فئوية.
لقد بات اللبنانيون، وهذا من الضروري إعلانه، أمام مقاومة أنجزت مهمتها، أي صار فعلها ماضياً، مما يطرح أمر مستقبل قواها. نستطرد للقول، إن ذريعة احتلال مزارع شبعا لم يستحق في الماضي إدامة "احتلال البلد" باللااستقرار، واستمرار تعليق مسيرة النهوض اللبناني الاقتصادية والاجتماعية حتى إشعار آخر... هذا يستدعي تفكيراً لبنانياً عاماً في النهج الأصوب لحماية الأرض والشعب، فلا يعاد احتلال شطر من الجنوب بعد تحريره، على ما نشهد اليوم من كارثة عدوانية متوالية. أمّا الخطر الإسرائيلي الذي جرى التوافق على تعريفه والتوافق على درء أفكاره، فهو أمر يتم تحت سقف "الدولة" المتوافق على قيامها... ومن باب الاستطراد أيضاً، إن الخطر المشار إليه ليس عسكرياً فحسب بل هو اقتصادي وثقافي واجتماعي وأمني... لذلك فالتصدي له يقتضي معالجة شاملة، يحتل البند "الأمني الوقائي" موضعاً فيها، فلا يصادر كل البنود الأخرى. من البديهي القول إن كل انصراف منفرد إلى معالجة الخطر، هو خروج على الحياة العامة، وإن كل تهوين من شأن هذا الخطر، هو تعريض لهذه "الحياة" للاهتزاز الدائم، وإن كل إيكال لهذه المهمة إلى فريق دون غيره، هو قبول بالنزول عند أحكام مصالح هذا الفريق، ممّا يُساهم في منع قيامة "الدولة" كمرجعيّة من أساسها، ومعلوم أن لهذه "الخلاصة" ما يتبعها من تداعيات على المصير الوطني العام.
إعادة أمر حماية لبنان إلى "الدولة"، كضابط اجتماعي وسياسي عام، مدخلٌ أساسيّ للجَمْع، وما خلا ذلك فهو قبول بإدامة "الفرقة"، على قاعدة رفعُ مهمّة بعينها إلى مرتبة "اللانقاش واللامراجعة"، ووضع أهلها في المنزلة ذاتها، ثمّ الرضى بجعل الخطاب الداخلي خطابات، بعضها يشتكي من ضيق السياسة ذاتها ،وبعضها الآخر يتمسّح بقداسة المهمّة، علماً أن كثيراً من المتزلفين تحيط بهم "النجاسة" من كل صوب.
ما زال اللبنانيون في دوّامة التعمية... آنَ لهم أن يركبوا مركب الوضوح، لكي يتمكنوا من الوصول إلى شاطئ الوطن.




