كشفت صحيفة "هآرتس" الإسرائيليّة، في تقريرٍ ليانيف كوبوفيتش، عن شهادات مقلقة تفيد بانخراط جنود في الجيش الإسرائيلي في عمليّات نهب واسعة للممتلكات في جنوب لبنان، شملت منازل خاصّة ومتاجر غادرها أصحابها أو أُجبروا على مغادرتها بسبب الحرب.
ونقلت الصحيفة عن أحد الجنود قوله: "الأمر على نطاق جنونيّ. كلّ من يأخذ شيئًا، أجهزة تلفاز، سجائر، أدوات، أيّ شيء، يضعه فورًا في مركبته أو يتركه جانبًا. ليس داخل القاعدة العسكريّة، لكنّه أيضًا غير مخفيّ. الجميع يراه ويفهم ما يجري".
وبحسب الشهادات، تنهب القوّات كلّ شيء، من الدّرّاجات النّاريّة إلى السجّاد، فيما يدرك القادة، من الرّتب الدّنيا إلى العليا، ما يحدث، من دون أن يتّخذوا إجراءات فعليّة لمنعه.
وتناول رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير هذه الظّاهرة خلال مؤتمر عُقد هذا الأسبوع، واصفًا إيّاها بأنّها "وصمة أخلاقيّة" على الجيش، ومؤكّدًا أنّ الجيش الإسرائيلي "لن يكون جيشًا من النّاهبين".
غير أنّ "هآرتس" ترى أنّ المشكلة لا تكمن فقط في حالات النّهب نفسها، بل في التّجاهل المنهجي الذي يتيح استمرارها. فالنهب، وفق الصحيفة، ليس ظاهرة جديدة في الحروب الإسرائيليّة، بل رافقها منذ قيام الدولة، أمّا الجديد اليوم فهو مستوى اللامبالاة والتسامح العمليّ مع الجريمة.
جذور تعود إلى عام 1948
تستعيد الصحيفة شهادات من حرب عام 1948، بينها رسالة كتبها موظّف يُدعى ي. غيفن في وزارة شؤون الأقليّات إلى وزير الشّرطة بخور شالوم شيتريت، تحدّث فيها عن غارات يهوديّة في يافا المحتلّة.
وقال غيفن في رسالته: "طوال اليوم كنت أتجوّل في شوارع المدينة لتفقّد نقاط الحراسة. رأيت جنودًا ومدنيّين وشرطة عسكريّة وشرطة كتائب ينهبون ويسلبون، ويكسرون الأبواب والجدران".
وأضاف أنّ المسؤولين لم يتصرّفوا وفق الأوامر المتّبعة بحقّ اللصوص المقبوض عليهم، وأنّ مشتبهين بالنّهب أُطلق سراحهم من دون تحقيق، فقط لأنّهم يعرفون أحد القادة. كما أشار إلى شبهات بأنّ الشّرطة العسكريّة كانت تنقل المسروقات من يافا إلى تل أبيب.
نهب واسع في حروب 1956 و1967
لم تتوقّف الظّاهرة عند حرب 1948. ففي حملة سيناء عام 1956، أفاد نائب رئيس الأركان حينها، حاييم لاسكوف، بأنّ جنودًا نفّذوا عمليّات نهب واسعة في قطاع غزّة.
وفي حزيران 1967، قدّمت سوريا شكوى إلى الأمم المتّحدة تحدّثت فيها عن "عمليّات سرقة ونهب دون عوائق" في هضبة الجولان، تركّزت، بحسب الشكوى، على مجوهرات النّساء والذّهب وأجهزة التلفاز. كما ورد أنّ متاجر القنيطرة سُرقت، ومعظم المنازل نُهبت، بل إنّ الأثاث الذي أعجب الجنود نُقل بشاحنات إلى "فلسطين المحتلّة".
وتشير "هآرتس" أيضًا إلى قوافل مدنيّة خرجت من إسرائيل إلى قلقيلية، بعد طرد سكّانها الفلسطينيّين عام 1967، حيث جُرّدت المدينة من محتوياتها. وتكشف مراسلات بين رئيس بلديّة كفار سابا والجيش أنّ معدّات من مدارس قلقيلية جرى ترميمها واستخدامها في مدارس كفار سابا.
لبنان والانتفاضة الأولى: النّمط نفسه يتكرّر
بعد خمسة عشر عامًا، وخلال حرب لبنان الأولى، تعرّضت منازل ومتاجر كثيرة في لبنان للنّهب على يد القوّات الإسرائيليّة. وروى ضابط الاحتياط دوف يرميا في مذكّراته الحربيّة كيف أقدم ضبّاط على نهب ممتلكات، لافتًا إلى أنّه "من المهمّ جدًّا الحفاظ على الصّورة الجميلة لإسرائيل، لذلك يجب منع دخول الصّحافة قدر الإمكان".
وتتكرّر الصّورة نفسها في شهادات من فترة الانتفاضة الأولى عام 1987، إذ تحدّث جنود احتياط عن عنف وتخريب ونهب واسع، وعن منع الصحافيّين من الوصول إلى مواقع الأحداث كي لا يُكشف ما يحدث فعليًّا على الأرض.
وترى الصحيفة أنّ الشهادات المتراكمة على مدى عقود تكشف نمطًا ثابتًا: النّهب غير قانونيّ، لكنّه جرى التّساهل معه عمليًّا منذ قيام إسرائيل وحتّى اليوم.
وتورد "هآرتس" أنّ غولدا مائير قالت، خلال حرب 1948، لأعضاء حزب "مباي" الحاكم في اجتماع مغلق، إنّ الجيش لم يفعل الكثير لوقف نهب حيفا. كما نقلت عن المدّعي العام في لواء ألكسندروني قوله إنّ "النّهب يتمّ على نطاق واسع، وقد استمرّ لسنوات، ويصل تقريبًا إلى أعلى مستويات الحكومة".
وفي عام 1950، كتب دوف شفرير، المسؤول عن أملاك الغائبين، أنّ إجراءات حاسمة فقط، باستخدام كامل صلاحيّات السّلطات العسكريّة والإداريّة والمدنيّة والقضائيّة، كان يمكن أن تنقذ ليس الممتلكات وحدها، بل "الرّوح نفسها من الفشل الأخلاقي". لكنّ تلك الإجراءات، كما يخلص التّقرير، لم تُتّخذ لا قبل 78 عامًا ولا في الحروب التي تلت.
تحقيقات محدودة وتعاميم بلا أثر
عقب نشر تقرير "هآرتس" الأخير، أمر الجيش الإسرائيلي بفتح تحقيق للشرطة العسكريّة في الادّعاءات المتعلّقة بالنّهب في جنوب لبنان. وربّما يُعاد إرسال تعميم إلى القوّات المقاتلة، شبيه بالتّعميم الذي نشره رئيس هيئة التّربية في تشرين الأوّل 2024، وأدان فيه النّهب الذي انتشر في قطاع غزّة بعد اندلاع الحرب.
لكنّ الصحيفة تؤكّد أنّ التّعاميم لا تعادل اتّخاذ إجراءات حقيقيّة لكبح الظّاهرة، وهي إجراءات لم تظهر، بحسب التّقرير، لا في لبنان ولا في غزّة.
وفي نيسان 2025، نشرت منظّمة "كسر الصّمت" المناهضة للاحتلال شهادة لجندي خدم في غزّة، قال فيها إنّ "الرّتب العليا تُظهر تجاهلًا تامًّا للنّهب. هم غير معنيّين بالتّعامل معه، بل إنّ الأمر مقبول لديهم".
يعزو جنود يخدمون اليوم في لبنان انتشار النّهب إلى عاملين أساسيّين. الأوّل هو تفاقم النّقص في القوى البشريّة، ما يدفع القادة إلى التغاضي عن مثل هذه الحوادث ومعالجتها بهدوء، على أمل أن يوافق جنود الاحتياط على الالتحاق بجولات إضافيّة من القتال.
أمّا العامل الثّاني، فهو حجم الدّمار الواسع الذي يلحقه الجيش بجنوب لبنان، ما يجعل بعض الجنود يبرّرون لأنفسهم أخذ الممتلكات بذريعة أنّها ستُدمّر على أيّ حال.
لكنّ "هآرتس" ترى أنّ هذه التّفسيرات، وإن بدت مفهومة على المستوى الجزئي، تخدم من منظور أوسع سياسة إطالة أمد الحرب في جنوب لبنان. فالجنود الذين يسرقون يتحوّلون، عمليًّا، إلى أصحاب مصلحة في الدّمار واستمرار القتال، وقد يبتكرون لأنفسهم مبرّرات أيديولوجيّة، مثل اعتبار النّهب تعويضًا عن المشقّة وطول الخدمة.
جريمة تؤدّي وظيفتها
تخلص الصحيفة إلى أنّ الحكومة الإسرائيليّة تستفيد من هذا الواقع. فمن خلال النّهب والانتهاكات المصاحبة له، تتحقّق نتائج لا تستطيع الحكومة تبنّيها علنًا بسبب القيود القانونيّة والدبلوماسيّة: لبنان مدمّر، جرائم لا تُحصى ارتُكبت، ومئات الآلاف من المدنيّين أُجبروا على النّزوح من منازلهم.
وتؤكّد "هآرتس" أنّ الحكومة لا تشجّع النّهب صراحةً، لكنّها في الوقت نفسه لا تتّخذ إجراءات جدّيّة ضدّه. فمنذ اندلاع الحربين في غزّة ولبنان، لم تؤدِّ سوى حالة نهب واحدة إلى لائحة اتّهام، وحتّى تلك انتهت، بحسب الصحيفة، باتّفاق ادّعاء.
وبذلك، كما يخلص التّقرير، يتغاضى الضبّاط، وتستمرّ الجرائم، ويؤدّي الإجرام وظيفته.




