في سنة 1896، نشر فريدريك إنجلز أطروحة مثيرة تناول فيها بإسهاب نظريته عن نشأة الإنسان، شارحًا كيف أن انتقال بعض أسلاف البشر إلى المشي على قدمين، أدّى إلى تحرّر اليدين من وظيفة الحركة. ما سمح لهما بالقيام بمهام جديدة: استخدام الأدوات المتوفرة لتصنيع أدوات بدائية.. ومع الزمن، تطورت يد الإنسان نفسها نتيجة هذا الاستخدام.
لكن العمل لم يكن فرديًا، بل جماعيًا، شمل الصيد، وجمع الغذاء، وبناء الملاجئ.. ما خلق حاجة متزايدة للتواصل والتنسيق. وكنتيجة لهذا العمل الجماعي، ظهرت الحاجة إلى التواصل: إشارات، فأصوات بدائية، فكلمات، ومن ثم لغة. وهنا ارتبط تطوّر الدماغ باللغة والعمل معًا. ومع ازدياد تعقيد العمل، ازداد حجم الدماغ وتطوّرت القدرات العقلية من تخطيط وذاكرة وتفكير. ومع الوقت أدّى العمل إلى تغييرات أخرى كتنوع الغذاء (بما في ذلك اللحم)، واستخدام النار، والاستقرار التدريجي.
في الخلاصة، كان العمل هو العامل الحاسم في نشوء الإنسان كما نعرفه اليوم. وقد عنون إنجلز أطروحته الجريئة، والتي لا تزال بمعظمها صحيحة نسبيًا، بعنوان لافت: "دور العمل في تحوّل القرد إلى إنسان".
وظيفة الدماغ: التفكير
سأنطلق من هذه المقدمة لأفحص إن كانت هذه النظرية صالحة في الاتجاه المعاكس. لقد بيّن لنا إنجلز أن للعمل دورًا أساسيًا في زيادة حجم الدماغ وتشعّب وظائفه، مما أدى إلى ما وصلنا إليه. وعمل الدماغ يعني ببساطة: التفكير.
فطن البشر لهذه "البديهية" قبل إنجلز بكثير من دون وضعها في إطارها السببي. ولأجل ذلك "اهتدوا" إلى المدارس والجامعات، و"أنتجوا" الكتب والوسائط والألعاب، ليس لتعلم ومراكمة المعرفة فحسب، وإنما أيضًا لتوسيع مَلَكة التفكير وتدريب دماغنا عليه بطرق مباشرة وغير مباشرة.
وتدريب الدماغ لا يقتصر على مسائل الرياضيات والهندسة والفيزياء، بل يمتد إلى الفلسفة والمنطق ودراسة السلوكيات الحيوانية والبشرية -فرديًا وجماعيًا- أي ما اصطلحنا على تسميته العلوم الاجتماعية. ونشأ بالنتيجة ما أسميناه "الفكر"، وهو مادة التفكير، الذي صنّفناه لاحقًا في حقولٍ مختلفة: علمية، فلسفية، اجتماعية، سياسية، وغيرها.
لكن، إذا كان هذا الجهد الهائل قد بُذل لتدريب العقل على التفكير، فلماذا يحدث أحيانًا أن يتوقف عن ذلك؟ وماذا يحدث حينها؟
فتّش عن الأيديولوجيا
بالطبع لن أعالج المسألة هنا من زاوية العوامل البيولوجية (الطبية) أو العصبية التي تؤدي أحيانًا إلى "السكتة الدماغية". فليس هذا اختصاصي. هدفي هنا أبسط من ذلك بكثير وفي غير اتجاه. وسأحصر مبحثي في سبب واحد: الأيديولوجيا المغلقة.
يحدث أحيانًا أن يرتاح أحدنا إلى مجموعة من الأفكار، يتبنّاها عن اقتناع أو مصلحة، فتتحوّل تدريجيًا إلى "عدسة" يرى من خلالها العالم. ثم، ودون أن يلاحظ، تتحوّل هذه العدسة إلى جدار. فتتحوّل الفكرة (فكرته) إلى يقين مغلق، والتصوّر إلى عقيدة غير قابلة للمراجعة، والنظام الفكري إلى سجن ذهني محكم الإغلاق.
عند هذه النقطة، لا تعود الأيديولوجيا أداة لفهم الواقع، بل تصبح بديلًا عنه. لا تعود وسيلة للتفكير، بل تتحوّل إلى آلية جاهزة تُعفي صاحبها من عناء التفكير أصلًا. فالأيديولوجيا في جوهرها هي نظام تفسير شامل يدّعي القدرة على تبرير كل شيء: التاريخ، المجتمع، الأخلاق، السياسة، وحتى المستقبل. هذه الشمولية هي سرّ قوتها.. وخطرها في آن. لأن عقلنا، بطبيعته "العاملة"، يحتاج إلى الشك، إلى الفجوات، إلى المساحات غير المكتملة التي تدفعه للبحث والسؤال، أي إلى التفكير.
تبدأ هذه الآلية بفرض مسلّمات لا تُناقش، تُبنى عليها شبكة من الاستنتاجات التي تبدو منطقية، بل و"أخلاقية"، لكن بشرط قبول المسلّمات الأولى فقط. وهكذا، يصبح كل ما ينتج عنها صحيحًا "من داخلها"، حتى لو كان منفصلًا تمامًا عن الواقع. فكيف إذا اقترنت بشبكة تمويل -خفية أو فاجرة- تغذي دعايتها وأقلامها ومنصّاتها وتعتني جيّدًا بها.
صديقنا المؤدلج
بهذا المعنى، الأيديولوجيا ليست كذبة عادية، بل أشبه بـ"نظام مناعي" ضد الحقيقة نفسها. ولأنها كذلك، فهي تضرب صاحبها أولًا، قبل خصومه. فصديقنا المؤدلج (بفتح وكسر اللام) لا يعاني من نقصٍ في الذكاء، بل غالبًا ما يكون لامعًا، واسع الاطلاع، قادرًا على التحليل والاستدلال والبناء المنطقي. لكنه يستخدم كل أدواته في اتجاه واحد لا مراجعة فيه. يبرع في الهجوم، لكنه يعجز عن طرح سؤال حقيقي على نفسه. لقد أصبح عقله أشبه بجهاز تسجيل متطور: يعيد إنتاج الأفكار نفسها، بالنبرة نفسها، مع بعض الزخرفة اللغوية التي تعطي انطباعًا بوجود عُمق… حيث لا عُمق.
أما الجماهير، التي يتحدث باسمها ويدّعي الدفاع عن مصالحها ليل نهار، فليست في النهاية سوى وسيلة. تُستدعى حين تخدم الفكرة، وتُلام حين لا تفعل. لا يتعامل معهم كأفراد، بل ككتلة يحتاجها وقودًا للخطاب والحشد. هو لا يريدهم أن يفكروا، لأن التفكير يهدد بنيته، بل يريدهم أن يرددوا الشعارات، أن يعيدوا إنتاج نفس اللغة، وأن يتحولوا إلى صدى تصفيق جماعي ضخم.
في الخلاصة ما يريده منها ليس سوى الموافقة. ومَن لا يوافق، يُعاد تصنيفه بسرعة: جاهل، مضلَّل، "خائن لقضيته أو للوطن"، أو في أفضل الأحوال: لم يصل بعد إلى مستوى "الوعي".
نموذجٌ مألوفٌ أكثر مما نحب أن نعترف، ليس لأننا نراه حولنا فقط، بل لأننا، بدرجات متفاوتة، وقعنا في فخّ الأيديولوجيا في مرحلة ما… وما زلنا نحاول كلّ يوم النجاة منه!
ماذا يحدث حين يتوقف دماغنا عن التفكير؟
في هذه اللحظة تحديدًا، تتقاطع الأيديولوجيا مع ما يمكن تسميته "نقيض العمل" بمفهوم إنجلز. إذا كان العمل قد دفع الإنسان إلى التعاون والتواصل والتفكير، فإن الأيديولوجيا، في نسختها المتصلبة، تفعل العكس: تلغي التفكير، تقدّس المسلّمات من دون الحاجة لمساءلتها ونقدها، وتحوّل التواصل إلى ترداد، والتعاون إلى اصطفاف أعمى.
وإذا افترضنا أن وظيفة العقل هي التفكير، لا الحفظ ولا التكرار ولا التبرير، فإن تعطيل هذه الوظيفة لا يمر من دون ثمن. الدماغ، كأي عضو آخر، يتأثر بكيفية استخدامه. فحين يتوقف عن إنتاج الأسئلة، وعن اختبار الفرضيات، وعن مراجعة ذاته، يفقد تدريجيًا تلك المرونة التي ميّزته، وننحدر تدريجيًا نحو "القرد" الذي كنّا عليه ذات يوم.
ما ميّزنا عن تلك البدايات البعيدة، التي احتجنا ملايين السنين لتجاوزها، هو بالضبط القدرة التي اكتسبناها على التفكير والشك وتجاوز النمط.. فماذا نسمي إنسانًا تخلى طوعًا عن هذه المَلَكة، واكتفى بتكرار ما تعلّمه أو ما سمعه داخل قطيعه الفكري، تأثرًا بإنسان آخر قرّر استخدام نفس النمط للتلاعب في عقله وعاطفته؟
على الأرجح لن ينبت لهذا المخلوق فراء، ولن يفقد لغته. سيبقى كما هو في الظاهر: مثقفًا، محللًا، وصاحب رأي. لكن في الجوهر، سيكون قد عطّل الوظيفة التي جعلت من دماغه أكثر من مجرد عضو بيولوجي، فساهمت في تطوّر الكائن الذي كان إلى إنسان.
ليس خيالاً
في سنة 1993، مباشرة بعد توقف الحرب الأهلية، قدم الرؤيوي زياد الرحباني مسرحيته "بخصوص الكرامة والشعب العنيد" على مسرح البيكاديللي في بيروت. لم يحقق العمل نجاحًا جماهيريًا واسعًا، ربما بسبب قسوته وسوداويته، وبسبب عدم فهم أكثرنا لما أراد أن يقوله الراحل، أو ربما لأننا لم نستسغ المرآة الصادقة التي عكست صورتنا الحقيقية لثلاث ساعاتٍ على المسرح.
تنتهي المسرحية بنهاية رمزية وسوداوية للغاية: يكتشف "الشعب العنيد" (الجماهير) أن الريش (الفرو) بدأ ينبت على أجسادهم، قبل أن يظهر قرد (اورانغ اوتان) ويبدأ الجميع في التحوّل والتعايش معه بشكل "طبيعي"!
لقد بدا تصوّر زياد مبالغًا فيه حينها، لكنه، في ضوء ما سبق، وما نعيشه، قد يكون أقل خيالًا مما نحب أن نعتقد.
يكفي أن يتوقف العقل عن العمل.. ليبدأ، بهدوء وثقة، طريق العودة!



