بين "إنذار" واشنطن و"توقيت" تل أبيب، دخل المشهد اللبناني مرحلة الذوبان في هوامش المناورة. فبينما كانت بيروت تراهن على "الهدنة" لالتقاط الأنفاس، جاءت التوجيهات الجديدة للجبهة الداخلية الإسرائيلية والبيان "الصارم" للسفارة الأميركية ليضعا الدولة أمام واقع لا يحتمل التأويل: زمن المناورة انتهى، والبديل من طاولة المفاوضات قد يكون "حرب استنزاف" إسرائيلية مدمّرة تمتدّ لأشهر وتطاول العمق اللبناني، وحتى بيروت.
وتعكس إجراءات الجبهة الداخلية الإسرائيلية بتحويل الحدود إلى مناطق صفراء وتقييد التعليم، أن تل أبيب لم تعد تتعامل مع الجبهة الشمالية كواقع مستدام. والحديث عن استمرار الحملة لعدّة أشهر يسقط مراهنات الداخل اللبناني على حلّ سريع أو ضغوط أميركية كابحة. كما تبرز تصريحات المسؤول الأمني الإسرائيلي للقناة 13 حول "التوغّل وقصف بيروت" كصاعق تفجير يُستخدم للضغط على لبنان، للدفع نحو الاجتماع المفترض عقده في واشنطن.
ويمثّل بيان السفارة الأميركية وجولة السفير ميشال عيسى اليوم نقطة تحوّل في دور الوسيط. فواشنطن انتقلت من تسهيل الحوار إلى النصيحة بالتفاوض، حيث "انتهى زمن التردّد". وهذه العبارة هي نعي أميركي رسمي لسياسة الغموض اللبنانية المزمنة. وبات واضحًا أنّ واشنطن تضع أركان الحكم أمام التحدّي: إمّا الذهاب إلى واشنطن بقرار واضح، وإمّا تحمّل مسؤولية ترك البلاد وحيدة أمام آلة الحرب الإسرائيلية التي أُعطيت "ضوءًا برتقاليًا" على الأرجح، للاستمرار أشهرًا أخرى، مع هامش كبير في التوسّع، ما يحتّم جوابًا عن السؤال الآتي: كم سيصمد أركان الحكم في لبنان داخل المنطقة الرمادية؟
واشنطن تنقل الرسالة
استقبل رئيس الجمهورية جوزاف عون، في قصر بعبدا ظهر اليوم، السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، في أوّل لقاء بعد عودته من واشنطن. اللقاء لم يكن بروتوكوليًا بقدر ما بدا امتدادًا سياسيًا للرسالة الأميركية الأخيرة: تثبيت وقف إطلاق النار لم يعد ملفًا تقنيًا، بل قرارًا سياسيًا يتطلّب أجوبة لبنانية واضحة.
وجرى خلال اللقاء عرض التطوّرات الراهنة، ولا سيّما ملف تثبيت وقف إطلاق النار ووقف استهداف المدنيين والمنشآت المدنية، تمهيدًا لاستكمال الاجتماعات في واشنطن، بما يؤدّي إلى تحقيق إنجاز على صعيد السلم والاستقرار على الحدود، والإعلان عنه رسميًا من العاصمة الأميركية.
وأكد السفير عيسى استمرار دعم الولايات المتحدة للبنان ومؤسساته. من جهته، شدّد الرئيس عون على أهمية هذا الدعم، معربًا عن شكره لواشنطن على وقوفها إلى جانب لبنان في هذه المرحلة الدقيقة.
وعلى خطّ موازٍ، استقبل رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، في السراي الكبير، السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى. وجرى البحث في ملف تثبيت وقف إطلاق النار، إضافة إلى المحادثات المتعلّقة بالتفاوض مع إسرائيل. وبذلك، بدت الجولة الأميركية كأنّها توزيع منسّق للرسائل بين رأسي السلطة التنفيذية: المطلوب قرار، لا إدارة انتظار.
وقف نار ممدّد وخروقات مفتوحة
رغم تمديد وقف إطلاق النار، لا تزال الخروقات الإسرائيلية وردود "حزب الله" عليها ترسم كل يوم نسخة محدّثة لخريطة المواجهة بين الطرفين. هذه الخريطة تتوزّع بين جنوب نهر الليطاني وشماله، وتتّسع أو تضيق بحسب وتيرة الاشتباك، وبمقدار ما تتبدّل قواعد النار على الأرض.
وكانت الولايات المتحدة الأميركية قد جدّدت، عبر سفارتها في بيروت، الضغط باتجاه عقد لقاء مباشر بين الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محذّرة من أنّ "وقت التردّد انتهى".
وتوجّهت السفارة، في بيان، إلى المسؤولين اللبنانيين بالقول إنّ "لبنان يقف على مفترق طرق، وأمام شعبه فرصة تاريخية لاستعادة بلاده، ورسم مستقبله كأمّة سيّدة ومستقلّة فعلًا".
واعتبر البيان أنّ لقاء مباشرًا بين عون ونتنياهو، بتسهيل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، "سيمنح لبنان فرصة الحصول على ضمانات ملموسة بشأن سيادته الكاملة وسلامة أراضيه وضبط حدوده، إضافة إلى الدعم الإنساني وإعادة الإعمار، وإعادة بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، بضمانة من الولايات المتحدة".
وأضاف البيان أنّ "الحوار المباشر بين لبنان وإسرائيل، وهما دولتان متجاورتان ما كان ينبغي لهما أن تكونا في حالة حرب، يمكن أن يشكّل بداية نهضة وطنية"، مشيرًا إلى أنّ وقف إطلاق النار الممدّد، الذي تمّ بناءً على طلب شخصي من الرئيس ترامب، أتاح للبنان مساحة وفرصة لعرض جميع مطالبه المشروعة على طاولة المفاوضات، مع إيلاء حكومة الولايات المتحدة الاهتمام الكامل لها.
وختم البيان بالقول: "هذه هي لحظة لبنان ليقرّر مصيره، وهو مصير يخصّ جميع أبنائه. والولايات المتحدة على أتمّ الاستعداد للوقوف إلى جانب لبنان وهو يغتنم هذه الفرصة بثقة وحكمة. لقد ولّى زمن التردّد".
التفاوض أو الاستنزاف
يضع البيان الأميركي لبنان أمام خيارين ضاغطين: إمّا الذهاب إلى لقاء مباشر من دون شروط مسبقة، وإمّا المضيّ في مواجهة تهديدات إسرائيلية بتوسيع نطاق العدوان والخروقات لتفاهم وقف إطلاق النار، الذي لم تلتزم إسرائيل بتنفيذه.
لكنّ جوهر الأزمة لا يقف عند شكل التفاوض، بل عند توقيته وموازين القوى التي تحيط به. فالتفاوض تحت النار ليس تفاوضًا عاديًا، والذهاب إلى واشنطن من دون إجماع داخلي صلب قد يتحوّل من محاولة إنقاذ إلى باب انقسام جديد. هنا تحديدًا تتقدّم معضلة الحكم: كيف يفاوض لبنان على السيادة فيما الجنوب تحت القصف، وكيف يرفض المسار الأميركي من دون امتلاك بديل يمنع إسرائيل من توسيع الحرب؟
على وقع التهديدات الأميركية، واصلت إسرائيل عدوانها، منفّذة سلسلة هجمات واسعة النطاق، فيما ارتفع عدد المجازر المرتكبة في الجنوب، وكذلك حصيلة الشهداء والجرحى.
فإسرائيل، التي تحتل نحو 60 بلدة وقرية ضمن ما يُطلق عليه "خط الدفاع الأول" أو "الخط الأصفر"، بعمق يصل إلى 10 كيلومترات وعلى طول مجرى نهر الليطاني من القطاع الشرقي حتى القطاع الغربي مرورًا بالأوسط، لم تنجح في حماية جنودها ولا مواقعها ولا مستوطنات الشمال من هجمات الحزب.
ومن هنا، تحاول تل أبيب فرض "خط دفاع" آخر أكثر تقدّمًا، يتخطّى مجرى النهر إلى شماله، لا عبر التوغّل والاحتلال المباشرين فحسب، بل عبر الغارات والقصف المدفعي، وتكثيف تحليق المسيّرات الراصدة لأي حركة، والسيطرة بالنيران على بلدات عدّة بمحاذاة الخط الأصفر وقبالته، بما فيها تلك التي وجّه إليها الجيش الإسرائيلي أخيرًا إنذارات بالإخلاء.
وتطال المدفعية الإسرائيلية المتمركزة داخل الأراضي اللبنانية مناطق جنوب الليطاني وشماله، وخصوصًا في منطقة النبطية، فيما تستهدف الغارات الجوية منشآت وبنى تحتية تتهم إسرائيل "حزب الله" باستخدامها منطلقًا لهجمات على جنودها. أما المسيّرات فتلاحق عادة أهدافًا متحركة، من سيارات ودراجات نارية، في مشهد يوحي بأن الجنوب تحوّل إلى مساحة مراقبة وقتل مفتوحة.
حزب الله يردّ: معادلة ميدانية لا سياسية فقط
في المقابل، تُظهر خريطة العمليات التي ينفّذها "حزب الله" أنّه لا يزال قادرًا على التحرّك أو الانطلاق من منطقة جنوب الليطاني، إضافة إلى احتفاظه بحرية التحرّك والمناورة شمال النهر، حيث تبدو جبهة الإسناد الرئيسية قائمة وفاعلة.
وتكشف العمليات أيضًا قدرة الحزب على الحفاظ على خطوط الإمداد بين شمال الليطاني وجنوبه، والتنويع في طبيعة الهجمات والأسلحة والمديات، من صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، إلى صواريخ أرض، جو، التي أسقط بها ثلاث مسيّرات إسرائيلية فوق الجنوب في غضون أسبوع واحد.
كما تشير التطوّرات الأخيرة إلى إدخال تقنيات جديدة على سلاح المسيّرات المفخخة، بما يرفع دقّتها وقدرتها على تحقيق إصابات مباشرة. وهذا ما يفسّر الإقرار الإسرائيلي المتكرّر بصعوبة اعتراض المسيّرات الانتحارية، وبأن الجيش الإسرائيلي لا يملك، في الوقت الراهن، حلًا كاملًا لهذا النوع من الهجمات.
"الوفاء للمقاومة": رفض مباشر لمسار التفاوض
في الداخل، شدّدت كتلة "الوفاء للمقاومة" على أنّ "مسار التفاوض المباشر مع العدو الذي ذهبت إليه السلطة مرفوض ومدان، ويشكّل انحرافًا عن الثوابت الوطنية ومساسًا بالسيادة، ويناقض الوفاق الوطني واتفاق الطائف، ويجافي منطق تحقيق المكاسب واستعادة الحقوق الوطنية"، لافتة إلى أنّ "أيّة مخرجات أو نتائج تحصل لسنا معنيين بها على الإطلاق".
وكانت الكتلة قد عقدت جلستها الدورية برئاسة النائب محمد رعد وحضور أعضائها، وتداولت في قضايا سياسية ونيابية عدّة. وفي بيان صدر عنها، رأت أنّه "يستمر العدوان الصهيوني الأميركي على لبنان قتلًا وتدميرًا ونسفًا للمنازل والمؤسسات، في انتهاك موصوف لوقف إطلاق النار بغطاء أميركي، فيما يستمر أبطال المقاومة في تسطير ملحماتهم العظيمة ضد العدو، ويوقعون في صفوفه عشرات القتلى والجرحى. أما السلطة اللبنانية، وبكل أسف، فتكمل انحدارها في مسار التفاوض، متخلّية عن نقاط القوة الإقليمية والوطنية التي يمكن أن تحصّن موقفها وموقعها مقابل العدو ومخططاته".
وقالت الكتلة إنّ المقاومة "تسطر على أرض الجنوب ملاحم بطولية بكفاءة عالية، وعمليات نوعية تحبط أهداف العدو في الاستقرار على أرضنا، وتمنعه من محاولة إقامة حزام أمني جديد، أثبت أبطال المقاومة أنّه لن يكون سوى مقبرة للغزاة على غرار الأحزمة السابقة".
واعتبرت أنّ "العدو اعترف بأن حزب الله يعمل على إنشاء معادلة جديدة في لبنان، لا تسمح للصهيوني المحتل بممارسة العدوان والقصف من دون ردّ عقابي مؤلم، في محاولة لتثبيت معادلة ردع جديدة تلجم العدوان".
برّي: لا تفاوض تحت النار
في الموقف السياسي الموازي، قال رئيس مجلس النواب نبيه برّي، في حديث صحافي، إنّ "الهدنة المزعومة أتاحت لإسرائيل التمادي في عدوانها وارتكاب المجازر على نحو غير مسبوق".
وسأل برّي عن جدوى المفاوضات إذا كانت تُجرى تحت ضغط النار الإسرائيلية، قائلًا: "ما جدوى المفاوضات إذا كانت تُجرى تحت ضغط النار الإسرائيلية؟".
هذا السؤال يختصر مأزق الدولة اللبنانية بين ضغط أميركي يدفع إلى المسار المباشر، وضغط إسرائيلي يفرض وقائع ميدانية بالنار، ورفض داخلي واسع لأي تفاوض يبدو كأنّه يتمّ تحت الإكراه.
لم يعد المشهد اللبناني يحتمل لغة التأجيل. فواشنطن رفعت مستوى الضغط السياسي، وتل أبيب رفعت مستوى الضغط العسكري، و"حزب الله" يرفع سقف الردّ الميداني، فيما الدولة اللبنانية تقف عند نقطة حرجة بين التفاوض والرفض، بين محاولة حماية السيادة وبين خطر ترك الحدود لحرب استنزاف مفتوحة. المشكلة لم تعد في السؤال عمّا إذا كان لبنان سيذهب إلى واشنطن أم لا، بل في السؤال الأعمق: بأي تفويض، وبأي موقف، وبأي قدرة على تحويل التفاوض من مسار إملاء إلى مسار ضمانات؟
حتى الآن، يبدو أنّ المنطقة الرمادية تضيق. وكلّما تأخّر القرار، تقدّمت النار.




