العفو العام.. هل يُقصى  الإسلاميون مجدداً؟

طارق الحجيريالجمعة 2026/05/01
الموقوفين .jpg
حجم الخط
مشاركة عبر

مع تقدّم نقاش قانون العفو العام في اللجان النيابية المشتركة، وما تسرّب من مداولاتها على لسان بعض النواب، راود شريحة واسعة من اللبنانيين السنّة القلق مجدداً من هذا الملف الشائك. فمع كل جلسة يتعزّز الخوف من أن يتحوّل القانون المنتظر إلى إطار ناقص، لا يشمل أبناءهم الموقوفين، أو يمرّ على حسابهم عبر استثناءات وتخفيضات لا ترقى إلى حجم المظلومية التي يتحدثون عنها منذ سنوات.

هذا القلق ليس طارئاً، بل هو امتداد لمسار طويل من المماطلة، كما يصفه أهالي الموقوفين والناشطون، منذ أكثر من عقد.

 

قانون ناقص لن يمر

النائب عماد الحوت أقرّ بوجود هذا القلق "المشروع"، لكنه طمأن في حديث لـ"المدن"، إلى أن النقاش لا يزال مفتوحاً داخل اللجان، وأن الهدف يجب أن يبقى "معالجة المظلومية الناتجة عن بطء القضاء والتوقيفات الطويلة والخلل في الإجراءات". وشدّد على عدم ترك أي فئة مستحقة خارج نطاق الإنصاف، معتبراً أن ملف الموقوفين الإسلاميين سيبقى في صلب النقاش، بعيداً عن الأحكام المسبقة، وبما يحقق معايير العدالة.

وتعهّد الحوت بأن أيّ "قانون عفو ناقص لن يمر مهما جرى"، وأن العمل مستمر للوصول إلى صيغة "متوازنة لا تُفرّغ القانون من مضمونه ولا تمسّ بحقوق الضحايا أو مقتضيات الأمن".

 

انتفت الأسباب.. والخشية باقية

لكن هذه التطمينات لا تبدّد مخاوف المعنيين. من داخل سجن رومية، يختصر الشيخ عمر الأطرش الهواجس بشقين: الأول هو "التسويف الممنهج" الذي طبع تعامل السلطة مع الملف لسنوات، رغم الاعتصامات والتحركات، مشيراً إلى أن تسليم السجناء السوريين إلى بلدهم زاد الشكوك لدى الموقوفين الإسلاميين، لا سيما أن المُفرج عنهم "يُعتبرون من أصحاب الملفات الأكثر تعقيداً".

أما الشق الثاني فهو الخشية من تمرير قانون عفو "على حسابهم" رغم أنهم "الأكثر مظلومية في السجون" برأيه، والأولى شمولهم بالعفو، لا سيما أن توقيف معظمهم ارتبط بسياق الثورة السورية، التي تبدّلت معطياتها لاحقاً مع سقوط النظام البائد وإزالة الفصائل عن لوائح الإرهاب. ويختم الأطرش مطالباً بأن يكون "قانون التخفيض عادلاً وغير مجحف، خصوصاً في الأحكام المتعلقة بالمؤبد والإعدام".

 

إشكالية في بنية القانون

في موازاة ذلك، تكشف الناشطة وعضو لجنة أهالي السجناء في بعلبك رائدة صلح، عن "إشكالية بنيوية" في الصيغة المطروحة، إذ ينقسم القانون عملياً إلى شقين: عفو عام يتضمن استثناءات واسعة، أبرزها مواد الإرهاب، ما يعني "استبعاد الموقوفين الإسلاميين عملياً"، وشق ثانٍ يتعلق بتخفيض العقوبات.

وبحسب المسودة المتداولة، تُستبدل عقوبة الإعدام ب 25 سنة سجنية والمؤبد ب 20 سنة، فيما تُخفض سائر العقوبات بمعدل الثلث. كما تنص الصيغة على إخلاء سبيل من تجاوزت مدة توقيفه 12 عاماً من دون حكم، مع استمرار محاكمته، واعتماد تنفيذ العقوبة الأشد عند تعدد الجرائم.

غير أن النقطة الأكثر حساسية تبقى في تحديد سقف العقوبات البديلة، حيث يدور سجال حول الأرقام المقترحة، بين من يراها مرتفعة وغير عادلة، ومن يعتبرها الحد الممكن ضمن التوازنات السياسية.

وفي هذا السياق وجّهت صلح، باسم أهالي السجناء، نداءً إلى مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان للتدخل "بثقل موقعه"، لمقاربة الملف إنسانياً، والضغط باتجاه خفض العقوبات إلى 20 سنة للإعدام و 15 سنة للمؤبد، معتبرة أن أي أرقام أعلى من ذلك تعني "استمرار الظلم" بحق موقوفين أمضى كثير منهم أكثر من عقد خلف القضبان، بعضهم منذ عام  2013. كما دعت النواب السنّة إلى الحضور المكثف في جلسات اللجان، لرفع مستوى التأييد لهذا التوجه، ومنع تمرير تعديلات قد تشدد العقوبات بدل تخفيفها.

 

أزمة ثقة مفتوحة

من جهته، يرى الناشط الإعلامي وعضو لجنة أهالي السجناء في عكار، محمد المسلماني أنّ جوهر الأزمة يتجاوز المواد القانونية، ليصل إلى "أزمة ثقة عميقة" بين شريحة واسعة من السنّة والدولة. ويعتبر أن التعاطي مع ملف الموقوفين الإسلاميين "بقي للأسف محكوماً بالمقاربات الأمنية والسياسية، وحتى النكايات الطائفية"، أكثر من كونه ملفاً حقوقياً، ما راكم شعوراً بالاستهداف والتمييز.

وحذّر المسلماني من أنّ أي قانون عفو لا يعالج هذه الثغرة، أو يستثني هذه الفئة بشكل مباشر أو غير مباشر "سيُفاقم الاحتقان بدل أن يخففه"، مضيفاً أن "الناس لن تسكت على الظلم مجددّا"، في إشارة إلى احتمال عودة التحرك في الشارع في حال تجاهل هذا الملف.

بين النصوص القانونية والتجاذبات السياسية، يقف ملف العفو العام مجدداً على مفترق حساس: إما أن يشكّل فرصة لإعادة الاعتبار لمبدأ العدالة، أو يتحوّل إلى محطة جديدة في مسار الإحباط السني. فالأمر لم يعد مجرد قانون، بل اختبار لقدرة الدولة على إنصاف مواطنيها بلا انتقائية.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث