الخط الأصفر في جنوب لبنان... هدنة هشة واستنزاف مفتوح

ياسر مناعالجمعة 2026/05/01
GettyImages-2202866878.jpg
حجم الخط
مشاركة عبر

منذ إعلان الهدنة في لبنان يوم 16 نيسان/أبريل 2026، لم يظهر وقف إطلاق النار كمدخل لإنهاء الحرب، وإنما كصيغة مؤقتة لإدارة صراع مفتوح. تتحرك إسرائيل في الجنوب لمنع حزب الله من إعادة بناء مواقعه القريبة من الحدود، وتمنح المسار التفاوضي مهلة قصيرة قبل العودة المحتملة إلى قتال أوسع ونشاط عسكري أكثر كثافة. في المقابل، يربط حزب الله استمرار المواجهة ببقاء الجيش الإسرائيلي داخل لبنان ويرفض تحويل وقف النار إلى غطاء لترتيبات تُفرض عليه من الخارج.

بهذا المعنى، تجاوز المشهد سؤال توقف الحرب إلى سؤال أكثر حساسية: من يضع قواعد المرحلة التالية في لبنان؟ تسعى إسرائيل إلى تثبيت واقع ميداني جديد وفق مبدأ المناطق العازلة الواسعة. وتعمل واشنطن على بلورة المشهد ضمن سقف يخدم حساباتها الإقليمية ومفاوضاتها مع إيران. أما الحكومة اللبنانية، فتجد نفسها في مسار لا تملك أدوات القوة به.

تتحدد هذه المرحلة عبر ثلاثة مسارات متداخلة. يتمثل الأول في "الخط الأصفر" بوصفه محاولة إسرائيلية لإعادة صياغة المجال الحدودي في جنوب لبنان تحت مسمى دفاعي جديد. ويتمثل الثاني في وقف إطلاق النار وما تفرضه واشنطن من قيود على إسرائيل. ويتمثل الثالث في المأزق الميداني الذي يواجه الجيش الإسرائيلي أمام استراتيجية حزب الله، خاصة مع صعود تهديد المسيّرات الانقضاضية والمسيّرات الموجهة بالألياف البصرية.

 

الخط الأصفر ... المفهوم المركزي الجديد

يظهر "الخط الأصفر" بوصفه المفهوم المركزي الجديد في الرؤية الإسرائيلية لجنوب لبنان. وتكمن دلالته الأساسية في أن إسرائيل تنقل إلى لبنان نموذجًا سبق أن استخدمته في غزة. فقد عرضت يديعوت أحرونوت في 18 نيسان 2026 هذا التحول، موضحة أن الجيش الإسرائيلي يواصل العمل خلال وقف إطلاق النار عند "خط مضادات الدروع"، باعتباره الأداة الأهم في رؤيته الراهنة لإدارة الجبهة مع لبنان.

يمتد هذا الخط، وفق الرؤية الإسرائيلية، من منطقة الخيام شرقًا، شمال شرق المطلة ثم يمر عبر الطيبة القريبة من مجرى الليطاني وصولًا إلى بنت جبيل وينتهي في منطقة رأس البياضة. ويلامس في جزئه الشرقي نهر الليطاني ويمتد في بعض المناطق إلى نحو عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية. وداخل نطاقه توجد 55 قرية لبنانية لا يسمح الجيش الإسرائيلي لسكانها بالعودة إليها.

وتتعدد أهداف هذا الترتيب عسكريًا. فهو خط مضادات دروع وخط دفاع أمامي ونطاق يمنع التهديد المباشر لمستوطنات الشمال وحيز يعمل فيه الجيش الإسرائيلي على تدمير البنى التحتية التابعة لحزب الله. وفي تقرير يديعوت أحرونوت في 18 نيسان 2026، شرح مسؤولون في الجيش أن خطة الدفاع تقوم على ثلاثة خطوط: الخط الأحمر، ويشمل القرى القريبة من الحدود التي دُمّر معظمها. وخط مضادات الدروع، حيث يتمركز الجيش الإسرائيلي الآن. ثم خط الليطاني، الذي تقول إسرائيل إنها تسيطر عليه بالنار.

كذلك، تقدم إسرائيل هذا الحزام بوصفه أداة ميدانية لتحقيق ثلاثة أهداف مترابطة: منع إطلاق النار المباشر باتجاه مستوطنات الشمال، وإبعاد تهديد مضادات الدروع عن الحدود، وتدمير الأنفاق ومخازن السلاح والبنى العسكرية التابعة لحزب الله. لكن تصريحات رئيس الأركان إيال زامير كما نقلتها مكور ريشون في 29 نيسان 2026 تمنح هذا الخط معنى يتجاوز الإجراء العملياتي المؤقت. فقد قال خلال جولة في جنوب لبنان: "قد نُطلب بالبقاء على خط الدفاع الأمامي، ولن نغادر حتى نضمن أمن مستوطنات الشمال على المدى الطويل".

من الجدير ذكره أن ثمة تباينًا في تقدير مساحة "الخط الأصفر" وعمقه في جنوب لبنان. فوفق التقارير المحدّثة للجيش الإسرائيلي، كما نقلتها معاريف في 19 نيسان 2026، يمتد الخط الأصفر على مساحة تبلغ نحو 1,700 كيلومتر مربع في جنوب لبنان، وتمثل هذه المساحة قرابة 16% من إجمالي مساحة لبنان، بعمق يتراوح بين 7 - 10 كيلومترات من الخط الأزرق. في المقابل، ذكرت جيروزاليم بوست في 19 نيسان 2026 أن الخط الأصفر الذي يفصل الآن هذه المنطقة عن بقية لبنان يقع على بعد نحو 15 كيلومترًا من الحدود الإسرائيلية.

تكشف هذه الأرقام حجم التحول في التفكير الأمني الإسرائيلي، فالمساحة التي يمسك بها الجيش الإسرائيلي داخل لبنان تفوق بأربع إلى خمس مرات المساحة التي يمسك بها حاليًا داخل سوريا. وحتى نيسان 2026، يسيطر الجيش الإسرائيلي على ثلاثة "مجالات تأمين" مركزية خارجية وهي في غزة ولبنان وسوريا وتبلغ مساحتها التراكمية نحو 2,465 كيلومترًا مربعًا، من دون احتساب الضفة الغربية. تعكس هذه الخريطة انتقالًا من الدفاع الحدودي التقليدي إلى بناء أحزمة أمنية متقدمة.

يضع وزير المالية بتسلئيل سموتريتش هذا المسار داخل تصور أمني جديد وموسّع. ففي مقابلة مع صحيفة بشيفع اليمينية، قال إن "تصور الفيلا في الغابة انتهى"، وأضاف أن إسرائيل لا تدافع عن نفسها داخل حدودها فقط، وأنها تتجه نحو تصور أوسع بكثير. كما أشار سموتريتش إلى أنه يأمل أن تشمل التحالفات الجديدة التي ستبنيها إسرائيل مستقبلًا إقامة قواعد عسكرية إسرائيلية في دول أخرى.

 

نصف حرب

ترى إسرائيل وقف إطلاق النار في جنوب لبنان إطارًا سياسيًا لا ينهي العمل العسكري وإنما يعيد تنظيمه داخل نطاق أضيق وأكثر انضباطًا. فبعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقف إطلاق النار، واصل الجيش الإسرائيلي العمل داخل المجال الذي تسميه إسرائيل "الخط الأصفر". لذلك، يظهر وقف النار في القراءة الإسرائيلية حالة وسطى بين الحرب المفتوحة والاتفاق الهش. وقد عبّرت يديعوت أحرونوت في 26 نيسان 2026 عن هذا الوضع بعبارة "نصف حرب"، إذ يعلن المستوى السياسي وقفًا للنار، بينما يواصل الجيش الإسرائيلي في بنت جبيل وجنوب لبنان تنفيذ عمليات ميدانية تحت عنوان إزالة التهديدات.

فيما تقدم إسرائيل حرية عمل الجيش الإسرائيلي بوصفها شرطًا أساسيًا لأي وقف إطلاق نار قابل للاستمرار. في خطاب نتنياهو، تعني هذه الحرية حق الجيش في "إحباط التهديدات الفورية" و"التهديدات الآخذة في التشكل" وهي مصطلحات فضفاضة، ضمن قواعد تقول إسرائيل إنها اتفقت عليها مع الولايات المتحدة. 

إلا أن القيود الأميركية من وجهة نظر إسرائيل هي العامل الأهم الذي يمنعها من توسيع الحرب في لبنان. إذ إن واشنطن تسمح بردود محدودة وضربات "جراحية"، لكنها تضغط لمنع التصعيد وتقيّد الضربات شمال الليطاني وتدفع نحو مسار تفاوضي مع لبنان ضمن سقف زمني قصير. 

ويرى معهد مسغاف في 26 نيسان 2026 أن هذه القيود تشجع حزب الله على مواصلة القتال من دون خوف وتمنحه قدرة على تحديد المكان والتوقيت والوتيرة وصياغة الرد على إسرائيل. أما معهد دراسات الأمن القومي فيرى في تحليل نشر في 9 نيسان 2026، أن مع حزب الله بوصفه قوة تعرضت لخسائر ثقيلة لكنها لم تنهَر وما تزال قادرة على التعافي وإعادة بناء نفسها. بمعنى أن حزب الله من وجهة النظر الإسرائيلية يستغل القيود الأمريكية والهدوء النسبي لإعادة تنظيم صفوفه ومواصلة الضغط على الجيش الإسرائيلي في الجنوب.

 

المسيّرات الانقضاضية التحدي الأكبر

ترى القراءة الإسرائيلية أن حزب الله تعامل مع وقف إطلاق النار بوصفه واقعًا مؤقتًا، ويحوّل وجود الجيش الإسرائيلي داخل لبنان إلى مبرر دائم لاستمرار الهجمات. وتقوم طريقته في القتال على تعطيل المفاوضات ومنع الجيش الإسرائيلي من تثبيت سيطرته حتى "الخط الأصفر" واستغلال فترات الهدوء لإعادة التنظيم وتجهيز نفسه لجولة جديدة.

فيما تظهر المسيّرات الانقضاضية، خصوصًا المسيّرات المفخخة ومسيّرات FPV الموجهة بالألياف البصرية بوصفها الأداة الأكثر إرباكًا للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان. فهي صغيرة وصامتة وسريعة وتملك قدرة عالية على الطيران المنخفض والمناورة والوصول إلى مناطق يصعب نشر وسائل كشف ثابتة فيها. وتزيد تقنية الألياف البصرية من خطورتها؛ لأنها تمنع التشويش الإلكتروني وتخفي موقع الإطلاق وتضعف قدرة أنظمة الرصد الإسرائيلية على اكتشاف المسيّرة قبل وصولها إلى الهدف.

وفي قراءة معهد دراسات الأمن القومي بتاريخ 29 نيسان 2026، يرى أن خطورة هذه المسيرات تكمن في جمعها بين الكلفة المنخفضة، وسهولة التشغيل، ودقة التوجيه، وضعف البصمة الرادارية. لذلك، تراها إسرائيل سلاحًا ملائمًا لاستنزاف الجيش الإسرائيلي داخل المجال المفتوح والمعقد في جنوب لبنان، حيث تتداخل القرى والجبال والمناطق المكشوفة وتصبح الحركة العسكرية هدفًا محتملًا لهجوم مفاجئ.

وفي ظل غياب حلّ متعدد المنظومات من القيادة العليا في الجيش الإسرائيلي لمشكلة المسيّرات، ذكرت يديعوت أحرنوت يوم 30 نيسان 2026 أن ثمة مبادرات من الجنود في الميدان الذين يحاولون حماية أنفسهم أثناء القتال. ومن بين هذه الأفكار بناء شبكة حول الآليات بحيث تلتقط المسيّرة المفخخة وتمنع انفجارها فوق قوات الجيش الإسرائيلي.

ومن هنا يتسع الحديث في إسرائيل عن أزمة مركبة تواجه الجيش الإسرائيلي في القتال. فهو يعلن حرية عمل واسعة، لكنه يعمل ميدانيًا ضمن قيود سياسية وعملياتية ضيقة في حين تبقى بيروت والبقاع خارج دائرة الاستهداف بفعل الحسابات الأميركية. وتزيد مهمة هدم المنازل وتأمين عمل الجرافات والحفارات من انكشاف الجنود الإسرائيليين أمام المسيّرات، إذ يصف جنود في تقرير نشرته صحيفة هآرتس يوم 29 نيسان 2026  أن وقوفهم في مناطق مفتوحة لتأمين عمليات الهدم بينما تنتظر المسيّرات في الجو أو فوق أسطح المنازل.

لذلك، لا تنتج الحرب صورة نصر لإسرائيل، رغم حديث الجيش الإسرائيلي عن تدمير بنى تحتية ومخازن أسلحة وعمليات اغتيال. وهذا يرفع الكلفة السياسية على القيادة الإسرائيلية مع اقتراب موعد الانتخابات. فالواقع كما تراه القراءة الإسرائيلية يقترب من استنزاف طويل؛ حيث أن الجيش الإسرائيلي يعمل داخل نطاق مكشوف، بينما يعيد حزب الله تنظيم صفوفه ويستعد لمواصلة القتال.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث