"أجمل الأمهات التي انتظرت إبنها وعاد مستشهداً
فبكت دمعتين ووردة ولم تنزوِ في ثياب الحداد
لم تنتهِ الحرب لكنه عاد ذابلة بندقيته ويداه محايدتان
أجمل الأمهات التي عينها لا تنام تظل تراقب نجماً يحوم على جثة بالْظلام
لن نتراجع عن دمه المتقدم في الأرض لن نتراجع عن حبنا للجبال التي شربت روحه
فاكتست شجراً جارياً نحو صيف الحقول
صامدون هنا قرب هذا الدمار العظيم وفي يدنا يلمع الرعب في يدنا
في القلب غصن الوفاء النضير صامدون هنا باتجاه الجدار الأخير"
(حسن العبد الله)
من قصة نبيل، حلقة من حلقات التاريخ المنسية عن الناس والأفراد الذين كانوا هم الأساس، لكن التاريخ لا يذكرهم إلا كخسائر جانبية في رؤيا كونية، وأحيانا ماورائية. لست أدري ما الذي دفع نبيل، ذاك المراهق الظالم في وسامته لكي يتحول إلى مناضل أممي، ولكن على طريق فلسطين. فمع أنه ولد في لبنان، ماروني لبناني، رأيته يجعل من قضية فلسطين عنوان حياته المختصرة. تطوع وهو في الرابعة عشرة من عمره، ومن ثم ترك كل شيء، المدرسة والأهل والمراهقات اللواتي كن يحلمن برفقته، إلى أن أتى الخبر لأحد رفاقه بأن ينبئ عائلته بأنه "حظي بشرف الاستشهاد في سبيل فلسطين!".
ما قاله الصديق حامل النبأ: "ليس هناك ما هو أثقل من تلك اللحظة التي يُطرق فيها الباب، بيد رفيق عاد من حيث لم يعد الآخر، لا ليحمل معه قصة نجاة، بل ليحمل خبرًا ينهي حياةً في بيتٍ آخر. يقف أمام الباب مترددًا، كأن الخشبة تفصل بين عالمين لا يمكن التوفيق بينهما... هل يهنّئ أم يعزّي؟ هل يقول "مبروك" لأن الثقافة التي نشأ عليها تعلّمه أن الموت هنا "شهادة"، أم يقول "البقية بحياتكم" لأن قلبه يعرف أن ما حدث هو فقدٌ لا يُعوَّض؟ أم يقف صامتًا، لأن الكلمات نفسها لم تعد صالحة لهذه اللحظة؟ في تلك الثواني القليلة قبل أن يُفتح الباب، يمرّ العمر كله في داخله، ويرى وجه رفيقه الذي سقط، ويشعر بثقلٍ آخر لا يُقال... ثقل أنه هو بقي حيًّا في حين أن رفيقه مات. ليس النجاة هنا خلاصًا، بل عبء، عبء أن تعود وحدك، وأن تحمل في عينيك ما لم يعد الآخر قادرًا على حمله، وأن تقف أمام أهله وكأنك أنت الحدّ الفاصل بين الحياة والموت.
حين يُفتح الباب، تنكشف المأساة في نظرة واحدة... أمٌّ تقرأ الحقيقة قبل أن تُقال، وصمتٌ يسبق الكلمات لأنه يعرف أن اللغة ستخون. هنا تتكسر المفردات بين التهنئة والتعزية، بين خطابٍ يُمجّد الموت وقلبٍ يعرف أنه انكسار. وهذا المشهد الصغير، المتكرر، ليس لحظةً إنسانية فقط، بل خلاصة تاريخٍ طويل من الحلم والألم، من سرديةٍ كبرى عاشت عليها أجيال عربية كاملة بأن التضحية والصمود والصبر والإيمان بالقضية هي الطريق إلى النصر، وأن الدم، مهما سُفك، لن يضيع." (انتهى الاقتباس).
لكن ما يتكشّف اليوم، في عيني ذلك الرفيق المرتبك، هو أن هذه السردية نفسها لم تعد مستقرة. ليس لأنها كانت خالية من النبل، بل لأنها ربما لم تكن كافية لفهم الواقع. بل لعل المفارقة الأكثر قسوة هي أن ما اعتُبر مصدر قوة، وهو الاستعداد للتضحية غير المحدودة، قد يكون، في جانب منه، تحوّل إلى عنصرٍ يُغذّي استمرار الصراع بدل أن يُنهيه. فالصراع لم يكن فقط مواجهة إرادات، بل أيضًا تفاعل استراتيجيات، حيث قد يراهن طرفٌ على صبر الآخر، وعلى قدرته على تحمّل الخسائر، وعلى استمرار تعبئته الرمزية، لكي يمدّ زمن الصراع ويُعيد تشكيل الوقائع على الأرض.
من هنا ينبثق السؤال الذي لم يعد ممكنًا تأجيله وهو، هل كان الأجدى وقف هذا المسار منذ لحظاته الأولى، منذ 1948، قبل أن يتحوّل إلى بنيةٍ مغلقة يعيد فيها الألم إنتاج نفسه؟ السؤال ليس بسيطًا، ولا يمكن الإجابة عنه بنعمٍ أو لا قاطعتين، لأنه يتعلّق بقرارات اتُخذت في لحظاتٍ تاريخية مشبعة بالصدمة، وباختلالات هائلة في موازين القوى، وبوعيٍ جمعي لم يكن يرى في التراجع خيارًا أخلاقيًا أو سياسيًا ممكنًا. كان هناك شعور بأن القبول بالأمر الواقع آنذاك هو تثبيتٌ لظلمٍ تأسيسي، وأن الاستمرار في الصراع هو، بحد ذاته، شكلٌ من أشكال الحفاظ على المعنى والكرامة.
لكن الزمن لا يحفظ المعاني كما هي. فهو يُعيد اختبارها، ويكشف حدودها، ويُظهر أحيانًا أن ما كان يُعطي للحياة معنى قد يتحوّل، مع التكرار، إلى ما يستهلكها. وهنا لا يعود السؤال عن الماضي فقط، أي ماذا كان يجب أن يحدث؟ بل عن الحاضر والمستقبل بأن هل الاستمرار في النمط ذاته، بنفس أدواته ورموزه، قادرٌ على إنتاج نتيجة مختلفة؟ أم أننا، دون أن نشعر، أصبحنا داخل دائرةٍ مغلقة، حيث يُعاد إنتاج الحدث نفسه، رفيقٌ يطرق الباب، أمٌّ تفتح، حياةٌ تنتهي، وحلمٌ يتآكل؟
إن تحويل هذا السؤال إلى مجرد إدانة للماضي يُبسطه أكثر مما ينبغي، كما أن تجاهله يُبقيه مفتوحًا على تكرار المأساة. ما تفرضه اللحظة الراهنة هو نوعٌ آخر من المواجهة. هي مواجهة مع السرديات التي شكّلت وعينا، لا لنفيها، بل لفحصها، لتحديد أين كانت مُنتِجة للمعنى، وأين أصبحت تُعيد إنتاج الألم. فالتضحية، في ذاتها، ليست قيمةً مطلقة، بل ترتبط بقدرتها على فتح أفق، لا على إغلاقه. والصمود، إن لم يكن مصحوبًا بإستراتيجية تُغيّر شروط الواقع، قد يتحوّل من قوةٍ إلى استنزاف.
في هذه المرثية، لا يُراد الانتقاص من الذين سقطوا، ولا من إيمانهم، بل على العكس، يُراد استعادة إنسانيتهم من داخل خطابٍ قد يُحوّلهم إلى أدوات في حكايةٍ أكبر منهم. هؤلاء لم يكونوا مجرد رموز، بل بشرًا، وكان لكل واحدٍ منهم حياةٌ كان يمكن أن تُعاش. والرفيق الذي يقف على الباب، عاجزًا عن الكلام، هو الشاهد الأصدق على هذه الحقيقة بأن الموت، قبل أن يكون قضية، هو فقدٌ لا يُعوَّض.
لعل السؤال الحقيقي، إذًا، ليس فقط بأن هل كان يجب أن يتوقف الصراع في 1948؟ بل متى يصبح الاستمرار في المسار ذاته شكلًا من أشكال العجز عن تخيّل بديل؟ ومتى يتحوّل الوفاء للماضي إلى عائقٍ أمام إنقاذ ما تبقّى من الحاضر؟ إن الجرأة اليوم قد لا تكون في التمسّك الأعمى بالحلم، ولا في دفنه بالكامل، بل في إعادة التفكير فيه، في شروطه، في حدوده، وفي كلفته الإنسانية.
في النهاية، يبقى المشهد الأول حاضرًا... بابٌ يُطرق، ورفيقٌ يقف بين العزاء والتهنئة، وحلمٌ يتردّد بين الحياة والموت. وبين هؤلاء جميعًا، يتكثف السؤال الذي لا مفرّ منه... هل سنستمر في إنتاج اللحظة نفسها، أم سنجرؤ، أخيرًا، على كسرها؟
نحو كسر دائرة العنف: كيف يمكن للمقاربات غير العسكرية أن تُعيد تشكيل مسارات الصراع
تُظهر التجارب التاريخية أن الصراعات الممتدة لا تُنتج فقط خسائر بشرية متراكمة، بل تُعيد إنتاج شروط العنف نفسه. فكل جولة قتال تخلق روايات جديدة للثأر، وتُعمّق انعدام الثقة، وتُضعف البنى الاجتماعية والاقتصادية التي يمكن أن تحمل أي مشروع سلام. في هذا السياق، تبرز المقاربات غير العسكرية، من دبلوماسية، وبناء سلام، ومساعدات إنسانية، وتنمية اقتصادية، وإصلاح اجتماعي، ليس كبدائل أخلاقية فحسب، بل كمسارات عملية لكسر هذه الحلقة. غير أن فعاليتها لا تكمن في إلغاء الصراع، بل في إعادة تشكيله من صراع صفري إلى عملية إدارة مستدامة للخلاف.
من الناحية النظرية، يُمكن فهم هذه المقاربات ضمن أطر متعددة. يميّز يوهان غالتونغ بين "السلام السلبي" (غياب العنف المباشر) و"السلام الإيجابي" (إزالة أسباب العنف البنيوية مثل الفقر والتمييز)، ما يعني أن وقف إطلاق النار وحده لا يكفي ما لم تُعالج جذور الصراع. كما يطرح جون بول ليدراخ مفهوم "بناء السلام التحويلي"، الذي لا يكتفي بتسويات سياسية مؤقتة، بل يهدف إلى إعادة بناء العلاقات والثقة بين المجتمعات المتنازعة. في المقابل، يُبرز أمارتيا سن دور التنمية كحرية، حيث يؤدي توسيع القدرات الاقتصادية والاجتماعية للأفراد إلى تقليل دوافع العنف والانخراط في النزاعات.
في هذا الإطار، تُعدّ الدبلوماسية المسار الأكثر مباشرة لاحتواء العنف. فهي تفتح قنوات للتفاوض وتسمح بتحويل المواجهة إلى حوار، حتى وإن كان هشًا. تجربة اتفاقيات السلام في اتفاقيات أوسلو، رغم تعثرها لاحقًا، تُظهر كيف يمكن لمسار تفاوضي أن يخلق واقعًا سياسيًا جديدًا ويُخفّف من حدة المواجهة، ولو مؤقتًا. وكذلك يُبرز اتفاق الجمعة العظيمة كيف يمكن لتسوية سياسية شاملة أن تُنهي عقودًا من العنف عندما تترافق مع ترتيبات مؤسسية تضمن مشاركة مختلف الأطراف.
لكن الدبلوماسية وحدها لا تكفي إن لم تُدعّم بجهود بناء السلام على المستوى المجتمعي. فالصراعات لا تدور فقط بين دول أو جماعات سياسية، بل تتغلغل في النسيج الاجتماعي نفسه. هنا تلعب مبادرات المصالحة، والحوار بين المجتمعات، والتعليم من أجل السلام دورًا حاسمًا في تفكيك الصور النمطية وإعادة بناء الثقة. تجربة لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا تُظهر كيف يمكن للاعتراف بالانتهاكات وإشراك الضحايا في عملية العدالة أن يفتح أفقًا لتعايش جديد دون العودة إلى العنف.
أما المساعدات الإنسانية، فهي تمثل استجابة فورية لآثار الصراع، لكنها تحمل أيضًا بعدًا استراتيجيًا. فالتخفيف من معاناة المدنيين يقلل من احتمالات التجنيد في الجماعات المسلحة، ويُعيد بعض الاستقرار للمجتمعات المتضررة. غير أن فعاليتها ترتبط بمدى حيادها واستقلالها، وبقدرتها على الوصول إلى جميع الأطراف دون أن تتحول إلى أداة ضمن الصراع.
التنمية الاقتصادية بدورها تُعدّ أحد أهم الركائز طويلة الأمد لتقليل العنف. فالفقر، والبطالة، وانعدام الفرص، كلها عوامل تُغذّي الصراعات وتُسهّل استدامتها. عندما تُخلق فرص عمل، وتُبنى بنى تحتية، وتُتاح خدمات أساسية، يتراجع الحافز للانخراط في العنف. يُشير هذا إلى أن السلام ليس فقط نتيجة اتفاق سياسي، بل أيضًا نتيجة توزيع أكثر عدالة للموارد والفرص.
إلى جانب ذلك، يُعدّ الإصلاح الاجتماعي والسياسي عنصرًا حاسمًا. فغياب العدالة، أو التهميش، أو ضعف المؤسسات، كلها تُنتج بيئات قابلة للانفجار. لذلك، فإن بناء مؤسسات شاملة وشفافة، وتعزيز سيادة القانون، وتمكين المجتمع المدني، يُسهم في خلق نظام قادر على إدارة الخلافات دون اللجوء إلى العنف.
مع ذلك، لا تخلو هذه المقاربات من تحديات. فالدبلوماسية قد تُستخدم للمماطلة، وبناء السلام يحتاج إلى وقت طويل في بيئات لا تتحمل الانتظار، والمساعدات الإنسانية قد تُسيّس، والتنمية قد يُعيقها الفساد أو سوء الإدارة، والإصلاحات قد تُواجه مقاومة من النخب المستفيدة من الوضع القائم. كما أن غياب الأمن في بعض الحالات يجعل تنفيذ هذه الاستراتيجيات صعبًا دون حد أدنى من الاستقرار.
ورغم هذه التحديات، فإن البديل، أي الاعتماد المستمر على الحلول العسكرية، أثبت محدوديته في تحقيق سلام دائم. فالقوة قد تُغيّر موازين مؤقتًا، لكنها نادرًا ما تُنتج استقرارًا طويل الأمد، بل غالبًا ما تُعيد إنتاج العنف بأشكال جديدة.
إن التحول نحو مقاربات غير عسكرية لا يعني السذاجة أو تجاهل الواقع، بل يعكس فهمًا أعمق لطبيعة الصراع كظاهرة معقدة تتجاوز المواجهة المباشرة. فالسلام المستدام لا يُبنى فقط بإسكات البنادق، بل بإعادة بناء الإنسان، والمجتمع، والمؤسسات، والاقتصاد.
في النهاية، كتبت ما سبق وأنا أشعر بالمرارة على ملايين منا عاشوا في حلم تحول إلى كابوس مستدام من الخيبات والخسارة والموت المجاني، مع طلب المغفرة من رفاق ذهبوا لمجرد بقائنا بعدهم لننظر ونتفلسف بغيابهم.




