لبنان على طريق التفاوض المباشر: الخلفيات والمسارات والمخاطر

Image-1763462505
ملف لبنان وحزب الله سيستمر بالحضور في مفاوضات إسلام آباد المتعثرة أساسًا (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ينتقل لبنان وإسرائيل إلى مسار تفاوض مباشر جديد، يُعدّ الأكثر اتساعًا منذ عقود، بالتوازي مع وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة. غير أن هذا التحوّل لا يمكن قراءته بوصفه تطورًا مفاجئًا أو معزولًا، بل هو نتاج مسار تراكمي تشكّل تدريجيًا خلال الحرب الإسرائيلية الموسعة على لبنان، وتقدّمت فيه طروحات لبنانية رسمية هدفت الى إنهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان. إلا أن هذا المسار، على الرغم من تقديمه مدخلًا لإنهاء الحرب بشكل مستدام، سرعان ما أثار حساسيات داخلية واسعة وفتح الباب أمام انقسامات سياسية وشعبية حادة، بسبب ما يرتبط به من أسئلة تمسّ السيادة، واحتكار الدولة للسلاح، وحدود أوراق قوة الدولة في المفاوضات وأثر المفاوضات والضغوط الإسرائيلية على السلم الأهلي اللبناني.

 

الطريق إلى المفاوضات

بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية-فرنسية في 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، ودخوله حيّز التنفيذ في اليوم التالي، انتهت الحرب السابقة بصيغة هدنة مقرونة بالتزامات تنفيذية، لا بمجرد وقف نار سياسي. وقد نصّ الاتفاق على وقف العمليات الهجومية، وانتشار الجيش اللبناني جنوبًا وعلى المعابر، وانسحاب إسرائيلي مرحلي إلى جنوب الخط الأزرق، بالتوازي مع البدء بتنفيذ القرار 1701. وفي صلب هذا الترتيب، أُنشئت لجنة للإشراف على وقف الأعمال الحربية ("الميكانيزم")، تستضيفها قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، وترأسها الولايات المتحدة، وتضم فرنسا. وقد كُلّفت اللجنة بمراقبة الالتزامات والتحقق من وقع أي خروقات، وتلقّي بلاغات الانتهاكات من الطرفين، وتطوير إجراءات للتشاور والتفتيش وجمع المعلومات، فضلًا عن تنسيق خطة الانسحاب الإسرائيلي المرحلي وانتشار الجيش اللبناني، والعمل مع اللجنة العسكرية التقنية الخاصة بلبنان على تعزيز قدرات الجيش في تفكيك البنية العسكرية لحزب الله ومصادرة السلاح غير الشرعي.

مع مرور الوقت، ورفض إسرائيل تنفيذ الاتفاق، وربطها جميع الخطوات بنزع سلاح حزب الله (وهو ما رفضه الحزب)، اتسعت الضربات والتهديدات الإسرائيلية. ومع تصاعد مستوى هذه التهديدات، قرر رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون تكليف السفير السابق سيمون كرم ترؤس الوفد اللبناني إلى اجتماعات "الميكانيزم"، في خطوة عكست محاولة لبنانية لاحتواء التصعيد عبر رفع مستوى التمثيل داخل الآلية عينها، وفتح قناة أكثر مرونة لمعالجة القضايا العالقة بين الطرفين، من دون أن يعني ذلك الانتقال إلى مسار تفاوض سياسي مباشر وشامل؛ صحيح أن هذه الخطوة لم تُفضِ فعليًا إلى نتائج ملموسة، لكنها فتحت الباب أمام شكل جديد من التفاوض "المدني" بين لبنان وإسرائيل، وهو ما كان مرفوضًا لعقود.

سعت الدولة اللبنانية منذ بداية الحرب في موقفها الرسمي التمايز من موقف حزب الله فتح الجبهة، فتعاملت مع الحرب بوصفها مسارًا فُرض على لبنان ولم يكن محل تبنٍّ من مؤسساته الدستورية. وقد تجلّى ذلك بوضوح في قرار مجلس الوزراء الصادر في 2 آذار/مارس 2026، والذي قضى بحظر نشاطات حزب الله العسكرية والأمنية، وإلزامه تسليم سلاحه، والمباشرة بتنفيذ خطة حصر السلاح شمال نهر الليطاني، مع الاستعداد لاستئناف المفاوضات بمشاركة مدنية ورعاية دولية. وقد شدّد رئيس الحكومة نواف سلام على أن إطلاق الصواريخ والمسيّرات يشكّل خرقًا لموقف الدولة اللبنانية، وأن الحكومة لا تقبل كذلك جرّ البلاد إلى حرب أهلية. وفي السياق نفسه، طرح رئيس الجمهورية جوزاف عون، في 9 آذار/مارس 2026، مبادرة من أربع نقاط لوقف التصعيد، ارتكزت على ما يلي: أولًا، إرساء هدنة كاملة لوقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان؛ ثانيًا، المسارعة إلى تقديم الدعم اللوجستي الضروري للقوى المسلحة اللبنانية؛ ثالثًا، أن تباشر هذه القوى فورًا السيطرة على مناطق الحرب الأخيرة، ومصادرة كل سلاح فيها، ونزع سلاح حزب الله ومصادرة مخازنه ومستودعاته وفق المعلومات والمعطيات الممكن توافرها؛ رابعًا، أن يبدأ لبنان وإسرائيل، بالتزامن، مفاوضات مباشرة برعاية دولية للتوصل إلى تنفيذ تفاصيل ما سبق.

على الرغم من أن هذا الطرح هو طرح إشكالي في الداخل اللبناني ويشكل حالة غير مسبوقة في جمهورية ما بعد الطائف، غير أن إسرائيل لم تبدِ في تلك المرحلة اكتراثًا فعليًا بهذه المبادرة، بل واصلت توسيع نطاق ضرباتها وممارسة ضغوط عسكرية وسياسية، قبل أن يعود هذا المسار لاحقًا إلى الواجهة، بالتوازي مع التهدئة الإقليمية بين الولايات المتحدة وإيران.

 

انطلاق التفاوض المباشر وخلفياته

لم يتفاعل الجانب الإسرائيلي مع طرح التفاوض اللبناني إلا على وقع التغيرات الإقليمية؛ ففي 8 نيسان/أبريل 2026 أُعلن التوصل إلى وقف إطلاق نار بين الولايات المتحدة وإيران، وقدّم رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، بوصفه وسيطًا رئيسيًا، هذا التفاهم على أنه يشمل أيضًا وقف الحملة الإسرائيلية على لبنان، ذاكِرًا لبنان بالاسم في منشور له على "منصة X". غير أن إسرائيل سارعت إلى رفض ذلك، حيث أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في اليوم نفسه أن إسرائيل تؤيد تعليق الضربات على إيران أسبوعين، لكن وقف إطلاق النار هذا لا يشمل لبنان. بعد ذلك، تبنّت واشنطن هذا الموقف بوضوح؛ فقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن لبنان ليس جزءًا من اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران "بسبب حزب الله"، وأضاف أن ما يجري في لبنان هو "اشتباك منفصل"، ثم أوضح نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس أن الإيرانيين ظنّوا أن التفاهم يشمل لبنان، "لكنه لم يكن كذلك"، فيما نُقل عن المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، أن لبنان ليس جزءًا من الصفقة.

على الأرض، ترجمت إسرائيل هذا الفصل بين المسارات بتصعيد واسع النطاق. ففي 8 نيسان/أبريل شنّت إسرائيل أعنف موجة غارات على لبنان منذ بدء الحرب، طاولت العاصمة اللبنانية، بيروت، ومناطق أخرى من البلاد. وقد تسبب ذلك  بسقوط أكثر من 357 ضحية فيما وصل عدد الجرحى إلى 1223 بحسب أرقام وزارة الصحة اللبنانية.

 

في هذا السياق بالذات، فُتح باب التفاوض المباشر، لا بوصفه نتيجة تهدئة شاملة، بل مسارًا بديلًا عنها. وقد أعلن نتنياهو في 9 نيسان/أبريل أنه أعطى تعليماته لبدء "محادثات سلام في أسرع وقت ممكن" مع لبنان، محددًا أن هذه المفاوضات ستركّز على "نزع سلاح حزب الله وإقامة علاقات سلمية بين إسرائيل ولبنان". وبذلك تكون إسرائيل قد سعت، عبر التصعيد ثم طرح التفاوض، إلى تثبيت مبدأ فصل الملف اللبناني عن مسار إسلام آباد، وإخضاعه لمسار تفاوضي مستقل مدخله الأساسي سحب سلاح حزب الله. على صعيد التصور الإسرائيلي للتفاوض يظهر أن إسرائيل تريده استكمالًا سياسيًا للحرب بأهدافها نفسها. فنتنياهو لم يربط المفاوضات بوقف الحرب، بل إن إسرائيل أعلنت صراحة أنها لن توقف هجماتها على الحزب، وأنها ترى في هذه المحادثات وسيلة للوصول إلى نزع سلاحه، وانتزاع اتفاق أوسع مع لبنان. كما ارتبط ذلك ميدانيًا بسعي إسرائيل إلى فرض وقائع أمنية جديدة في الجنوب، وإنشاء منطقة عازلة وربما شرعنتها، وهو ما يجعل التفاوض - من المنظور الإسرائيلي - جزءًا من إعادة هندسة المشهد اللبناني أمنيًا وسياسيًا وحتى اجتماعيًّا، لا مجرد مسار دبلوماسي منفصل عن القوة، عمودها الأساسي فصل إيران عن لبنان تمامًا بالمفاوضات أولًا، وبالمسار السياسي بشكل أوسع.

في المقابل، تعاملت الدولة اللبنانية مع المسألة من زاوية مختلفة. فبيروت لا تريد من إيران أن تفاوض عنها، ولا أن يبقى الملف اللبناني ملحقًا بمسارات التفاوض الإقليمي، بل سعت إلى استعادة موقعها بوصفها الجهة السيادية الوحيدة المخولة بالتفاوض باسم لبنان. ولهذا دفعت الرئاسة والحكومة نحو معادلة مغايرة: وقف إطلاق النار أولًا، ثم تفاوض مباشر برعاية أميركية. وقد ظهر ذلك بوضوح في موقف الرئاسة اللبنانية الذي تحدث عن وقف لإطلاق النار يتبعه تفاوض مباشر، وفي موقف رسمي لبناني نشرته وكالة رويترز أن المطلوب هو "مسار منفصل، ولكن بالنموذج نفسه" الذي وُضع لوقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، مع حاجة لبنان إلى واشنطن وسيطًا وضامنًا. بهذا المعنى، لم يكن قبول الدولة مبدأ التفاوض تعبيرًا عن انسجام مع الرؤية الإسرائيلية، بل محاولة لانتزاع الملف من الوكالة الإقليمية وإعادته إلى مرجعية الدولة.

لقد تداخل هذا المسار مع تطور داخلي حسّاس هو الدفع باتجاه جعل بيروت مدينة منزوعة السلاح، باستعارة مفهومٍ استخدم خلال الحرب الأهلية اللبنانية في ثمانينيات القرن الماضي. فمع اشتداد الضربات الإسرائيلية على العاصمة، تصاعد خطاب داخلي يعتبر أن استعادة القرار السيادي تبدأ من حصر السلاح بيد الدولة، لا في الجنوب فقط، بل في العاصمة أيضًا. وظهر ذلك في مواقف رسمية وسياسية شددت على أمن بيروت وضبط السلاح فيها، كما أعلن جزء من نواب بيروت عن مؤتمر لإعلانها "مدينة منزوعة السلاح"، وتناول رئيس الحكومة مع نواب من بيروت طرح الوصول تدريجيًا إلى هذه الصيغة. من جهتها أعلنت الحكومة المباشرة فورًا في تعزيز سيطرة الدولة على محافظة بيروت، وحصر السلاح بيد الدولة. ففي حين اعتبرت الحكومة القرار طبيعيًّا وقد اتخذ بقرار رسمي شرعي في الحكومة ومن شأنه تحييد بيروت عن الحرب الدائرة، اعتبر معارضوها أن القرار يوحي بتبني السردية الإسرائيلية، وأنه تبرير لاستهدافها بحجة انتشار السلاح فيها.

أما على مستوى المواقف الداخلية، فقد جاء موقف حزب الله حاسمًا في رفض التفاوض المباشر. فقد دعا أمين عام حزب الله، نعيم قاسم، المسؤولين اللبنانيين إلى "وقف التنازلات المجانية" مؤكدًا أن المقاومة مستمرة، فيما أعلن النائب عن حزب الله علي فياض بوضوح أن الحزب يرفض هذا المسار، وأن على الحكومة اللبنانية أن تجعل وقف إطلاق النار شرطًا مسبقًا لأي خطوة لاحقة، مع التمسّك بانسحاب القوات الإسرائيلية وعودة النازحين أيضًا.

 

في الخط نفسه تقريبًا، رفضت حركة أمل والبيئة السياسية القريبة من رئيس مجلس النواب، نبيه بري، أي تفاوض مباشر في غياب وقف لإطلاق النار. فقد شدّد رئيس المكتب التنفيذي في حركة أمل، مصطفى الفوعاني، وفق ما نقلته الوكالة الوطنية للإعلام، على أن وقف إطلاق النار هو الشرط الأساسي لأي تفاوض، وأن "التفاوض تحت النار" أمر مرفوض وغير مبرر، ونادى بالتمسك بآلية وقف إطلاق النار القائمة منذ اتفاق تشرين الثاني/نوفمبر 2024 إطارًا تنفيذيًّا عمليًّا يجب تفعيله أولًا.

في المقابل، بدت قوى سياسية لبنانية، مثل حزب القوات اللبنانية والقوى المؤيدة للحكومة، أقرب إلى تأييد أصل التوجه الذي يعيد الملف إلى الدولة ويضع مسألة سلاح حزب الله في الواجهة، وإن لم يكن ذلك تبنيًا كاملًا للصيغة الإسرائيلية. فقد دعا رئيس حزب القوات اللبنانية، سمير جعجع، الحكومة والرئيس اللبناني إلى اتخاذ قرارات جريئة لاستعادة سلطة الدولة، وربط الخروج من المأزق اللبناني عمليًا بمسار نزع سلاح حزب الله واستعادة احتكار الدولة للسلاح. لذا، يمكن القول إن هذا المعسكر نظر إلى التفاوض من زاوية كونه فرصة لإعادة تثبيت مرجعية الدولة، لا من زاوية التطبيع بذاته.

أما من الناحية الشعبية، فقد فجّر المسار انقسامًا واضحًا في الشارع اللبناني. فمن جهة، خرجت في بيروت مسيرات ضد التفاوض المباشر. وقد شارك مؤيدو حزب الله في هذه المسيرات، ورددوا هتافات ضد الحكومة ورئيسها نواف سلام، ورُفِعَت شعارات تعتبر التفاوض تحت النار استسلامًا سياسيًا ومحاولة لإقصاء الحزب وبيئته من المعادلة اللبنانية. ومن جهة ثانية، أثارت هذه المسيرات المعارِضة للحكومة في العاصمة بيروت حالة تعاطف مع رئيسها، نواف سلام، وزادت شحن الاحتقان الطائفي.

في المحصّلة، تسعى الحكومة اللبنانية إلى إجراء مفاوضات تنهي الحرب بشكل مستدام وتثبّت بها شرعيتها الداخلية. في المقابل، قد يوحي سلوك حزب الله السابق بأنه لا يرفض التفاوض بحدّ ذاته، بل يحصره ضمن قنوات غير مباشرة ومحددة، كما حصل في مفاوضات غير مباشرة جرت سابقًا بوساطة ألمانية مع إسرائيل في سياق صفقات تبادل الأسرى. أضف إلى ذلك أنه  يرفض أي تفاوض تحت الضغط العسكري. ويرتبط موقف الحزب في عمق مسار المواجهة الأوسع المرتبط بإيران، فيما يفتح هذا التباين مجددًا الباب أمام تفلّت أمني ذي طابع طائفي مذهبي في الداخل اللبناني.

 

مسارات التفاوض والمحاذير اللبنانية

عمليًّا، لم تتوقف الحرب في لبنان، على الرغم من أن إيران كانت تؤكد أن وقف إطلاق النار في لبنان شرط لانطلاق التفاوض في إسلام آباد، وهذا ما أعلنه رئيس الوفد التفاوضي الإيراني، رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف. وبالتوازي، كانت بيروت الرسمية تُسرّب أنها لن تكون طرفًا في مفاوضات تحت النار. إلا أن هذا الشرط لم يتحقق، حيث لم يُفرض وقف شامل لإطلاق النار على الساحة اللبنانية، وانحصرت الهجمات في جنوب لبنان والبقاع الغربي. ومع ذلك، انطلقت القناتان التفاوضيتان عمليًا: القناة الإيرانية-الأميركية في إسلام آباد، والقناة اللبنانية-الإسرائيلية برعاية أميركية، حيث مُهّد للمسار اللبناني عبر اتصال بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوّض، والسفير الإسرائيلي في واشنطن، يحيئيل لايتر، الذي تبعه اجتماعان على مستوى السفراء، عُقد الأول في وزارة الخارجية الأميركية بتاريخ 14 نيسان/أبريل 2026، فيما عُقد الثاني في البيت الأبيض بتاريخ 23 نيسان/أبريل 2026.

نجحت إسرائيل في إعادة ترتيب أولوية وقف إطلاق النار في لبنان لدى مختلف الأطراف. ففي لحظة إقليمية حرجة، لم ترغب إيران في عرقلة انطلاق المفاوضات، فيما وجد لبنان الرسمي نفسه من دون أوراق ضغط كافية، واعتبر أن الانسحاب منها يعني إقفال الباب الوحيد المتاح أمامه.

إن ملف لبنان وحزب الله سيستمر بالحضور في مفاوضات إسلام آباد المتعثرة أساسًا، وسيسير بالتوازي في مفاوضات واشنطن. لكن التمسك الإسرائيلي بنزع سلاح حزب الله باعتباره بوابة رئيسية في التفاوض وتماهي الولايات المتحدة مع هذا الطرح وتمكّن إسرائيل من تحييد لبنان عن وقف إطلاق النار الإقليمي، تجعل الأخير أمام منعطفات خطرة. فمن جهة، يبرز خطر الانزلاق إلى تفاوض تحت الضغط العسكري يفرض على الدولة أثمانًا سيادية وأمنية كبيرة. ومن جهة ثانية يلوح احتمال تعثر المسار بما يفتح الباب أمام تجدد التصعيد ومحاولة فرض وقائع ميدانية أكبر. وفي موازاة ذلك، يتجه الاشتباك نحو الداخل اللبناني حول موضوع حصرية السلاح وطبيعة التفاوض، وحدود دور الدولة، وآليات الدفاع واسترداد الأرض والسيادة، وموقع حزب الله في النظام السياسي، وهي ملفات قابلة لتكريس التعطيل وتفجير الوضع الداخلي، في ظل غياب أي مؤشر على استعداد إسرائيلي لتقديم تنازلات جدية. إضافة إلى ذلك، تزداد حساسية هذه المنعطفات إذا ما قورنت بدروس المفاوضات السابقة، إقليميًا وفي تاريخ الصراع اللبناني-الإسرائيلي؛ إذ تُظهر التجارب أن التفاوض لا ينفصل عن ميزان القوى، وأن إسرائيل غالبًا ما تدخل هذه المسارات، لا بوصفها سعيًا مجردًا إلى تسوية، بل باعتبارها وسيلة لترجمة تفوقها العسكري إلى ترتيبات أمنية وسياسية طويلة الأمد. كما تُظهر تلك التجارب أن التفاوض تحت النار أو تحت وطأة الاختلال الكبير في موازين القوى يجعل الطرف الأضعف أكثر عرضة لتقديم تنازلات، ويحوّل العملية التفاوضية من مسار تسوية إلى أداة لإدارة الإكراه. وفي الحالة اللبنانية خصوصًا، تكشف الخبرة السابقة أن أي تفاوض لا يستند إلى وحدة مرجعية داخلية واضحة، وإلى تحديد دقيق للأهداف اللبنانية، وإلى آليات تنفيذ وضمانات صلبة، يبقى معرضًا لأن يتحول إلى مساحة لفرض الأجندة الإسرائيلية أو لتفجير الانقسام الداخلي. لذلك، لا يقف لبنان اليوم أمام مجرد جولة تفاوض جديدة، بل أمام اختبار مركّب يتصل بما إذا كان قادرًا على الإفادة من دروس الماضي: أي منع تحويل التفاوض إلى امتداد للحرب بوسائل سياسية، ومنع أن يصبح ملف السلاح مدخلًا لفوضى داخلية، والعمل بدلًا من ذلك على جعله، إن أمكن، أداة لوقف الحرب واستعادة الدولة لموقعها بوصفها المرجعية السيادية الوحيدة والحامي التام للبلاد.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث