سباق الأسبوعين: تفاهمٌ على التفاوض أم خطة إسرائيل "الأصلية"؟

مانشيت - المدنالخميس 2026/04/30
Image-1777562671
تعكس الحال الراهنة نقصًا حادًا في إدراك حجم الكارثة الداهمة في لبنان. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

دخلت الدولة اللبنانية مرحلة شلل قيادي، حيث أدى السجال الحاد بين بعبدا وعين التينة حول المفاوضات إلى تعطل "المطبخ السياسي" الثلاثي، تاركًا مصير البلد معلقًا بين شروط داخلية "تعجيزية" على الأرجح، وإنذارات خارجية تلوّح بالعودة إلى الخيار العسكري الشامل.

وقد عكس تعطل اللقاء الثلاثي واتساع هوة الخلاف بين الرئيسين جوزيف عون ونبيه بري عمق الأزمة البنيوية. فبينما يحاول "ثنائي بعبدا- السرايا"، عون وسلام، صياغة مخرج واقعي يجنب لبنان الأسوأ عبر التفاوض المباشر برعاية واشنطن، يتمسك رئيس المجلس بشروط تقترب من تلك التي يضعها "حزب الله"، والتي تربط أي تفاوض مباشر بالانسحاب الإسرائيلي المسبق ووقف الحرب. وهذا الشرط تراه أوساط سياسية غير واقعي لأنه لا ينطلق من المعطيات الميدانية ولا من موازين القوى التي تميل بقوة لمصلحة إسرائيل. فكيف يمكن فرض الانسحاب على طرف متمكن ميدانيًا ويستعد للتوسع في الحرب والسيطرة، سوى الجلوس إلى الطاولة ورسم الخطط للضغط عليه ديبلوماسيًا؟

وتأكيدًا، كشفت تسريبات القناة 12 الإسرائيلية عن إبلاغ تل أبيب للإدارة الأميركية بمهلة نهائية مدتها أسبوعان فقط لإنجاح المحادثات. وبعدها هي ستعود إلى "الخطة الأصلية" التي تعني بالمنطق العسكري سقوط ضوابط نهر الليطاني والعودة إلى عمليات واسعة النطاق قد لا تستثني أي منطقة لبنانية. ولذلك، يخشى أن يكون ضبط النفس الإسرائيلي الحالي شمال الليطاني مجرد "هدوء ما قبل العاصفة" بانتظار ما ستؤول إليه نتائج الضغط السياسي في واشنطن.

وتعكس الحال الراهنة نقصًا حادًا في إدراك حجم الكارثة الداهمة في لبنان. فبينما يتبادل أركان الحكم اتهامات التخوين والمسؤولية، تلتهم الجرافات والمتفجرات في الجنوب مناطق لبنانية كاملة يومًا بعد يوم. والرهان على المماطلة أو محاولة تحسين الشروط عبر رفع سقف التوقعات (أي الانسحاب قبل التفاوض) قد يرتد عكسيًا ليتحول إلى ذريعة يحتاجها نتنياهو لاستئناف الحرب وتوسيع رقعة السيطرة. وإذا لم ينجح اجتماع بعبدا المصغر بين عون وسلام في اجتراح "معجزة إقناع" لعين التينة قبل انتهاء مهلة الأسبوعين، فإن لبنان قد يجد نفسه أمام خيار وحيد: العودة إلى الحرب، ولكن هذه المرة بشروط إسرائيلية وأميركية أكثر قسوة. فهل يعكس "برود" عين التينة تجاه دعوات التفاوض مراهنة على تغيير ما في الميدان خلال الأسبوعين المقبلين، أم أنه مجرد التزام بسقف "حزب الله" الذي يرفض تقديم أي تنازل تحت الضغط؟ وما الأفق المنتظر للعلاقة بين أركان الحكم في لحظة صعبة جدًا؟

 

الجنوب تحت النار ووقف النار يتهاوى

تتواصل الحرب الإسرائيليّة على لبنان بوتيرة متصاعدة، بما يعزّز الانطباع بأنّ اتفاق وقف إطلاق النار لم يعُد قائمًا إلّا في النصوص، وأنّ إسرائيل تتعامل معه كإطار سياسيّ قابل للتجاوز كلّما اقتضت المصلحة العسكريّة. فالجنوب والبقاع يعيشان على وقع غارات متلاحقة، واستهدافات لا تميّز بين منزل، وبنية تحتيّة، وموقع ميدانيّ، فيما تتّسع رقعة الخوف من تحوّل التصعيد إلى حرب مفتوحة لا تبقى محصورة جنوب الليطاني.

وشنّ الطيران الإسرائيليّ سلسلة غارات على بلدات عدّة، من بينها باتوليه والحنية، حيث سُجّلت إصابات، فيما أُعلن سقوط 42 شهيدًا خلال 24 ساعة جرّاء الاعتداءات الإسرائيليّة، لترتفع الحصيلة منذ 2 آذار الماضي إلى 2576 شهيدًا و7962 مصابًا. وهذه الأرقام، بما تحمله من دلالات إنسانيّة وسياسيّة، تؤكّد أنّ الميدان لم يعُد مجرّد ساحة ضغط تفاوضيّ، بل صار مساحة استنزاف مفتوحة للبشر والحجر والدولة معًا.

ميدانيًّا، نفّذ جيش الاحتلال عمليّات نسف لمنازل في أحراج الطيري ورشاف، بالتزامن مع غارات استهدفت تولين والجميجمة، وقصف متواصل طاول صفد البطيخ، وزبقين، وجبال البطم، وقبريخا، وخربة سلم. وفي بنت جبيل، طاولت التفجيرات منازل وبنى تحتيّة في منطقة خلّة المشتى، فيما دمّرت غارة إسرائيليّة منزلًا تراثيًّا يزيد عمره على مئة عام في النبطيّة الفوقا، في مشهد يختصر استهداف الذاكرة كما استهداف الجغرافيا.

في المقابل، أعلن "حزب الله" عددٍ من العمليات، زهذا الردّ يثبّت معادلة الميدان المفتوح، لكنّه في الوقت نفسه يزيد تعقيد الموقف التفاوضيّ. فكلّ ضربة ترفع سقف المواجهة، وكلّ ردّ يمنح إسرائيل ذريعة إضافيّة لتوسيع عدوانها، في غياب قرار لبنانيّ موحّد يعرف كيف يحوّل الصمود إلى ورقة سياسيّة، لا إلى استنزاف مفتوح.

 

إسرائيل والتمسّك بـ"الخطّ الأصفر"

على المقلب الآخر، أجرى رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير جولة ميدانيّة في محيط بلدة الطيبة جنوبيّ لبنان، أكّد خلالها التمسّك بما يُسمّى "الخطّ الأصفر". وقال إنّ "المهمّة التي كلّفنا بها المستوى السياسيّ هي التمركز على هذا الخطّ لمنع إطلاق نار مباشر على المستوطنات. لقد حقّقنا ذلك، وهذا هو الخطّ الذي نوجد عليه". وأضاف: "قد نُطالَب بالبقاء عليه، لن نتحمّل هجمات أو إطلاق نار على مستوطناتنا، ولن نغادر حتّى يتمّ ضمان أمن مستوطنات الشمال على المدى الطويل".

كلام زامير ليس تفصيلًا عسكريًّا، بل إعلان سياسيّ ميدانيّ بأنّ إسرائيل لا ترى نفسها في موقع المنسحب قريبًا، بل في موقع من يفرض وقائع أمنيّة جديدة. والأخطر أنّه قال بوضوح إنّه "في جبهة القتال لا يوجد وقف لإطلاق النار"، بما يعني أنّ تل أبيب تتصرّف كأنّ الاتفاق مات عمليًّا، أو صار أداة لإدارة الحرب لا لإنهائها.

 

بعبدا وعين التينة: انقسام على التفاوض

في الداخل، يُتوقّع أن يزور السفير الأميركيّ ميشال عيسى قصر بعبدا، في لحظة بالغة الحساسيّة، وسط تساؤلات عمّا يحمله من رسائل من الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، وما إذا كان يحمل دعوة إلى رئيس الجمهوريّة جوزاف عون لزيارة واشنطن. وفي المقابل، سُجّل تواصل بين وزير الخارجيّة الإيرانيّ ورئيس مجلس النواب نبيه بري، أودعه خلاله المسؤول الإيرانيّ وقائع التفاوض في إسلام آباد وموقع لبنان فيها.

هكذا يجد البلد نفسه بين خطّين خارجيّين: واشنطن تضغط نحو تفاوض مباشر وسريع، وطهران تراقب موقع لبنان ضمن تفاوضها الأوسع. أمّا في الداخل، فقد فشلت المساعي لعقد اجتماع بين الرؤساء الثلاثة للاتفاق على موقف موحّد، وتحوّلت العلاقة بين بعبدا وعين التينة إلى مواجهة علنيّة، تُرجمت ببيانات متبادلة، وبخطاب سياسيّ يشي بانعدام الثقة بين الرئاسات.

 

الدولة بلا موقف موحّد

في قراءة "الثنائي"، تكمن مشكلة بعبدا في الذهاب بعيدًا في التفاوض من دون مراعاة التوازنات، ومن دون ربط المسار اللبنانيّ بالمفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. أمّا في قراءة بعبدا، فإنّ الانتظار ترف قاتل، وإنّ إنقاذ لبنان من حرب أشمل يفرض الدخول في مسار تفاوضيّ مباشر، ولو كان مكلفًا سياسيًّا.

بين القراءتين، يغيب موقف الدولة. فالبلد يستعدّ للتفاوض على ميدان لا يملك قراره كاملًا، وعلى حدود تشتعل يوميًّا، وعلى وقف نار لا تصونه ضمانات كافية. والخطر الأكبر أنّ زيارة محتملة لعون إلى واشنطن، إذا حصلت من دون توافق داخليّ أو أوراق قوّة، قد تتحوّل إلى عبء سياسيّ بدل أن تكون فرصة إنقاذ.

 

القضاء جبهة إضافيّة في لحظة الانهيار

وسط هذا المشهد، أعادت زيارة رئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي سهيل عبود، إلى رئيس الجمهوريّة خلط الأوراق في ملفّ تعيين المدّعي العام التمييزيّ، قبل ساعات من جلسة مجلس الوزراء. فقد برزت اعتراضات قضائيّة وسياسيّة على ما تردّد عن توافق بين عون ورئيس الحكومة نواف سلام على تعيين القاضي أحمد رامي الحاج خلفًا للقاضي جمال الحجار.

وتشير معلومات "المدن" إلى أنّ عبود أبلغ عون اعتراض مجلس القضاء الأعلى على آليّة التعيين، فيما لوّح بعض القضاة بالاستقالة إذا لم تُحترم معايير الأقدميّة والتسلسل الهرميّ والدرجة الأعلى. كذلك، دخل نادي القضاة على خطّ الاعتراض، معتبرًا أنّ ما يجري يثبت مجدّدًا مساوئ التعيين بالمحاصصة وتقاسم الغنائم، داعيًا إلى انتخاب أعضاء مجلس القضاء الأعلى، ومن ضمنهم مدّعي عام التمييز، من القضاة أنفسهم.

 

لبنان اليوم أمام مفترق سورياليّ: حرب تتمدّد في الجنوب، تفاوض يتعثّر في الداخل، رئاسات تتخاصم، وقضاء يرفع الصوت في وجه التدخّل السياسيّ. وما لم تُنتج السلطة موقفًا وطنيًّا موحّدًا، فإنّ البلد سيدخل المرحلة المقبلة عاريًا من كلّ عناصر القوّة: لا هدنة ثابتة، لا جبهة داخليّة متماسكة، ولا رؤية تفاوضيّة واضحة.

الوقت يضيق. وإسرائيل تلوّح بالحرب الأوسع، وواشنطن تضغط، وطهران تفاوض، ولبنان ينقسم على نفسه. وفي السياسة كما في الحرب، أخطر ما قد يواجهه بلد صغير ومحاصر، أن يذهب إلى الطاولة متأخّرًا، وأن يصل إليها منقسمًا، وأن يكتشف أنّ الآخرين رسموا له حدود الخسارة قبل أن يبدأ هو بصوغ شروط النجاة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث