للأسف، يمرّ لبنان اليوم بأحد أعمق وأخطر النقاشات السياسية في تاريخه الحديث.
ففي وقتٍ تتصاعد الحرب في الإقليم، ينقسم اللبنانيون حول مسار التعامل مع إسرائيل: فريق يدعو إلى السلام، وآخر يطرح هدنة، وثالث يكتفي بالمفاوضات غير المباشرة لاستعادة الأرض والأسرى.
لكن الأخطر من هذا الانقسام هو أن كل فريق بات يستند إلى قوى خارجية لفرض خياره، سواء كان مقتنعاً به بالكامل أم لا. وهنا يكمن الخطر الحقيقي على الكيان اللبناني.
البيئة السنية، التي عايشت تاريخ القضية الفلسطينية منذ نكبتها، وما شهدته من دمار وسقوط عشرات آلاف الضحايا، إلى جانب استمرار الاحتلال وتوسّعه، وما رافقه من اجتياح بيروت في العام 1982، لا تثق بنيّات إسرائيل، خاصة في ظل قيادتها الحالية المتطرفة. لكنها في الوقت نفسه تجد نفسها في موقع حرج بين قناعاتها وواقع إقليمي تغيّر بعد الاتفاقيات الإبراهيمية ومسار التطبيع في الخليج، فتختار في كثير من الأحيان الصمت أو التريّث.
أما البيئة الشيعية، فموقف جزءٍ منها أكثر حدّة، انطلاقاً من تجربة مباشرة مع الاحتلال في الجنوب، ومن واقع صراع طويل لم ينتهِ فعلياً رغم تحرير العام 2000، بل استمر بأشكال مختلفة حتى اليوم. هذا المسار، المدعوم من إيران عسكرياً واجتماعياً واقتصادياً، خلق منظومة دعم متكاملة ذات امتدادات خارجية في ظل غياب الدولة، ما يجعل فكرة السلام أو حتى التفاوض المباشر أمراً مقلقاً بالنسبة لها، ليس فقط لأسباب وجودية، بل أيضاً لاعتبارات مرتبطة بعلاقتها العضوية مع إيران.
في المقابل، يعتمد جزء من البيئة المسيحية مقاربة مختلفة. فهذه المناطق لم تختبر الاحتلال المباشر كما الجنوب، لكنها تُعدّ من الأكثر حضوراً في الاقتصاد اللبناني، وقد تأثرت بشكل كبير بالحروب المتكررة وانعكاساتها على الاستقرار والأعمال، إضافة إلى الخسائر والهجرة المتزايدة. ومع هذا الواقع، برزت لدى بعض الأوساط قناعة بأن الاستقرار قد يكون ممكناً عبر تسوية أو حتى سلام، في ظل خطاب إعلامي وضغط خارجي منظّم، مدعوم من لوبيات غربية وإسرائيلية، يدفع في هذا الاتجاه، متجاهلاً إلى حد كبير تاريخ الصراع وتعقيداته، بما فيها معاناة الفلسطينيين، ولا سيما المسيحيين منهم الذين تراجع حضورهم بشكل كبير في القدس، وما يُعرف بعرب الـ48.
هذا التباين الحاد بين المكونات اللبنانية، إذا استمر بهذا الشكل، يهدد ليس فقط الاستقرار، بل وجود لبنان نفسه. فلبنان لا يمكن أن يُبنى على غلبة فريق على آخر، ولا على فرض خيارات مصيرية بقوة الخارج. ومشكلتنا أننا لا نتعلّم؛ فكلما تغيّر ميزان القوى إقليمياً أو دولياً، نسارع إلى عكسه داخلياً بمزيد من التشدّد، ونتجاهل أولوياتنا الوطنية.
المخرج لا يكون بالتصعيد، بل بالحكمة.
الخطوة الواقعية اليوم قد تكون العودة إلى هدنة طويلة الأمد، على غرار تفاهم 1949، تؤمّن حماية الحدود وتخفّف التوتر، وتمنح كل مكوّن لبناني مساحة من الطمأنينة:
* تطمئن المسيحيين من جهة الاستقرار والأمن.
* تريح السنة من ضغط اتخاذ موقف يتناقض مع قناعاتهم.
* وتمنح الشيعة ضمانة بعدم العودة إلى الاحتلال أو التهديد المباشر.
أما السلام الشامل، فلا يمكن أن يكون قراراً متسرعاً أو مفروضاً، بل مساراً طويل الأمد، يرتكز على شروط أساسية: وقف الاعتداءات، استعادة الأراضي والأسرى، ترسيم نهائي للحدود خلال فترة الهدنة، والأهم أن يأتي ضمن إطار عربي جامع، وفي مقدّمته مبادرة قمة بيروت للسلام برعاية المملكة العربية السعودية، القائمة على مبدأ الأرض مقابل السلام، ومعالجة قضية اللاجئين الفلسطينيين وحق عودتهم بما يحفظ استقرار لبنان وهويته.
كما أن لبنان، بموارده المحدودة، لا يملك ما يقدّمه منفرداً في هذا المسار، ما يجعل الاتفاق العربي الشامل، ولا سيما بدعم دول الخليج، عاملاً أساسياً في تحقيق توازن حقيقي، خاصة إذا ارتبط باستعادة الأرض وعودة اللاجئين.
في النهاية، لبنان اليوم أمام مفترق طرق حقيقي: إما أن ينزلق أكثر في لعبة المحاور، أو أن يختار طريق العقل والحكمة.
فلا سلام يُفرض، ولا مقاومة تُحتكر، ولا دولة تُبنى إلا بتوافق أبنائها.



