قالها الرّئيس جوزاف عون اليوم بوضوح: ننتظر من الولايات المتّحدة أن تحدّد موعدًا لبدء المفاوضات. وهذا الكلام يختصر حجم رهان السّلطة التّنفيذيّة على إنهاء مأزق الجنوب عبر الطّرق الدّبلوماسيّة. ولم تتبلور بعد طبيعة المفاوضات المقصودة، والتي يُرجَّح أن يترجمها لقاء يعقده عون وبنيامين نتنياهو في ضيافة الرّئيس دونالد ترامب، علمًا أنّ أخبارًا جرى تسريبها في الإعلام الإسرائيليّ اليوم عن لقاء سيعقده نتنياهو مع ترامب في واشنطن الأسبوع المقبل. لكنّ مكتب رئيس الوزراء الإسرائيليّ أكّد أنّ لا مواعيد له مقرّرة في واشنطن الأسبوع المقبل.
في المقابل، صدر عن المكتب الإعلاميّ لرئيس مجلس النّوّاب نبيه برّي ما يلي: "مع الاحترام لمقام الرّئاسة وما يصدر عن فخامة الرّئيس، إلّا أنّ الكلام الذي ورد على لسان فخامة رئيس الجمهوريّة أمام الهيئات الاقتصاديّة غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك، وكذلك بالنّسبة إلى اتّفاق تشرين الثّاني عام 2024 وموضوع المفاوضات".
وهكذا، وصل "الطّلاق" بين "منطق الدّولة" و"منطق المقاومة" إلى ذروته عبر "خطب التّخوين" المتبادلة. وهذا الاشتباك يُضعف الموقف اللّبنانيّ المفاوض ويشلّ قدرة الدّولة على اتّخاذ أيّ قرار حسم حقيقيّ، ما يدفعها إلى التهرّب من الإجابة عن سؤال نزع السّلاح، وهو ما يُعطي إسرائيل الذّريعة للاستمرار في عمليّاتها، ويجعل من لبنان الرّسميّ مفاوضًا بلا أوراق على الطّاولة.
وفي هذا الخضمّ، يبدو لبنان محاصرًا بفائض من التّهديد الميدانيّ مقابل نقص حادّ في المبادرة السّياسيّة. فالمشهد في الجنوب لا يشبه الهدنة إلّا بالاسم. وتُظهر الوقائع الميدانيّة أنّ تل أبيب انتقلت من "إدارة الاشتباك" إلى استراتيجيّة "فرض الواقع الجغرافيّ" بالبارود، مستغلّةً الانقسام اللّبنانيّ العموديّ لتمرير ترتيبات أمنيّة قد لا ترتقي إلى مرتبة الاتّفاقات السّياسيّة، لكنّها ترسم مستقبلًا غامضًا لمصير لبنان وسيادته.
وجاءت اليوم تهديدات وزير الأمن الإسرائيليّ إسرائيل كاتس بمعاملة الجنوب كقطاع غزّة انعكاسًا لمنطق "التّدمير البنيويّ" الذي تشهده القرى الجنوبيّة حاليًّا. فإسرائيل تنفّذ الآن اتّفاقًا استنسابيًّا، ومن طرف واحد، عبر توسيع المنطقة العازلة من خلال عمليّات التّفجير الواسعة ونسف المنازل، ما يحوّل "الخطّ الأصفر" إلى واقع لا رجعة عنه، بحيث يصبح أيّ انسحاب مستقبليّ للجيش الإسرائيليّ انسحابًا من أرض محروقة غير قابلة للسّكن.
وكذلك تحاول إسرائيل الالتفاف على الضّغوط الدّوليّة، إذ تتحدّث القناة 12 عن "قيود واشنطن" على حركة الجيش الإسرائيليّ، أي إنّها توظّف هذه القيود لتكثيف الضّربات في لبنان والنّسف المنهجيّ تحت شعار "الدّفاع الاستباقيّ"، وهي معادلة تمنحها الهامش في التّدمير مع تجنّب الاصطدام الكلّيّ مع إدارة ترامب.
ويقف لبنان أمام حقيقة مؤلمة، وهي أنّ إسرائيل تراهن على عجز الدّولة لتبرير بقائها وتوسيع ضرباتها، بينما يراهن حزب الله على الصّمود الميدانيّ لتعطيل المسار السّياسيّ. وفي المسافة بين الرّهانين، يتمّ محو معالم الجنوب وتشريد أهله.
الرّئاسة ترفع سقف الدّولة
في المضمون السّياسيّ لكلامه، وضع رئيس الجمهوريّة جوزاف عون مسار التّفاوض في صلب المقاربة اللّبنانيّة للمرحلة الرّاهنة، مؤكدًا أنّ حماية الحدود لا تتحقّق بالتّصعيد ولا بالانتهاكات، بل بوجود الدّولة اللّبنانيّة بكامل قوّتها في الجنوب، وبالانتقال إلى مفاوضات تسبقها خطوة أساسيّة تتمثّل في تنفيذ إسرائيل وقف إطلاق النّار كاملًا.
كلام عون أمام وفد الهيئات الاقتصاديّة لم يكن تفصيلًا عابرًا في سجلّ المواقف الرّسميّة. فقد جاء في لحظة تتزايد فيها الأسئلة حول البيان الأميركيّ الصّادر عقب المحادثات الثّلاثيّة في واشنطن، وما إذا كان قد منح إسرائيل هامشًا لاستكمال اعتداءاتها على لبنان، أو أقرّ ضمنيًّا بحقّها في الحركة العسكريّة تحت عنوان منع التّهديدات.
عون حاول قطع الطّريق على هذا التّفسير. فأكّد أنّ كلّ خطوة اتُّخذت في ما يتعلّق بالمفاوضات جرت "بتنسيق وتشاور مع رئيسَي مجلس النّوّاب والحكومة، على عكس ما يُحكى في الإعلام". بهذا المعنى، أراد رئيس الجمهوريّة أن يقول إنّ الرّئاسة لا تعمل خارج المؤسّسات، وإنّ أيّ مسار تفاوضيّ لا يُدار بوصفه مغامرة فرديّة، بل باعتباره خيارًا رسميًّا يفترض أن يحظى بغطاء الدّولة كلّها.
البيان الأميركيّ بين التّفسير والاتّهام
وردًّا على الانتقادات التي تحدّثت عن موافقة لبنان، من خلال البيان الأميركيّ، على منح إسرائيل حرّيّة استكمال اعتداءاتها، قال عون إنّ "هذا الكلام ورد في بيان صدر عن وزارة الخارجيّة الأميركيّة، وهو النّصّ نفسه الذي اعتُمد في تشرين الثّاني 2024، ووافق عليه جميع الأطراف في حينه، وهو بيان وليس اتّفاقًا، لأنّ الاتّفاق يتمّ بعد انتهاء المفاوضات".
هذه العبارة تختصر جوهر الاشتباك الحاليّ. فالرّئاسة تتعامل مع البيان الأميركيّ كوثيقة تمهيديّة لا تُنتج التزامًا نهائيًّا، فيما يتعامل خصوم هذا المسار معه كنافذة خطرة يمكن أن تُستخدم لتبرير اعتداءات إسرائيل. وبين القراءتين، تتّسع الهوّة بين منطق يرى في التّفاوض ضرورة لإنقاذ الجنوب، ومنطق يخشى أن يتحوّل التّفاوض إلى تنازل مقنّع تحت ضغط النّار.
وبذلك، سعى رئيس الجمهوريّة إلى الفصل بين البيان السّياسيّ التّمهيديّ وبين أيّ التزام تفاوضيّ نهائيّ، واضعًا سقفًا واضحًا للموقف اللّبنانيّ يقوم على أنّ أيّ اتّفاق لا يمكن أن يسبق انتهاء المفاوضات وتبلور نتائجها.
المفاوضات خيار الدّولة لا خيار الضّعف
شدّد عون على أنّ لبنان يبذل "كلّ جهد ممكن للوصول إلى حلّ للوضع الرّاهن بعيدًا عن العنف والدّماء"، معتبرًا أنّ هذا الحلّ "يتحقّق بالمفاوضات". ولم يكن هذا الكلام مجرّد إعلان نوايا، بل محاولة لصوغ معادلة سياسيّة جديدة تقول إنّ الدّولة لا تتخلّى عن حقّها في حماية الحدود حين تفاوض، بل تستعيد هذا الحقّ من منطق السّاحات المفتوحة.
وفي مقاربته للأمن على الحدود، قال عون إنّ إسرائيل "إذا اعتقدت أنّها، من خلال الانتهاكات وتدمير القرى الحدوديّة، بإمكانها الحصول على الأمن، فهي مخطئة، لأنّها جرّبت ذلك سابقًا ولم يؤدِّ ذلك إلى نتيجة". وأضاف أنّ "الأمر الوحيد الذي يمكن أن يحمي الحدود هو أن تكون الدّولة اللّبنانيّة بكامل قوّتها موجودة في كامل الجنوب، وصولًا إلى الحدود الدّوليّة".
هذا الكلام يلامس جوهر الأزمة اللّبنانيّة. فالأمن، وفق منطق الرّئاسة، لا تصنعه مناطق الفراغ، ولا السّلاح خارج القرار المركزيّ، ولا الضّربات الإسرائيليّة المتكرّرة، بل تصنعه دولة قادرة على الانتشار، التّفاوض، الرّدع الدّبلوماسيّ، وضبط الحدود باسم الشّرعيّة وحدها.
وقف النّار مدخل إلزاميّ
ربط عون أيّ انتقال جدّيّ إلى مسار تفاوضيّ بتنفيذ إسرائيل وقف إطلاق النّار بصورة كاملة، قائلًا إنّ "على إسرائيل أن تُدرك بشكل نهائيّ أنّ الطّريق الوحيد للأمن هو عبر المفاوضات، لكن عليها أوّلًا تنفيذ وقف إطلاق النّار بشكل كامل، للانتقال بعد ذلك إلى المفاوضات".
وهنا تكمن العقدة العمليّة. فلبنان يريد وقف النّار قبل التّفاوض، وإسرائيل تستخدم النّار لتحسين شروط التّفاوض. وبين الأمرين، تتحوّل القرى الحدوديّة إلى ساحة ضغط، وتصبح حياة المدنيّين جزءًا من لعبة فرض الشّروط.
وأشار عون إلى أنّ استمرار الاعتداءات بعد إعلان وقف إطلاق النّار لا يمكن أن يُعدّ أمرًا مقبولًا، لافتًا إلى أنّ لبنان يواجه صعوبات كثيرة لتحقيق الاستقرار، ويعمل "قدر المستطاع للتّخفيف من تبعات الاعتداءات العسكريّة على لبنان"، عبر اتّصالات مكثّفة تجري في هذا الإطار.
برّي يردّ: وحدة الموقف تتصدّع
لكنّ ردّ عين التّينة جاء ليكشف أنّ المشكلة ليست فقط مع إسرائيل، بل داخل البيت اللّبنانيّ نفسه. فبيان المكتب الإعلاميّ لرئيس مجلس النّوّاب نبيه برّي، وإن حافظ على احترام المقام الرّئاسيّ، حمل اعتراضًا واضحًا على مضمون كلام عون، وخصوصًا في ما يتعلّق باتّفاق تشرين الثّاني 2024 وموضوع المفاوضات.
هذا الرّدّ يضع لبنان أمام مشهد شديد الحساسيّة. فإذا كانت الرّئاسة تقول إنّ هناك تنسيقًا مع رئيسَي المجلس والحكومة، فإنّ ردّ برّي يوحي بأنّ هذا التّنسيق لا يعني بالضّرورة وحدة في التّفسير أو في السّقف أو في وجهة المسار. والأخطر أنّ التّباين يخرج إلى العلن في لحظة تحتاج فيها الدّولة إلى خطاب واحد أمام الخارج، لا إلى رسائل متضاربة تمنح الخصوم فرصة الاستثمار في الانقسام.
إسرائيل والقيود الأميركيّة
على الضفّة الإسرائيليّة، لا يبدو المشهد أقلّ التباسًا. فقد نقل موقع "والا" العبريّ عن وزير الزّراعة وعضو المجلس الوزاريّ الأمنيّ المصغّر، آفي ديختر، قوله إنّ حرّيّة عمل إسرائيل في لبنان مقيّدة باعتبارات أميركيّة، في إقرار يناقض ما يعلنه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن "حرّيّة عمل كاملة".
وأوضح ديختر أنّ "المستوى الأميركيّ ربط المسألة اللّبنانيّة بالمسألة الإيرانيّة"، مشيرًا إلى أنّ إسرائيل لا تستطيع العمل بشكل مستقلّ في لبنان بمعزل عن هذا الرّبط. وقال: "نحن مقيّدون في لبنان بسبب شريكنا الأميركيّ. لا يمكننا أن نكون على خلاف مع دولة بحجم الولايات المتّحدة ونقول لها: في إيران لا بأس، أمّا في لبنان فسنعمل بشكل مستقلّ. هذا ليس ما يحدث".
هذا الكلام يكشف أنّ لبنان تحوّل إلى جزء من لوحة أوسع، لا تُقرأ فقط من بوابة حدوده الجنوبيّة، بل من بوابة إيران وغزّة وحسابات واشنطن في المنطقة. وإذا كان ديختر يعتبر هذه القيود "ضرورة استراتيجيّة"، فإنّ إسرائيل، في المقابل، تحاول تعويض القيود السّياسيّة بتوسيع هامش التّدمير الميدانيّ.
جنوب يُمحى وسكان يُهجّرون
تتحدّث صحيفة "معاريف" العبريّة عن مصدر عسكريّ إسرائيليّ يرى أنّ الوضع في لبنان "لا يمكن أن يستمرّ لفترة طويلة إضافيّة"، وأنّ هناك عمليّة سياسيّة يقودها ترامب، تقوم على تحرّك ثلاثيّ تُدار فيه مفاوضات متوازية أمام إيران، وأمام لبنان، وفي غزّة أمام حماس، وفي كلّ ساحة يتعرّض الطرف الآخر لضربات.
في القراءة الإسرائيليّة، يشكّل تدمير المنازل في القرى والبلدات الجنوبيّة وسيلة ضغط كبرى على حزب الله وبيئته. غير أنّ هذه القراءة، مهما حاولت تغليف نفسها بمنطق عسكريّ، تعني عمليًّا تحويل المدنيّين إلى رهائن، وتحويل العمران إلى ورقة تفاوضيّة، وتحويل الجنوب إلى مساحة عقاب جماعيّ.
وفي الميدان، يتواصل العدوان الإسرائيليّ على لبنان، مخلّفًا عشرات الشّهداء. عائلات بأكملها تُستشهد في الجنوب بفعل الاعتداءات العنيفة. وقد أدّت الغارة الإسرائيليّة التي استهدفت بلدة الحنيّة إلى استشهاد أفراد عائلة شوقي المؤلّفة من ثلاثة أشخاص، هم الوالد والوالدة وابنهما. أمّا في بلدة جويا، فتتواصل أعمال رفع الأنقاض، وتمكّنت فرق الإسعاف من انتشال شهيدتَين، فيما يجري البحث عن أربعة أشخاص آخرين.
لا يقف لبنان أمام مفاوضات عاديّة، بل أمام امتحان وجوديّ لمعنى الدّولة. فالرّئاسة تريد تحويل الضّغط الدّوليّ إلى فرصة تفاوضيّة، وعين التّينة تتحفّظ على دقّة المسار وسقوفه، وحزب الله يقرأ أيّ تفاوض مباشر بوصفه احتمالًا لانتزاع ورقة السّلاح من يده، فيما إسرائيل تستثمر في الانقسام لتكريس وقائع عسكريّة على الأرض.
الأزمة هنا ليست في موعد المفاوضات وحده، بل في سؤال من يفاوض باسم لبنان، وبأيّ أوراق، وعلى أيّ قاعدة. فإذا دخل لبنان إلى الطّاولة منقسمًا، فإنّه سيمنح إسرائيل ما تريده من دون ثمن. وإذا بقي خارج الطّاولة، فإنّ الجنوب سيظلّ يدفع الكلفة من دمه وبيوته وناسه.
بين "منطق الدّولة" و"منطق المقاومة" لم يعد الخلاف نظريًّا. لقد صار خلافًا على مصير الحدود، وعلى شكل السّلطة، وعلى قدرة لبنان على أن يقول للعالم إنّه دولة واحدة لا ساحات متعدّدة. أمّا الجنوب، فهو لا ينتظر البلاغات ولا التّفسيرات، بل ينتظر وقف النّار، وعودة أهله، وقرارًا لبنانيًّا واحدًا يضع نهاية لهذا النّزف المفتوح.
ِ




