بين الدستور والتجاذب السياسي: المجلس الشرعي يعيد ضبط البوصلة

طارق الحجيريالأربعاء 2026/04/29
Image-1777386619
حجم الخط
مشاركة عبر

في لحظة لبنانية مشحونة بالتأويلات والتناقضات، ووسط صراع مفتوح على الصلاحيات، جاء بيان المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى حاسمًا وواضحًا، ليعيد تثبيت مرجعية الدولة بدل الالتفاف عليها.

أثار البيان نقاشًا واسعًا وتباينت حوله المواقف، إلا أنه حظي بإشادة واضحة من مفتي البقاع الدكتور علي الغزاوي، الذي اعتبر أن ما صدر "ليس مجرّد موقف عابر، بل محاولة لوضع حدّ للإسفاف في الخطاب السياسي اللبناني"، ودعوة صريحة لوقف التخوين والتطاول على موقعي رئاسة الجمهورية والحكومة تحت ذرائع ملتبسة.

الغزاوي شدّد في حديثه لـ"المدن" على أنّ المجلس لم يفعل سوى تأكيد البديهي "الدستور اللبناني هو المرجعية الحصرية لعمل السلطات"، وقد منح هذا الدستور رئيس الجمهورية صلاحية تولّي المفاوضات في عقد المعاهدات والاتفاقات الدولية بالاتفاق مع رئيس الحكومة، استنادًا إلى المادة 52 من الدستور. وهي صلاحية تمارس ضمن الأطر الدستورية والمؤسساتية، لا خارجها. وبذلك يصبح أي نقاش في الصلاحيات بلا قيمة إذا تمّ فصله عن النص الدستوري الواضح".

وختم الغزاوي "نحن مع تطبيق الدستور وحفظ المؤسسات الشرعية"، في رؤية تعيد الاعتبار لمنطق الدولة، وتفصل بين السيادة الدستورية ومنطق المحاور.

 

معارضة.. بنَفَس إقليمي

بيان المجلس لم يمرّ من دون اعتراض. النائب جهاد الصمد اختار التموضع خارج هذا السياق، رابطًا موقفه بشعار "فلسطين هي البوصلة"، ومُسقطًا صراعات الإقليم والدور الإيراني تحديدًا على النقاشات الداخلية.

وجاء كلام جهاد الصمد بنبرة حادة ولغة  تصعيدية "المفتي لا يمثلني ولا المجلس الشرعي ولا من يؤيد أميركا" فبدا كأنه تكريس للانقسام التقليدي: بين من يربط لبنان بمحاور الخارج، ومن يتمسّك بدولة سيّدة مرجعها الدستور لا الاصطفافات.

في المقابل، برز موقف النائب عبد العزيز الصمد المؤيد للبيان "بمضمونه وكامل حروفه وتفاصيله"، حيث لم يكتفِ بالدعم، بل دافع عن موقع مفتي الجمهورية، رافضًا أي محاولة للمساس به، معتبرًا أنّ "من يهاجم سماحة المفتي عليه مراجعة حساباته وهويته". وهو موقف يعكس إدراكًا لحساسية استهداف المرجعيات، في لحظة يعاد فيها خلط التوازنات السياسية.

أما النائب وضاح الصادق، فانضم إلى دائرة التأييد، معتبرًا أن بيان المجلس يشكّل "خطوة ضرورية لإعادة النقاش إلى إطاره الدستوري"، بعيدًا عن الشعبوية والانفعالات السياسية لافتًا إلى أنّ توقيته "تأخر بعض الشيء "كان يجب أن يصدر قبل مدة".

 

الدولة.. أو الفوضى

ما تكشفه هذه السجالات لا يُختصَر بخلافٍ على تفسير النصوص، بل يعكس صراعًا أعمق على هوية الدولة. فهل هي دولة مؤسسات طبيعية يحكمها الدستور، أم ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية؟ وبيان المجلس الشرعي حسم خياره بوضوح إلى جانب الدولة.

 لكن المشكلة في لبنان لم تكن يومًا في النصوص، بل في الالتزام بها. فالدولة التي تُستباح صلاحياتها عند كل استحقاق، لا ينقصها بيانات، بل إرادة سياسية تُترجم النص إلى ممارسة. ومن هنا، فإن الدفاع عن المواقع الدستورية ليس تفصيلًا طائفيًا، بل جزء من حماية التوازن الدستوري نفسه.

في لحظة مفصلية، أعاد بيان المجلس الشرعي فتح نقاش ضروري، وبذات الوقت وضع الجميع أمام اختبار صريح: إما دولة تُحكَم بالدستور، أو كيان هشّ تُديره الولاءات الخارجية. وهذا الخيار ليس ترفًا سياسيًا، بل حقيقة وجودية.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث