فرز سياسي وثقافي أحدثته حرب غزة يكشف تحولات عميقة في خطاب اليسار اللبناني بين إرثه التاريخي وانزلاق بعضه نحو مقاربات ليبرالية مبسّطة.
طرحت تداعيات السابع من أكتوبر العام 2023 "قضية فلسطين" كبند مهم ومحفّز للعقل النقدي لدى جيل واسع من الشباب في العديد من دول العالم الذين بدأوا يتلمسون معاني لم تكن معروفة. وتولى طلبة العلوم الإنسانية الريادة في هذا الجانب، إذ وجدوا أنفسهم أمام مسألة تقع في صميم روحية هذه العلوم وفلسفتها، وهي ضرورة كشف الكوامن المخفية التي لا تظهر مباشرة للعيان، ولا تبدو على السطح الخارجي للظواهر الاجتماعية؛ ذلكَ خلافاً للوعي الشائع الذي يكتفي معه الأفراد العاديّون بإدراك ما هو معلن ومتداول.
وسرعان ما تحوّلت هذه القضية إلى قضية فرز سياسي بدأت تتمظهر في الحراك الطالبي، والانتخابات، والمؤتمرات، وغيرها من الفعاليات التي بدأت تستحضر مسائل هامة مثل القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني ومحاكمة مجرمي الحرب، والتحذير من خطورة استبدال الشرعية الدولية المبنية على الحقوق بالسعي القائم على القوة وشن الحروب والسيطرة على ثروات الشعوب. وشكّلت الولايات المتحدة والدول الأوروبية ميدان هذا النشاط، مع شبه غياب تام في البلدان العربية ولبنان ضمناً.
هل فقد اليسار بوصلته؟
من نقد الممانعة إلى تبنّي سرديات خصومها، كيف أعادت تداعيات السابع من أكتوبر رسم تموضع جزء من اليسار وأربكت بوصلته التاريخية؟
التفاعل اللبناني الملحوظ والأبرز مع حدث السابع من أكتوبر لم يتأخر أكثر من أربع وعشرين ساعة، وتجلّى في إقدام حزب الله على دخول حرب إسناد لغزّة، لا نزال نشهد مفاعيلها العملية حتى اليوم. وغابت في المقابل أي تحركات جادة أو طروحات تحاول أن تضيف قراءة جديدة لما يحصل.
ويهمنا هنا الإضاءة على ما شكلته هذه الحرب من فرز لدى اليسار اللبناني، خصوصاً أن اليسار قد تولى النسخة الأولى من المقاومة اللبنانية ضد إسرائيل، والتي آل كل تراثها إلى حزب الله منذ أواخر ثمانينات القرن الماضي، وتميّز بامتلاك أدوات تحليلية تعين على قراءة عوامل وأبواب اتصال وانفصال لبنان عن محيطه، وتشكل عنصر فرادة مع مختلف اتجاهات حركة التحرر الوطني العربية التي كانت تضع قضايا الاستقلال وفك التبعية في أولى اهتماماتها.
عموماً، انقسم أهل اليسار إلى اتجاهين يتوزع كل منهما على تشكيلات ومجموعات وأفراد:
يسار تقليدي ينسجم مع إرثه التاريخي في مقارعة إسرائيل باعتبارها صنيعة مشاريع السيطرة على المنطقة، لكنه لا يجد نفسه معنياً كثيراً بما استجد على ظروف هذه المقارعة. وتبدو معه الأمور شبيهة بما كان سائداً قبل انهيار المعسكر الاشتراكي وقبل تهاوي أنظمة اشتراكية الدولة العربية.
في المقابل، يظهر اتجاه آخذ، عن قصد أو من دون قصد، في القطع المعرفي، وعبر الممارسة العملية، مع إرثه والانضمام إلى جمهور واسع من الليبراليين تحركه حسابات ومصالح متنوعة. ويجهد هذا الاتجاه منذ نحو عام ونصف العام، بلا كلل، في الاستهزاء والسخرية والشماتة المغلّفة بإبداء الغيرة الكاذبة على ما آلت إليه أوضاع غزة والجنوب اللبناني.
وبذلك، يصار إلى تجهيل الجهة الفعلية التي أطلقت آلة الحرب التي دمّرت المدن والقرى وقامت بمحو كل معالمها، وإلى تجاهل المواقف والأهداف الصريحة لقادة الاحتلال.
وهكذا يصبح من السهل، لدى هذا الجمهور، القول إن حماس قد دمّرت غزة، وحزب الله دمّر جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، وإن قوى الممانعة تتحمل مسؤولية كل تردٍ حاصل في الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية بسبب تبعيتها لإيران.
وبانضمام بعض أهل اليسار إلى هذا الجمهور يكون هذا النوع من اليسار قد سلك في الاتجاه المعاكس الذي شهدته مدن الغرب وشوارعه وجامعاته، وفي الابتعاد عما شكل عنصر فرادته، واختار الاكتفاء بما يطغى على سطح ما يحدث.
الوعي الزائف في حلّة جديدة
في الأساس، ابتدع الأدب الماركسي مفهوم الوعي الزائف ليشير إلى وهم يجعل الأفراد أو الطبقات المستغَلّة (كالبروليتاريا) يتبنون أفكار الطبقة الحاكمة وقيمها (الرأسمالية) التي تخدم مصالحها، ويتجاهلون مصالحهم الحقيقية، ما يرسخ الاستغلال وعدم المساواة.
وهذا ما نشهده لدى جمهور واسع من الليبراليين، ومن انضم إليهم من أهل اليسار، من انسياق إلى تجاهل أصل المشكلة التي تفسّر حرب الإبادة التي حصلت في غزة، وحرب الإسناد التي فتحها حزب الله في لبنان، والعدوان الأميركي على إيران، واقتصار على مناقشة نتائج هذه الحروب بعد عزلها عن أسبابها.
وخلافاً لما شهدناه في دول الغرب من حراك سياسي انطلق من إعادة النظر بما كان يطفو على سطح المواقف السياسية وكشف حقيقة ما يكمن خلفها من أهداف، بدأ جمهور واسع في تسليط النقد اللاذع على قوى الممانعة، باعتبارها لم تتعظ مما آلت إليه تجربة نظرائهم اليساريين من تحميل بلدانهم أعباء المواجهة مع إسرائيل، وفي اعتبار أن "حروب الآخرين" لم تجلب سوى الدمار.
وإذ تحرص المواقف العلنية الرسمية لبعض تشكيلات اليسار على نوع من الموازنة في التعبير عن مواقفها من الحرب الدائرة اليوم، فإن الأمور تنفلت لدى جمهور واسع من الأفراد، المنضوين وغير المنضوين في هذه التشكيلات، لتصل إلى اعتبار أن السلام هو الحل للكثير من المشكلات المجتمعية التي جرى تأجيلها بسبب أولوية المواجهة، وإلى تصديق الحديث الإسرائيلي عن محور النعمة الذي يقابله محور النقمة، وحديث ترامب عن مجلس سلام سوف يعيد لهذه المنطقة عظمتها ورخاءها.
أوجه قصور الخطاب اليساري المطعّم ليبرالياً
-
يفتقر هذا الخطاب إلى النظرة الكليّة لوظيفة الدولة التي لا تختصر بحصرية السلاح، وإنما تشمل مختلف قضايا الدفاع وصون الحدود والأمن وشؤون السياسة والديمقراطية والاقتصاد والتربية والبيئة والأمن الاجتماعي والقدرة الشرائية والصحة واستعادة الأموال ومنظومات الفساد والريع الزبائني وغيرها. وهي شؤون يؤخذ على الممانعة أنها عملت على تعليقها بذريعة أن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، ويجري تعليقها اليوم بذريعة أنه لا شيء ممكناً قبل حصر السلاح.
-
ينحدر خطاب الليبراليين وبعض أهل اليسار، فيختزل عقوداً من القضية الفلسطينية بحدث السابع من أكتوبر، ومن استثمر فيه أو تسبّب فيه. ونصبح حيال خطاب أقرب إلى خطاب اليمين اللبناني عن "حرب الآخرين" وتغليف المسؤولية عن الحرب الأهلية بسردية مقاومة الغرباء التي تتناسى عمداً أن الفلسطينيين الذين أُجبروا على اللجوء إلى لبنان قد انتظروا إحدى وعشرين سنة لتنفيذ القرارات الدولية بعودتهم، قبل أن يقدموا على أي عمل مسلح من أرض لبنان. كما تتناسى أن تلك الأعوام حفلت بالاعتداءات الإسرائيلية وقضم الأراضي اللبنانية وتنفيذ المجازر.
-
كما يتجاهل أن لمقولة تحميل البلد فوق طاقته من أجل الآخرين وجهها الآخر، وهو الاستقواء بالفلسطينيين لكسر تعنت النظام اللبناني الذي كان يرفض تقديم أي تنازلات في الإصلاح السياسي وفي قضايا تنمية المناطق وتعميم الضمان الصحي والاجتماعي وديمقراطية التعليم، والذي كان يعمد، مقابل التنكر للمزاج المتعاطف مع القضية الفلسطينية، إلى ربط لبنان بأحلاف معاكسة لهذا المزاج.
-
يعجز عن قراءة صعود الفاشيات الرأسمالية النيوليبرالية بنسخها الأكثر توحشاً، منذ المرحلة الكينزية، والتي تفعل أي شيء من أجل جعل البشر وقوداً في أتون الحروب التي تُشن من أجل السيطرة الاقتصادية، بما يهدد بطي صفحة الديمقراطيات الاجتماعية التي جهدت من أجل أن يكون الاقتصاد من أجل الإنسان.
-
كما يعجز عن قراءة المشروع الصهيوني الذي تكرره مقولات بنيامين نتنياهو، والذي يضع المدى العربي بأكمله موضع إعادة تشكيل، وينتهك أراضي بلدان خارج المواجهة المباشرة، ويعتمد أشكالاً غير مسبوقة من الإبادة والدمار.
-
يتجاهل أن السلام تحوّل منذ خمسة وثلاثين عاماً إلى مطلب عربي رسمي، دشنته محادثات مدريد وحولته قمة بيروت بعد نحو عشرين عاماً إلى مبادرة واضحة المعالم، وأنه لولا التنكر الإسرائيلي لهذا المطلب لما استطاعت إيران أن تستثمر في غزة أو في غيرها، تماماً كما لو أن إسرائيل نفذت ما جاء في اتفاق السابع عشر من أيار 1993 (السيئ الصيت) وانسحبت من الأراضي اللبنانية بعد ثلاثة أشهر على الاتفاق لما استمرت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ولما جاءت بعدها المقاومة الإسلامية.
-
ان الدول التي وقعت السلام مع إسرائيل ليست بمنأى عن الضرر الذي يمكن أن تصيبها به تداعيات "الحل النهائي" بحسب التصور الإسرائيلي الذي يقوم على مواصلة الإبادة في غزة وتوسيعها إلى الضفة والقدس وتهجير الناس منها، وتوطين من هجروا قبلاً لفرض الخريطة الإسرائيلية التي قدّمها نتنياهو في الأمم المتحدة، قبل سنوات من حدث السابع من أكتوبر 2023 والتي يكرّرها غلاة اليمين المتطرف الإسرائيلي.
فمصر تعتبر نفسها مستهدفة بما تعقده إسرائيل من شراكات مع دول أفريقية على ضفة البحر الأحمر ومع أثيوبيا تحديداً على مسار نهر النيل، وبالدعوة الصريحة التي أطلقها نتنياهو بأن تمر خطوط النفط نحو شواطئ إسرائيل بما يضعف أهمية قناة السويس. والأردن يظل حاضراً في الطروحات الإسرائيلية بصفته الوطن البديل.
مثلما أن هذا الحل النهائي يمس لبنان في هويته وديمغرافيته وجغرافيته ليس بسبب خطر تهجير فلسطينيين جدد إليه وحسب، بل وبسبب ما هو مطروح من توطين فلسطينيي الشتات في البلدان التي يقطنون فيها.
نحو مقاربة أكثر توازناً
إن مقاربة القضايا المعقّدة بطرق مبسطة لا تمنح أصحابها مكانة، خصوصاً لدى الساعين إلى تحقيق أهداف إنسانية كالمساواة والعدالة. والأجدى وضع هذه الأهداف ضمن سياقها الفعلي، بدلاً من عزلها.
كما أن تحقيق السيادة الوطنية قد يستوجب نقد تجارب الممانعة، لكن دون التنكر للمبررات التي قامت عليها، ومن خلال الحوار لا الاستعداء.
وفي حالة الحرب، فإن الانحياز لخيار الدولة لا يعني تفويضاً مطلقاً، بل يتطلب الضغط لوقف إطلاق النار، وانسحاب الاحتلال، ووضع خطة واضحة لبسط سلطة الدولة، والمطالبة بالتعويضات، وملاحقة جرائم الحرب، قانونياً وفي كل محفل ديبلوماسي ممكن.
ما هو مطلوب من اليسار أكثر من خطاب يبدأ متوازناً في الأروقة الحزبية وينتهي، على مستوى الجمهور، منغمسا في لغة السخرية والشماتة وخطاب الكراهية. وينتهي أفراده ذرات تائهة في فضاء ليبرالي يختزل السياسة بالشتائم على وسائل التواصل.
وبذلك، يكون اليسار قد نسي مشيته الأولى، من دون أن يحسن اختيار مشية جديدة.




