في معراب، وفي كل الأوساط القواتيّة، بات مصطلح "الدولة العميقة" يتردّد بكثافة، بل يكاد يتجاوز مصطلح "حزب الله". وقد دقّ رئيس "القوات اللبنانية"، سمير جعجع، ناقوس الخطر في إطلالته التلفزيونية الأخيرة، عندما اعتبر أن الدولة العميقة تتفرّج على "الحزب"، مؤكداً أنه لا يمكن الاستمرار بهذه الطريقة.
منذ فترة، بدأت "القوات" بكامل أجهزتها ومنسقياتها ومصالحها إجراء ما يُشبه المسح لمكامن هذه الدولة العميقة. وتكشف مصادر "القوات" أن "جميع اللبنانيين يعرفون أننا حزب منظّم، ونعمل في إطار مؤسساتي، ولم يكن صعباً علينا رصد مظاهر هذه الدولة العميقة، وقد بدت مزروعة على نحو واضح في القضاء، والأجهزة الأمنية والعسكرية والإدارية، وبعض السياسيين. وبالتالي، منذ اتخاذ الحكومة اللبنانية قراراتها في 5 و7 آب وما تلاها وصولاً إلى 2 آذار، لاحظنا أن كل القرارات بقيت حبراً على ورق، وهذا أمر خطير جداً، لأن السلطة السياسية الأساسية اليوم، المتمثّلة برئيسي الجمهورية والحكومة، وأكثرية الوزراء، وأكثرية المجلس النيابي، في وادٍ، وبعض الموظفين والضباط والقضاة الكبار الذين يغطّيهم الثنائي الشيعي، وخصوصاً "حزب الله"، في وادٍ آخر".
لا شكّ في أن جذور هذه الدولة العميقة تمتد إلى حقبة الاحتلال السوري للبنان، وفق مصادر "القوات". فنظام الأسد أمسك بمفاصل الدولة عبر ثلاثة أبعاد: أولاً البُعد العسكري، ثانياً البعد السلطوي عبر تحكّمه بالرئاسات الثلاث، وثالثاً البُعد الإداري والأجهزة العسكرية والأمنية والقضائية. ورغم التغيير الذي حصل عام 2005 وتحرّر لبنان من النظام الأسدي، إلا أن هذه السيطرة استمرّت مع "حزب الله". وهذا ما يبرّر التعاطي مع عناصر "الحزب" المسلّحين الذين أوقفهم الجيش اللبناني وسرعان ما أُخلي سبيلهم مقابل 20 دولاراً، وتصرّف العميد محمد شريم في ساقية الجنزير، وما حصل في الرويسات مؤخراً، وغيرها من عشرات الحوادث التي لا يمكن فهمها إلا بعد وضعها في سياق الدولة العميقة التي يسيطر "الحزب" على بعض مفاصلها.
ونسأل مصادر "القوات": ما دمتم جزءاً من السلطة السياسية، بل حلفاء لها، ولديكم وجود قوي في المؤسسات الدستورية، لماذا لا تقومون بعملية تطهير للدولة العميقة؟ تجيب: "صحيح، للمرة الأولى هناك سلطة سياسية حرّة من تأثير "حزب الله"، وخصوصاً رئيسي الجمهورية والحكومة، وأكثرية وزارية ونيابية، وكلّها تطالب باحتكار الدولة للسلاح، لكن بعض أعضاء هذه السلطة لا يزال يعاني من متلازمة "ستوكهولم"، ولا يجرؤ على الذهاب حتى النهاية في هذا الموضوع".
لكن "القوات" لم تستسلم، وهذا الموضوع بات جوهرياً في مواجهة سياسات "الحزب" وتماديه في التمرّد على الدولة. وتلفت المصادر إلى "أننا لا نعمل وحدنا، إنما نجمع كل القوى السياسية الحليفة لمواجهة هذا الأمر، مثل "الكتائب" و"الحزب التقدمي الاشتراكي" والنائبين فؤاد مخزومي واللواء أشرف ريفي وغيرهم. والاتصالات قائمة مع رئيسي الجمهورية والحكومة، وجميعهم يعرفون أن الدولة العميقة يجب أن تكون منسجمة مع السلطة السياسية، لا مع حزب خارج عن القانون، لتطبيق الدستور وتفعيل الإدارات والأجهزة الأمنية والجيش اللبناني".
ستعمل "القوات" مع القوى السياسية الأخرى على هذا الأمر بشكل تدريجي، من خلال إخراج هؤلاء الموظفين والضباط الذين يسهّلون مهام "الحزب" في الإدارتين السياسية والعسكرية منذ 36 عاماً. وترى مصادر "القوات" أن ذلك لا يمكن أن يحصل بشحطة قلم، إنما وفق مراحل لا بدّ أن تفضي إلى النتيجة المطلوبة.
وتؤكّد أن "الأمر بدأ، لكن حتى اللحظة نواجه بعض العوائق، وأهمها خوف بعض القادة العسكريين والأمنيين من اتخاذ القرارات وتنفيذها، تجنّباً لردود فعل هذا الفريق المسلّح الذي يخالف القوانين".
لكن في الحقيقة، كشفت المصادر أنه ليس كل الأجهزة الأمنية والعسكرية والقضائية محسوبة على "الحزب"، بل إن هناك ولاءات لعدد لا بأس به من الضباط والقضاة للدولة فقط، إلا أن من يعملون مع "الحزب" يشلّون الدولة. وقد رفع رئيس "القوات اللبنانية" سمير جعجع الصوت عالياً مؤخراً، وهو يطرح هذه المشكلة الكبيرة في اتصالاته مع أبرز المسؤولين في الدولة لتغيير هذا الواقع، وإلا سنبقى في دائرة الفشل.
قد تكون أبرز التحديات في المرحلة المقبلة هي تنقية الدولة العميقة من نفوذ "الحزب"، لأن "القوات" تعتبر أنه لا أمل في التخلّص من مسألة سلاحه وتنفيذ القرارات الحكومية إلا عبر عملية جراحية تستأصل الأورام الخبيثة التي تعيق تقدّم الدولة.




