التأجيل الثاني لـ"اللقاء الثلاثي": الوقت "حلّال المشاكل"؟

مانشيت - المدنالثلاثاء 2026/04/28
Image-1777386367
جاء تأجيل لقاء الرؤساء الثلاثة ليكشف عمق التصدع. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

يدخل لبنان مرحلة مصيريّة تضيق فيها هوامش المناورة. فبينما يرسّخ بنيامين نتنياهو واقع الوصاية الأمنيّة بالنّار في الجنوب، والبقاع إلى حدّ بعيد، تضع إدارة دونالد ترامب الدّولة اللّبنانيّة أمام اختبار وجوديّ في واشنطن. وهذا التّقاطع يفرض على أيّ اجتماع للرّؤساء الثّلاثة تحدّيات تتجاوز حدود التّرميم البسيط للتّشقّقات، لتصل إلى الاختيار بين رسم الملامح لجمهوريّة جديدة أو السّقوط في أتون الانهيار الكيانيّ الشّامل. ولذلك، جاء تأجيل الاجتماع من يوم غد إلى موعد لم يُحدَّد، بعد تأجيل أوّل من يوم أمس الإثنين، علامة على تفاقم عميق للمأزق اللّبنانيّ. وبديهيّ أن تكون السّخونة العالية في المواقف المتضاربة، بين حزب الله من جهة، والرّئيسين جوزاف عون ونوّاف سلام من جهة مقابلة، هي الدّافع الأساسيّ للتّأجيل أو ربّما "التّطيير".

يأتي هذا التّباعد اللّبنانيّ الدّاخليّ فيما كشفت تصريحات وزير خارجيّة واشنطن ماركو روبيو وتقارير الإعلام الإسرائيليّ، في السّاعات الأخيرة، عن تحوّل خطير في مفهوم "الهدنة". فهي، في نظر واشنطن وتل أبيب، ليست وقفًا للأعمال العدائيّة بقدر ما هي تفويض مفتوح لإسرائيل بممارسة الضّربات الاستباقيّة. فقد نجح نتنياهو في محاصرة لبنان عسكريًّا، عبر تثبيت "حقّ" التّدخّل، أي اعتبار أيّ تحرّك لحزب الله خرقًا يستوجب تدمير القرى. كما نجح في تحييد ترامب، بانتزاع "تفاهم" على أنّ العمليّات الإسرائيليّة "دفاعيّة"، وهو ما يُسقط أيّ مراهنة لبنانيّة على ضغط واشنطن للجم آلة التّدمير.

وتمثّل دعوة ترامب للرّئيس جوزيف عون إلى لقاء نتنياهو في البيت الأبيض التّحدّي الدّبلوماسيّ الأكبر. فالمعطيات تشير إلى أنّ واشنطن تريد التزامًا لبنانيًّا مباشرًا بخارطة الطّريق الجديدة التي لخّصها روبيو بوضوح، من خلال "جيش لبنانيّ يمتلك القدرة والإرادة لملاحقة حزب الله ونزع سلاحه". فتلبية الدّعوة تعني كسر القواعد السّياسيّة الدّاخليّة، ولكن أيضًا المخاطرة بانفجار، بينما الرفض يعني التّخلّي عن المظلّة الدّوليّة الوحيدة المتبقّية، وترك لبنان مباحًا أمام مشروع "المنطقة العازلة" التي تستطيع إسرائيل تثبيتها من دون رادع وبشكل دائم.

وقد أخرجت مواقف الشّيخ نعيم قاسم والرّئيس عون الصّراع الدّاخليّ من الغرف المغلقة إلى المواجهة الشّاملة بين "شرعيّتين": شرعيّة المقاومة التي تعتبر المفاوضات "كأنّها لم تكن"، وترهن الحلّ بالنّقاط الخمس والغطاء الإيرانيّ، وشرعيّة السّلطة التّنفيذيّة التي يقودها عون وسلام، والتي ترى في الحزب عبئًا جرّ البلاد إلى محرقة من أجل غزّة وإيران، وتعتبر التّفاوض المباشر ضرورة وجوديّة لا خيانة. وهذا الاشتباك يجعل الاجتماع الذي كان مفترضًا أن يعقده الرّؤساء غدًا، محاولة لاحتواء الموقف.

ويمكن النّظر إلى تأجيل الاجتماع باعتباره إشارة إلى اقتناع مشترك بأنّ واشنطن لم تعد تقبل بأنصاف الحلول، وأنّ أيّ مخرج لا يتضمّن تغييرًا حقيقيًّا في استراتيجيّة التّعامل الدّاخليّ مع الموقف سيكون بمثابة تكريس للكارثة التي تقترب بسرعة. أمّا الجمود الذي تلتزمه الطّواقم السّياسيّة بذريعة الحفاظ على السّلم الأهليّ، فقد يكون هو نفسه الصّاعق الذي سيفجّر البلد عندما تنتهي مهلة الأسابيع الثّلاثة، ويجد لبنان نفسه وحيدًا، بلا أرض في الجنوب، وبلا تغطية في واشنطن.

 

هدنة بالنّار لا بالسّياسة

في الميدان، لم تعد الهدنة أكثر من عنوان دبلوماسيّ هشّ، تخترقه إسرائيل يوميًّا بالغارات والإنذارات والاغتيالات الموضعيّة والتّدمير المنهجيّ. فالجيش الإسرائيليّ أنذر سكّان ستّ عشرة بلدة جنوبيّة، قبل أن يشنّ موجة غارات طاولت شقرا، وتبنين، والمنصوري، ومجدل سلم، وصفد البطيخ، وتولين، وبرعشيت، في مشهد يعيد الجنوب إلى منطق الحرب المفتوحة، ولو تحت لافتة وقف إطلاق النّار.

وليست المسألة، هنا، في عدد الغارات وحده، بل في طبيعة الرّسالة. إسرائيل تريد إفهام لبنان أنّها تمتلك حقّ الحركة، وحقّ التّفسير، وحقّ العقاب. وهي لا تتصرّف كطرف في اتّفاق، بل كقوّة وصاية ميدانيّة تفرض قواعدها بالنّار. لذلك، يصبح استمرار احتلال أكثر من خمس وخمسين قرية وبلدة جنوبيّة جزءًا من هندسة أمنيّة جديدة، عنوانها العريض: جنوب منزوع السّيادة، ولبنان منزوع القدرة على الرّد.

 

الرّؤساء الثّلاثة أمام امتحان القرار

في السّياق السّياسيّ الدّاخليّ، جاء تأجيل لقاء الرّؤساء الثّلاثة ليكشف عمق التّصدّع، لا مجرّد اضطراب في المواعيد. فالاجتماع كان يُفترض أن يبلور موقفًا موحّدًا من ملفّ المفاوضات، وأن يحدّد سقف الدّولة في مواجهة الضّغط الأميركيّ والإسرائيليّ. لكنّ استمرار العمليّات العسكريّة، وما يرافقها من تهجير وتدمير، جعل أيّ موقف لبنانيّ يبدو ناقصًا أو متفجّرًا قبل ولادته، وفق المعلومات.

ثمّة سبب آخر لا يقلّ خطورة: التّشنّج المتصاعد بين حزب الله ورئاسة الجمهوريّة. فالحزب يتعامل مع أيّ تفاوض مباشر أو غير مباشر على أنّه استدراج إلى نزع السّلاح تحت النّار، فيما ترى الرّئاسة أنّ رفض التّفاوض يفتح الباب أمام تثبيت الاحتلال وتوسيع المنطقة العازلة. وبين المنطقين تضيع الدّولة، أو تكاد، لأنّها لا تستطيع أن تفاوض بلا غطاء داخليّ، ولا تستطيع أن تنتظر بلا ثمن سياديّ، وفق المعلومات. 

 

واشنطن تغيّر تعريف وقف النّار

تصريحات ماركو روبيو لم تكن تفصيلًا عابرًا. فهو وصف وقف إطلاق النّار في لبنان بأنّه "فريد جدًّا"، لأنّ لبنان وإسرائيل، وفق المقاربة الأميركيّة، "ليسا في حالة حرب". بهذا المعنى، تتحوّل الحرب إلى مشكلة اسمها حزب الله، ويتحوّل لبنان إلى ساحة ينبغي أن تنظّفها الدّولة اللّبنانيّة، لا إلى دولة تتعرّض لاعتداءات إسرائيليّة مستمرّة.

الأخطر أنّ روبيو رسم خارطة الطّريق بوضوح: جيش لبنانيّ يمتلك القدرة على ملاحقة حزب الله، ونزع سلاحه، وتفكيك بنيته. وهذه ليست مجرّد صيغة أمنيّة، بل مشروع سياسيّ كامل يضع الجيش في قلب الانقسام الدّاخليّ، ويطلب من السّلطة أن تنفّذ، تحت ضغط النّار، ما عجزت عنه التّسويات منذ نهاية الحرب الأهليّة.

 

إسرائيل بين ادّعاء الدّفاع وصناعة الأمر الواقع

في المقابل، يصرّ الخطاب الإسرائيليّ على توصيف العمليّات الجارية بأنّها "دفاعيّة". وزير الخارجيّة الإسرائيليّ يقول إنّ بلاده لا تسعى إلى التّمدّد في لبنان، لكنّ الوقائع الميدانيّة تقول شيئًا آخر: احتلال قرى، تدمير بنى تحتيّة، تهجير سكّان، وضربات تمتدّ من الجنوب إلى البقاع. وهنا تكمن الخدعة: إسرائيل تنفي نوايا الاحتلال، لكنّها تبني شروطه اليوميّة.

والرّهان الإسرائيليّ واضح. كلّ يوم إضافيّ من الضّربات بلا ردّ حاسم، وبلا موقف دوليّ رادع، يوسّع هامش الحركة الإسرائيليّة. وكلّ خلاف لبنانيّ داخليّ يمنح تل أبيب حجّة إضافيّة للقول إنّها تتولّى بنفسها ما يفترض أن تقوم به الدّولة اللّبنانيّة.

 

حزب الله ومعادلة الاستنزاف

في الضّفة الأخرى، يحاول حزب الله تحويل الميدان إلى معركة استنزاف مدروسة. فبحسب الإعلام الإسرائيليّ، بات الحزب يعتمد أكثر على المسيّرات المنخفضة الكلفة، التي تربك الجيش الإسرائيليّ وتفرض عليه كلفة عمليّاتيّة ونفسيّة. وهذا النّمط من القتال يمنح الحزب قدرة على الاستمرار، من دون الانجرار إلى حرب شاملة قد لا يريدها الآن.

لكنّ هذه المعادلة تحمل خطرًا لبنانيًّا كبيرًا. فكلّما طال الاستنزاف، تعمّق الدّمار في الجنوب، وازدادت صعوبة عودة السّكّان، واتّسعت الفجوة بين خطاب المقاومة وحسابات الدّولة. هنا يصبح السّؤال لا عمّا إذا كان حزب الله قادرًا على الصّمود، بل عمّا إذا كان لبنان قادرًا على دفع كلفة هذا الصّمود.

 

 الهدنة فخّ للجميع

القراءة الإسرائيليّة نفسها ليست مطمئنّة. فقد وصفت "يديعوت أحرونوت" وقف إطلاق النّار بأنّه تحوّل إلى "فخّ خطير"، معتبرة أنّ الوضع القائم يمنح حزب الله فرصة لإعادة ترميم موقعه في الرّأي العامّ اللّبنانيّ، عبر تقديم نفسه مدافعًا عن القرى في وجه الوجود الإسرائيليّ.

وتكشف هذه القراءة مأزق إسرائيل أيضًا. فهي تريد حرّيّة عمل كاملة، لكنّها مقيّدة بالتّنسيق مع واشنطن. وتريد إنهاء خطر حزب الله، لكنّها تخشى حربًا واسعة. وتريد عودة سكّان الشّمال، لكنّ الواقع الأمنيّ لا يسمح بذلك. لذلك يبدو وقف النّار، في الحسابات الإسرائيليّة، حربًا مؤجّلة أكثر منه سلامًا مؤقّتًا.

 

السّعوديّة وقطر: دعم الدّولة ومنع الانفجار

وسط هذا المشهد، برزت المواقف العربيّة الدّاعمة للبنان. قطر أكّدت استمرار دعمها للبنان وضرورة وقف العنف. أمّا السّعوديّة، عبر سفيرها وليد بخاري، فشدّدت على الوقوف إلى جانب الدّولة ومؤسّساتها، وعلى أهمّيّة تغليب الحكمة وتحصين السّلم الأهليّ.

وليس تفصيلًا أن يستحضر بخاري اتفاق الطّائف بوصفه المدخل الرّئيسيّ للاتّفاق على المبادئ العامّة. فالرّسالة السّعوديّة واضحة: لا إقصاء لأيّ مكوّن، ولا شرعيّة لسلاح خارج الدّولة، ولا إنقاذ للبنان إلّا بإعادة بناء المؤسّسات وبسط سلطة الجيش على كامل الأراضي اللّبنانيّة. وهذا يتقاطع مع موقف المفتي عبد اللّطيف دريان الذي رأى أنّ إعادة بناء الدّولة هي الطّريق الوحيد لاستعادة الهيبة وحصر السّلاح.

لبنان اليوم أمام معادلة قاسية: لا يستطيع أن يستسلم للشّروط الإسرائيليّة والأميركيّة، ولا يستطيع أن يستمرّ في إدارة الانقسام بالطّريقة القديمة. فالوقت لم يعد يعمل لمصلحته، والجنوب يُفرغ تدريجيًّا من أهله، والسّيادة تتحوّل إلى مفهوم تفاوضيّ، والدّولة تُدفع إلى امتحان لم تستعدّ له سياسيًّا ولا مؤسّساتيًّا.

لذلك، لم يعد المطلوب اجتماعًا شكليًّا للرّؤساء الثّلاثة، بل قرارًا وطنيًّا كبيرًا: كيف يحمي لبنان أرضه من إسرائيل، وكيف يستعيد قراره من منطق السّاحات، وكيف يمنع الخارج من تحويل أزمته إلى وصاية دائمة. أمّا الاستمرار في شراء الوقت، فقد لا يشتري إلّا انهيارًا أكبر.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث