ملاحظات على المفاوضات

غازي العريضيالاثنين 2026/04/27
Image-1777228778
مدعوون إلى نشر كل الحقائق والمعلومات حول العدوان (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

كان من المفترض أن تفرض قيود على الأقل على إدارة اللعبة الإسرائيلية الدموية على أرض "ملعب نتانياهو" لبنان، بعد قراريّ وقف إطلاق النار وتمديده، عندما ترأس الرئيس الأميركي دونالد ترامب الجولة الثانية من التفاوض اللبناني الإسرائيلي في البيت الأبيض، وكان قد أصرّ على وقف إطلاق النار الأول ثم تحدث في الجولة المذكورة عن آمال واعدة واستعداد لمساعدة لبنان. نتانياهو في مكان آخر وليس منعزلاً عن ترامب. اتصل به وتحدث عن مكالمة إيجابية ومثمرة سواء بالنسبة لإيران أو لبنان، وأكد استعداد قواته لشن موجات جديدة من الضربات في انتظار الإشارة من البيت الأبيض. الترجمة العملية لذلك: توسّع العدوان وكان استهداف لتمثال "السيد المسيح"، وإصرار على قتل الصحافيين والمسعفين والمدنيين، واستمرار في التدمير والتفجير والجرف والتهجير حتى أصبحنا أمام موجة نزوح جديدة من الجنوب. 

 

هذا هو وقف إطلاق النار بالترجمة الاسرائيلية. استباحة وإصرار على ترجمة عقيدة الإبادة من الحجر إلى الشجر والبشر أينما حلّت قوات الاحتلال والإرهاب. هنا المسؤولية الأميركية المباشرة في التعاطي مع الحروب المفتوحة. خطى لبنان خطوات متقدمة نحو التفاوض والهدف "وقف إطلاق النار" والبحث عن حلول واقعية. وخطى الجيش خطوات متقدمة في عملية حصر سلاح "حزب الله" بيد الدولة. وأعد توثيقاً كاملاً لما أنجزه. كشف حقيقة المزاعم التي أعلنها جيش الاحتلال حول السلاح في مدرسة بنت جبيل وغيرها. وهي أفلام مركّبة. من دون إغفال التأكيد من قبل رئيس الجمهورية وقائد الجيش سابقاً أن العملية لم تنته في الجنوب وأن ثمة احتمالاً كبيراًً لوجود أنفاق ومخازن أسلحة لم يصل إليها الجيش لكن الإرادة والتصميم مستمران ثابتان في تنفيذ قرارات الحكومة. ما هو المطلوب من لبنان وحكومته أكثر من ذلك لإثبات صدقية الدولة والتزامها بالقرارات التي اتخذتها؟ مع تدّخل الرئيس ترامب شخصياً الذي فاجأ الإسرائيليين بطلب وقف إطلاق النار عندما اطلع على حقيقة "الأربعاء الأسود" والمجازر التي ارتكبتها قوات الاحتلال وهزّت العالم في كل أرجائه، فإن استمرار ما يجري يقوّض أي إمكانية للوصول إلى اتفاق يسعى إليه لبنان لأن له مصلحة فيه. فهو في موقع المعتدى عليه منذ العام 1948، وعندما ذهب إلى توقيع اتفاق الحدود البحرية لم يذهب تحت ضغط الحرب والابتزاز. فاوض بإرادة واضحة وخلفية واضحة: الرغبة في الوصول إلى اتفاق. وقد تمّ ذلك برعاية أميركية، وأثبتت الدولة اللبنانية صدقيتها والتزامها فيما انقلبت اسرائيل على كل شيئ ولا تزال. هنا دور القيادة الأميركية اليوم. إذا كان ثمة قرار بإطلاق يد نتانياهو إلى أبعد الحدود فلا قيمة للمفاوضات. وإذا كان ثمة احترام لقرارات وقف إطلاق النار فإن المطلوب الضغط على اسرائيل وإلزامها بما تم الاتفاق عليه بناء لطلب الرئيس الأميركي وإلا ماذا يعني الإصرار الاسرائيلي على الاستمرار في الممارسات ذاتها وكأن ليس ثمة قرار بوقف إطلاق النار؟ 

 

هيئة البث الاسرائيلية أعلنت: "اتفاق وقف إطلاق النار قد ينهار في غياب ضغط سياسي أميركي على الحكومة اللبنانية". يعني: "لا تضغطوا علينا اضغطوا على لبنان". ماذا فعل لبنان؟ ذهب إلى طاولة المفاوضات وهي في بدايتها ويرعاها الرئيس ترامب. ما هو المطلوب؟ توريط الجيش في الحرب ضد حزب الله!

هذه "إسرائيل هيوم" تقول: "القضاء على حزب الله عسكرياً غير واقعي. الجيش مرهق". وقدمت تقريراً مفصلاً حول هذه النقطة. 

وهذا هو توم براك الموفد الأميركي إلى سوريا والمفاوض الأميركي السابق بين لبنان وإسرائيل يقول: "القضاء الكامل على حزب الله عبر العمليات العسكرية غير واقعي في ظل تشابكه داخل البيئة السياسية والاجتماعية في لبنان"!

 

وهذه هي المفاوضات اللبنانية- الاسرائيلية في واشنطن: تركيز أميركي على: "وقف إطلاق النار". لا تحترمه إسرائيل. حديث عن لقاء نتانياهو عون خلال أسابيع. رفضه الرئيس اللبناني عندما طُرح الأمر عليه قبل انطلاق الجولة الأولى من المفاوضات. تدخّل مسؤولون عرب يؤيدون عقد اللقاء ثم تراجعوا. 

أصرّ نتانياهو على الطلب وكرّره منذ ايام على وقع موجة القتل والإرهاب الأخيرة التي نفذها جيشه بناء لتعليماته! وحديث أميركي عن السلام. 

كتبت الأسبوع الماضي عن هذه النقطة. هل نحن ذاهبون إلى اتفاق سلام؟ ما هو مفهوم هذا السلام؟ اتفاق سياسي؟ فتح سفارات؟ هذه من أخطر المسائل، وفي كل الاتصالات واللقاءات كان تأكيد أنَّ الموضوع يتعلق باتفاق أمني يقدم ضمانات لإسرائيل نظراً "للخطر" المحدق بسكانها في الشمال ولا يمكن أن تتوقف الحرب دون ذلك. لا أحد يغفل هذا الواقع الذي تسبّبت به اسرائيل منذ عقود من الزمن وقبل وقوع "حزب الله" في سوء التقدير والتدبير في الحرب الأخيرة. ومع ذلك عندما ندخل إلى مفاوضات فلنصل إلى ضمانات. لبنان بالأساس هو الأكثر حاجة لها لأن إسرائيل لم توقف عدوانها عليه من الجنوب إلى الحروب الكبرى الأخرى. أميركا تتحدث إذاً عن "السلام الدائم". يجب توضيحه. وإسرائيل تضغط لعقد اللقاء بين نتانياهو وعون وتمارس تحت هذين العنوانين الجرائم المفتوحة ويلعب نتانياهو في ملعبه ويدخل إلى "أزقة" البلد الداخلية سياسياً وأمنياً وإرهاباً. أكتب هذه الكلمات والطيران الحربي الاسرائيلي يخترق الأجواء اللبنانية يصول ويجول فوق رؤوسنا ويمارس ترفه وهواياته "ومهامه السلمية"!

 

ماذا على لبنان أن يفعل؟ 

توحيد الموقف الرسمي اللبناني بعد جولتين من المفاوضات وشبه إجماع عربي ودولي سياسي ودبلوماسي على أن وفد لبنان لا يحمل ورقة عمل متكاملة وأفكاراً جاهزة سوى وقف إطلاق النار. بينما الأميركي والإسرائيلي يطرحان ما يطرحان كما ذكرنا. بذلت جهود استثنائية وكانت تدخلات خارجية تأكيداً "لفصل المسارات وتثبيت السيادة اللبنانية والقرار اللبناني" للوصول إلى اتفاق مبدئي لعقد لقاء بين الرؤساء الثلاثة في بعبدا في ظل إصرار بعضهم على ممارسة ترف الشعارات الجميلة لكن لا مكان لها في الواقع مثل القول "لا نريد ترويكا جديدة"، ومعلوم ان ترويكات خارجية قامت بدورها لانتخاب رئيس الجمهورية ثم تسمية رئيس الحكومة، ثم التدخل في الشؤون الداخلية بالتعيينات وغيرها، وثمة "ترويكات" و"دويكات " داخلية في تسيير شؤون الدولة وإدارة المصالح المختلفة، هذه ثابتة ولو وقع الخلاف على الخيارات السياسية، اللقاء اليوم ضروري للتفاهم لانقاذ مصير البلد. أما على مستوى الوزارات، فوزارة الخارجية يفترض أن تكون حاضرة فاعلة موثقة كل الأعمال الاسرائيلية الإرهابية على قاعدة قرارات الحكومة التي لا تتجاوز ذلك. وأن تُحرّك السفارات في هذا الاتجاه دفاعاً عن حق لبنان. العالم يدين إسرائيل، يدعوها إلى وقف العدوان، يتمسك بوحدة الأرض اللبنانية، يؤيد قرارات الحكومة بحصر السلاح بيد الدولة، فلماذا لا نزوّده بالحقائق حول الممارسات الإسرائيلية ونقوم بحركة دبلوماسية إعلامية ضرورية في هذا الاتجاه؟ هل يعقل أن يكون همّ الخارجية "محاصرة" أو "مساءلة" رئيس الجمهورية تحت عنوان لماذا يعطي توجيهات لرئيسة الوفد المفاوض وهو حق دستوري محصور به في المفاوضات؟ وللإعلام دور رئيسي. نحن مدعوون إلى نشر كل الحقائق والمعلومات حول العدوان الإسرائيلي والدفاع عن حق لبنان في كل المحافل والاستفادة من كل الوسائل الإعلامية المتاحة، ولا يجوز "التغيّب" او "التجنّب"، وإذا كان ثمة التزامات بذلك فعلى الأقل توثيق ما يجري والتواصل مع كل المؤسسات الإعلامية وتزويد كل المعنيين بالمجازر الإسرائيلية. أعود وأقول مع تأكيد الالتزام بقرارات الحكومة. 

 

أما الجيش فلا يجوز تركه أو اتهامه وإذا كان يعتبر أنه لا يقحم نفسه بالسياسة فعلى الوزارات المختلفة ان تقوم بدورها، وهو أعدّ توثيقاً متكاملاً لتزويد الوفد المفاوض ومن خلال الملحق العسكري في السفارة في واشنطن وإبرازه أمام كل الوفود التي تأتي إلى لبنان مستطلعة أو السفراء وممثلي الهيئات الدولية المعتمدين فيه. 

أما الأهل المصرّون على البقاء في الجنوب فينبغي احتضان صمودهم بتقديم كل المساعدات لهم لا أن يتركوا ضحية الاحتلال لاستغلالهم وإرسال المساعدات من قبله وكأنه رحوم عطوف ويريد أمنهم واستقرارهم ويلعب على الأوتار المذهبية والطائفية وعندما ترفض قوات الاحتلال دخول المساعدات يجب أن يكون هذا الرفض محط اهتمام كبرى المؤسسات الدولية الانسانية في كل المحافل وأمام "الراعي" الأميركي للمفاوضات. المؤلم في لبنان أن ثمة أوركسترا لبنانية في واشنطن غير معنية بكل ما نقول بل تقوم بكل أشكال التحريض ضد الدولة ورموزها وتدعو إلى استكمال الحرب حتى التخلّّص من "الآخر" تحت عنوان التحرير وتلاقيها أوركسترا سياسية إعلامية داخلية يتكامل أداؤها معها في الاتجاه ذاته، والعنوان: "خلّصونا منهم" ولتستمر الحرب حتى يتحقق هذا الهدف. ومن هذه الأوركسترا انطلقت فكرة إعادة النظر بقوانين حظر التعامل مع إسرائيل وأصبحت ملازمة للخطابين الأميركي والاسرائيلي. هذه مسألة ينبغي شرحها وتوضيحها أمام الوفود والرئيس ترامب والتوقف عند آليات وظروف اتخاذ القرار بشأنها وخصوصية الوضع اللبناني المختلف عن أوضاع دول المنطقة وكل دول العالم. إضافة إلى إصرار وتأكيد بعض أركان هذه الأوركسترا على ضرورة عقد اللقاء بين رئيس حكومة الاحتلال نتانياهو ورئيس جمهوريتنا جوزف عون واعتبار عدم انعقاده وتلبية دعوة ترامب خطأ وفي ذلك مخاطر كبرى على الأمن والاستقرار والوحدة الوطنية في البلاد .

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث