في خضمّ التحوّلات العنيفة التي تعصف بلبنان، لا تبدو حالة الضياع والتخبّط التي نشهدها طارئة أو عابرة، بقدر ما هي خلاصة مسار طويل من الهروب من مواجهة المشكلة الأساسية: الهروب إلى الأدوار، إلى الوظائف الكبرى، إلى ما يتجاوز حدود الممكن. كأنّ هذا الكيان لم يقبل يوماً أن يكون دولة عادية، بل أصرّ على أن يكون مشروعاً دائماً يتخطّى نفسه. اللبناني ليس تائهاً لأنه يجهل موقعه، بل لأنه يرفض الاعتراف به. فهو يقف في جغرافيا صغيرة، مكثّفة، مشحونة، لم تُمنح يوماً فرصة أن تكون مجرد أرض. منذ ولادته الحديثة، لم يكن لبنان مساحة بريئة على الخريطة، بل فكرة معلّقة على سؤال دائم: هل يمكن لبلد صغير، مثقل بالتاريخ والجماعات والجوار القلق، أن يعيش بلا وظيفة كبرى تبرّر وجوده؟
هنا تكمن العقدة التأسيسية. لبنان لم يتصالح مع جغرافيته لأنه لم يقبلها كما هي، بل أصرّ على إعادة تخيّلها باستمرار. نظر دائماً إلى نفسه كأكثر من مكان. يطل على المتوسط كأنه يريد الانتماء إلى الغرب، ويتكئ على المشرق كأنه لا يستطيع الفكاك منه. ينتمي إلى العالم العربي، لكنه يخشى الذوبان فيه. يريد أن يستقل بمصيره، فيما حدوده بقيت مفتوحة على التداخلات والتأويلات. لذا، لم تكن الجغرافيا إطاراً للدولة، بل عبئاً على قيامها.
لذلك تحوّلت الجغرافيا إلى قدر سياسي. لم يتعلّم اللبناني أن يكون ابن أرضه فقط، لأن هذه الأرض لم تُعرّف يوماً بوصفها وطناً مكتفياً بذاته، بل بوصفها ممراً أو ملجأ أو ساحة أو رسالة: بدل أن يبني دولة ضمن شروط الجغرافيا، راح يبحث عن وظيفة، عن دور ما يشغله. الدول العادية تبحث عن مصالحها. أما لبنان ما زال يبحث عن نفسه. كل مرحلة أنتجت تعريفاً مختلفاً له، وكل تعريف تحوّل إلى مشروع سياسي مشروط بتوازنات داخلية دقيقة ورعايات خارجية متقلّبة. ومع كل اختلال في هذه التوازنات، كان الكيان يهتز. في كل مرة، كان يرفض أن يكون ما هو عليه، ويصرّ على أن يكون شيئاً آخر.
لكن اللحظة الراهنة تكشف حدود هذا المسار. لبنان لم يعد يمتلك ترف الأدوار. أدواره التقليدية تآكلت: لم يعد مركزاً مالياً موثوقاً، ولا منصة ثقافية مهيمنة، ولا نموذجاً سياسياً جاذباً، ولا جزءاً قوياً من محور، وحتى فكرة "الرسالة" فقدت معناها تحت وطأة الانهيار الشامل. ما يتكشف اليوم أزمة تصور: لم يعد ممكناً الاستمرار في العيش داخل صورة لبلد لم يعد موجوداً.
وهنا يصبح الهبوط إلى الواقع ضرورة لا خياراً. أي القبول بنقصان الدولة كما هي، لا كما نتخيلها. الهبوط يعني التخلي عن فكرة أن لبنان يجب أن يكون استثناءً، أو دوراً، أو منصة. يعني إعادة تعريفه كدولة عادية: تحمي حدودها، تدير اقتصادها، تنظّم اختلافاتها، وتنتج شرعيتها من الداخل لا من الخارج.
وفي هذا السياق تحديداً، يبرز شرط أساسي لأي دولة عادية: أن تكون علاقتها بجوارها مستقرة. لا يُبنى استقرار فوق أرضٍ تهتز، ولا تقوم دولة في حالة اشتباك دائم مع محيطها. الكيانات التي تبقى حدودها مفتوحة على الصراعات، تبقى معلّقة، عاجزة عن التحوّل إلى دول. ولبنان، بحكم موقعه وتركيبته، لا يملك ترف العداء المستمر، ولا قدرة إدارة أزمات بلا أفق. إذا أراد أن يصبح دولة فعلاً، لا فكرةً أو ساحة، فعليه أن يتبنّى مبدأً بسيطاً في صياغته، جذرياً في مضمونه: صفر مشاكل مع الجوار. ليس كشعار أخلاقي يُرفع، بل كخيار وجودي يتيح له أن يبدأ البناء، أي بناء.
هنا تحديداً تكتسب المفاوضات الجارية مع إسرائيل، كما النقاش المفتوح مع سوريا، معناها الفعلي. ليست مجرد ترتيبات تقنية تُدار لتجميد تاريخ مثقل بالعداء والاحتلال والصراع، بل مدخلاً ضرورياً لإعادة وصل لبنان بجغرافيته، كما هي لا كما تُتخيَّل. الهدف، في جوهره، وبعيداً عن الشعارات الكبرى، بلوغ حد أدنى من الاستقرار يسمح للبنان أن يتصرّف كدولة عادية، لا كخط تماس دائم. أما الإصرار على استعادة معارك الماضي، أو التمسك بأدوار تفوق القدرة، فليس إلا تعبيراً متكرراً عن عجز عميق عن قبول فكرة الدولة نفسها. فالعُقَد التاريخية والاندفاعات الأيديولوجية التي لا تزال تدفع لبنان إلى ما لا يحتمل، لا تنتج سياسة، بل تعيد إنتاج أزمة وجود: أزمة كيان يرفض أن يكون ما يستطيع أن يكونه.
لذلك، فإن البحث عن شروط الدولة العادية يكمن في القطيعة الفكرية مع تاريخ كامل من تضخيم الذات والوظيفة. هو انتقال من سؤال مُربك ومُضلِّل: ما دور لبنان في المنطقة؟ إلى سؤال أكثر صرامة وواقعية: كيف يمكن أن يعيش اللبنانيون معاً ضمن هذه الحدود، وبعلاقات مستقرة مع محيطهم؟
هنا فقط يصبح الهبوط إلى الجغرافيا بداية مسار مختلف.




