عون- قاسم في "خطاب الحد الأقصى".. ونتنياهو يصطاد في الانشقاق

مانشيت - المدنالاثنين 2026/04/27
Image-1777302229
لبنان، لا يحتاج إلى انتصار خطاب على خطاب، بل إلى قرار يمنع سقوط الدولة. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

رسميًّا، دخل لبنان مرحلة اشتباك عميق، كيانيّ ربّما، حيث الخلاف يتحول إلى قطيعة جذريّة بين منطقين للدولة وللسيادة. فمواقف حزب الله الأخيرة توّجت اليوم بتصعيد للأمين العام نعيم قاسم، وأعقب ذلك ردّ حادّ جديد من رئيس الجمهوريّة جوزاف عون. وهو ما يرسم مشهدًا جديدًا للبلد الذي ينشطر عموديًّا، وهو في ذروة التعرّض لضغطٍ عسكريّ إسرائيليّ متصاعد، ما سيحول هدنة الأسابيع الثلاثة من مساحة لحلٍّ محتمل في لبنان إلى مساحة للتصادم بين رؤيتين داخليتين متناقضتين للحلّ.

فيما يصرّ حزب الله على التمسّك بالسلاح بوصفه شرطًا وجوديًّا، ويرفض أيّ تفاوض مباشر مع إسرائيل، ويرى في قرارات السّلطة "خطيئة كبرى" وتنازلًا مجانيًّا، جاء ردّ رئيس الجمهوريّة ليُحدث انعطافة حادّة نحو منطق "المحاسبة السّياسيّة". فقد اتّهم عون الحزب، من دون أن يسمّيه مباشرة، بجرّ البلاد إلى حربٍ من أجل أجندات غير لبنانيّة، من غزّة إلى إيران، ودافع في المقابل عن خيار التفاوض المباشر باعتباره الممرّ الإلزاميّ لإنقاذ ما تبقّى من البلد.

استحضر عون "اتفاق الهدنة للعام 1949" لا بوصفه فعل خيانة، بل معيارًا وطنيًّا يمكن القياس عليه في لحظة الانهيار. بهذا المعنى، لم يعد الخلاف حول تقنية تفاوضيّة، مباشرة أو غير مباشرة، بل صار صدامًا بين رؤيتين: الأولى ترى أنّ السلاح هو الضمانة الأخيرة، والثانية ترى أنّ احتكار القرار السياديّ شرط بقاء الدولة.

هذا الانقسام يضع اجتماع الأربعاء المقبل أمام تحدّيات مضاعفة، وقد يدفع القرار الرسميّ إلى شللٍ كامل. فالحزب يعتبر أنّ الحلّ يبدأ بخروج إسرائيل من النّقاط الخمس، ووقف العدوان، وعودة الأهالي، والإفراج عن الأسرى، وإعادة الإعمار. أمّا أركان السّلطة التنفيذيّة فيرون أنّ بلوغ هذه الأهداف لا يتحقّق إلّا عبر الدبلوماسيّة الدوليّة، والتفاوض المباشر أو المضمون دوليًّا. والمسافة بين الرهانين شاسعة إلى حدّ الانفجار.

 

نتنياهو يقرأ الانشقاق

في هذه المناخات، تبدو إسرائيل كأنّها التقطت إشارات التصدّع الداخليّ اللبنانيّ وقرّرت رفع وتيرة الاستثمار بالنار. فالضربة التي طالت البقاع، وهي الأولى من نوعها منذ اتفاق وقف النار الأخير، مثّلت تجاوزًا واضحًا لقواعد الاشتباك الهشّة، وانتقالًا محتملًا نحو توسيع بنك الأهداف خارج نطاق الجنوب.

بكلامٍ آخر، توظّف إسرائيل الارتباك اللبنانيّ لتتذرّع بـ"الضرب الاستباقيّ" في أيّ بقعة جغرافيّة، من الجنوب إلى البقاع، وربّما أبعد. وهذا يوحي بأنّ بنيامين نتنياهو يمهّد الأرض لفرض واقعٍ عسكريّ يجعل أيّ تفاوض لبنانيّ أقرب إلى عمليّة إذعان للأمر الواقع، مستغلًّا غياب موقف وطنيّ موحّد تطالب به العواصم المعنيّة، ولا سيّما فرنسا والسعوديّة وقطر ومصر.

الخطر الأشدّ أنّ هذا الاشتباك السياسيّ يتزامن مع ضغط اجتماعيّ هائل نتيجة موجات النزوح المتكرّرة، ومع بيئة داخليّة قابلة للاشتعال طائفيًّا ومذهبيًّا. والسؤال هنا لم يعد نظريًّا: هل تستطيع المظلّة السعوديّة، الأوروبيّة فرض تهدئة داخليّة قسريّة، أم أنّ لبنان يقترب من انقلابٍ في موازين القوى الداخليّة يبدأ مفعوله قبل أيّ لقاء محتمل في البيت الأبيض؟

 

عون يردّ: من ذهب إلى الحرب؟

ردّ رئيس الجمهوريّة جوزاف عون على الانتقادات التي لا تزال تُوجَّه إلى الدولة اللبنانيّة بشأن خيار التفاوض مع إسرائيل، رافعًا سقف مواقفه تجاه الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم من دون تسميته. وقال: "من جرّنا إلى الحرب يحاسبنا اليوم لأنّنا اتّخذنا قرار الذهاب إلى المفاوضات بحجّة عدم وجود إجماع وطنيّ. فهل عندما ذهبتم إلى الحرب حظيتم أوّلًا بالإجماع الوطنيّ؟".

وتحدّث عون أمام وفدٍ من حاصبيّا والعرقوب عن مسار المفاوضات، موضحًا أنّ لبنان أبلغ الجانب الأميركيّ، منذ اللحظة الأولى، أنّ وقف إطلاق النار هو خطوة أولى ضروريّة لأيّ مفاوضات لاحقة. وأشار إلى أنّ هذا الموقف تكرّر في الجلستين اللتين عُقدتا على مستوى السفراء في 14 و23 نيسان، كما ورد بوضوح في بيان الخارجيّة الأميركيّة بعد الجلسة الأولى، ولا سيّما في الفقرة التي نصّت على ألّا تقوم إسرائيل بأيّ عمليات عسكريّة هجوميّة ضد أهداف لبنانيّة، مدنيّة أو عسكريّة أو تابعة للدولة، برًّا وبحرًا وجوًّا.

وأكد عون أنّ هذا هو "الموقف الرسميّ للدولة اللبنانيّة"، وأنّ أيّ كلام آخر لا يغطّيه لبنان رسميًّا. وأضاف أنّ البعض بدأ، قبل انطلاق المفاوضات، بتوجيه سهام الانتقاد والتخوين والادّعاء بأنّ الدولة تذهب إلى المفاوضات مستسلمة، داعيًا هؤلاء إلى انتظار بدء المسار والحكم على نتيجته لا على افتراضاته.

وسأل رئيس الجمهوريّة: "إلى متى سيظلّ أبناء الجنوب يدفعون ثمن حروب الآخرين على أرضنا، وآخرها حرب إسناد غزّة وحرب إسناد إيران؟". وأضاف: "لو كانت الحرب تحصل من أجل لبنان، لكنّا أيّدناها، ولكن حين يكون هدف الحرب تحقيق مصلحة الآخرين، فأنا أرفض الحرب تمامًا". ثمّ ذهب أبعد في توصيفه، معتبرًا أنّ ما تقوم به الدولة "ليس خيانة"، بل إنّ الخيانة هي أن يأخذ طرفٌ بلده إلى الحرب تحقيقًا لمصالح خارجيّة.

 

قاسم: لا تفاوض ولا تخلّي عن السلاح

في المقابل، أعاد أمين عام حزب الله نعيم قاسم التأكيد أنّ المفاوضات المباشرة التي تقوم بها السّلطة ومخرجاتها "كأنّها غير موجودة بالنسبة إلينا"، مشدّدًا على أنّها "لا تعنينا من قريب ولا بعيد". وقال بوضوح: "لن نتخلّى عن السلاح والدفاع:.

وربط قاسم أيّ حلّ بتحصيل خمسة مطالب قبل أيّ مسار آخر: وقف العدوان برًّا وبحرًا وجوًّا، انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلّة، الإفراج عن الأسرى، عودة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم، وإعادة الإعمار. وطالب السّلطة "بالتراجع عن خطيئاتها الخطيرة"، معتبرًا أنّها مسؤولة عن وقف المفاوضات المباشرة مع "العدوّ الإسرائيليّ" والعودة إلى التفاوض غير المباشر، إضافة إلى إلغاء قرار 2 آذار الذي قال إنّه "يُجرّم المقاومة وشعبها".

ولم يخفِ قاسم البعد الإقليميّ في خطابه، إذ وجّه الشكر إلى إيران، معتبرًا أنّ وقف إطلاق النار "لم يكن ليحصل لولا الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة في محادثات باكستان"، بعد ما وصفه بـ"الصمود الأسطوريّ للمقاومة وشعبها في لبنان".

 

خطاب الحدّ الأقصى

في بيانه، قدّم قاسم سرديّة مواجهة شاملة مع إسرائيل والولايات المتّحدة، معتبرًا أنّ "إسرائيل راهنت بدعم من الطاغوت الأميركيّ على إنهاء حزب الله ومقاومته الإسلاميّة والجمهور الملتحم بالمقاومة". وأشار إلى أنّ الرهان المفصليّ كان في 2 آذار 2026، وأنّ الحزب واجهه بمعركة "العصف المأكول"، حيث فوجئ العدوّ، بحسب تعبيره، بصمود المقاومين وبسالتهم وإدارة المعركة والتفاف الناس حول المقاومة.

لكنّ الأخطر في كلامه كان توصيفه أداء السّلطة بأنّه "تنازل مجانيّ مذلّ"، وبأنّ مبرّره الوحيد "الإذعان بلا بدل". وقال: "نرفض التفاوض المباشر رفضًا قطعيًّا، وليعلم أصحاب السّلطة بأنّ أداءهم لن ينفع لبنان ولن ينفعهم، فما يريده العدوّ الإسرائيليّ، الأميركيّ منهم ليس بيدهم، وما تريدونه منه لن يمنحكم إيّاه".

بهذه اللغة، لم يترك قاسم مساحة رماديّة بين المقاومة والدولة. فإمّا أن تتراجع السّلطة عن مسارها، وإمّا أن تبقى، في نظر الحزب، سلطة "الجزء" لا سلطة الشعب. كما دعاها إلى العودة إلى "التوافق" الذي قام عليه اتفاق الطائف، وإلى متابعة حوار داخليّ يضع مصلحة لبنان فوق أيّ إملاءات خارجيّة.

 

الميدان يشتعل جنوبًا وبقاعًا

ميدانيًّا، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي أنّه بدأ "مهاجمة بنى تحتيّة تابعة لحزب الله في البقاع ومناطق في جنوب لبنان"، بالتزامن مع ما نقلته القناة 14 الإسرائيليّة عن نتنياهو من أنّ "وقف إطلاق النار مع لبنان هشٌّ جدًّا، ولا يمكننا المخاطرة".

ويأتي هذا التطوّر فيما يشهد الجنوب اللبنانيّ تصعيدًا عنيفًا ينذر بانهيار الهدنة. بل يمكن القول، استنادًا إلى اتّساع رقعة العدوان، إنّ وقف إطلاق النار قد انهار فعليًّا في الميدان، باستثناء بيروت والضاحية الجنوبيّة، على الرغم من التحليق الكثيف للطيران الحربيّ والمسيّر في سمائهما.

وتجاوز العدوان الإسرائيليّ ما تسمّيه إسرائيل "المنطقة الصفراء" التي تحتلّها، ليشمل بلدات شمال نهر الليطاني، وصولًا إلى حوش صور، زبقين، خربة سلم، السلطانيّة، السماعيّة، البازوريّة، حداثة وصفد البطيخ. وترافق التصعيد مع تفجير منازل ضمن الحزام الأمنيّ، وتوجيه إنذارات إلى سكّان قرى خارج جنوب الليطاني بمغادرتها، ما يعزّز المخاوف من توسيع هذا الحزام أو تحويل المنطقة إلى أرض محروقة ومهجورة.

 

صواريخ ورسائل متبادلة

في المقابل، اعتبر حزب الله أنّ استهدافه مواقع وتجمّعات إسرائيليّة هو "ردّ مشروع" على الخروقات المتواصلة لوقف إطلاق النار. وانتقد السّلطة اللبنانيّة، معتبرًا أنّها تقف "صامتة وعاجزة" فيما تنسف إسرائيل المنازل وتحرق الأخضر واليابس.

وأطلق الحزب صواريخ من جنوب لبنان باتجاه "إصبع الجليل"، حيث دوّت صفّارات الإنذار في مسغاف عام، منارا ومرغليوت. كما بثّ رسالة مصوّرة بالعربيّة والعبريّة إلى القيادة والجمهور في إسرائيل، توعّد فيها بإفشال أيّ محاولة لإقامة منطقة عازلة أو حزام أمنيّ على أنقاض القرى الحدوديّة. وجاء في الرسالة: "أيّ حزام أمنيّ، مهما كان عمقه، لن يمنع تفعيل قدراتنا عندما نقرّر ذلك".

في المقابل، فرضت قيادة الجبهة الداخليّة الإسرائيليّة قيودًا جديدة على التجمّعات في عدد من بلدات الجليل الأعلى بعد تقييم أمنيّ مرتبط بالصواريخ والمسيّرات، في إشارة إلى أنّ التصعيد لم يعد محصورًا بجغرافيا لبنانيّة، بل بات يضغط أيضًا على الداخل الإسرائيليّ.

الخلاصة أنّ لبنان يقف الآن أمام اشتباكٍ مزدوج: اشتباك مع إسرائيل بالنار، واشتباك داخليّ على تعريف السيادة. عون يريد دولة تفاوض باسم الجميع، وقاسم يريد مقاومة تقرّر باسم من يعتبرهم جمهورها وبيئتها وخطّها. بين الاثنين، يحاول نتنياهو أن يصطاد في الانشقاق اللبنانيّ، فيوسّع الضربات حينًا، ويفرض شروط النار حينًا آخر.

ما لم يُنتج الداخل اللبنانيّ موقفًا واحدًا، أو حدًّا أدنى من وحدة القرار، فإنّ أيّ تفاوض مقبل سيبدأ من نقطة ضعف. وما لم تُضبط النار الإسرائيليّة بضمانات دوليّة حقيقيّة، فإنّ الهدنة ستتحوّل إلى مجرّد استراحة بين جولتين. لبنان، في هذه اللحظة، لا يحتاج إلى انتصار خطاب على خطاب، بل إلى قرار يمنع سقوط الدولة بين حدَّي السلاح والإذعان.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث