السيادة ولوثة المقايضة!

زياد الصائغالاثنين 2026/04/27
Image-1777198926
الدِفاع عن اتفاقِ الطائفِ لا يعني تقديسَهُ (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لا تَظهَرُ الأزماتُ في لُبنانَ بوصفِها انقطاعاتٍ عابرةً في مسارِ الدولةِ، بل كحالاتٍ بنيويّةٍ تتراكَمُ حتى تُنتِجَ لوثاتٍ فكريّةً وسياسيّةً تُهدِّدُ جوهرَ الكيانِ. من أخطرِ هذه اللوثاتِ تلكَ التي تُقايِضُ السِّيادةَ بالنِّظامِ السّياسيِّ، فتُحوِّلُ مَسألةَ الحُكمِ من إطارٍ دستوريٍّ ناظمٍ إلى ساحةِ مساومةٍ مفتوحةٍ على حسابِ الدَّولةِ نفسِها. هكذا، لا تعودُ السِّيادةُ أصلًا مُؤسِّسًا، بل ورقةً تفاوضيّةً في بازارِ القوى، ما يُنذِرُ بانهيارِ المعنى قبلَ انهيارِ المؤسّساتِ.

 

إنَّ المُقايَضَةَ بينَ السِّيادةِ والنِّظامِ السّياسيِّ ليستْ طرحًا تقنيًّا أو اجتهادًا إصلاحيًّا، بل هيَ انزلاقٌ نحوَ إعادةِ تعريفِ لُبنانَ ككيانٍ مشروطٍ بإراداتٍ متعدِّدةٍ، لا كدولةٍ سيّدةٍ تحتكرُ القرارَ العامَّ ضمنَ مؤسّساتِها. في هذا السِّياقِ، تُطرَحُ أفكارُ الانتقالِ من المُناصفةِ إلى المُثالثةِ، لا بوصفِها تطويرًا للنِّظامِ، بل كمدخلٍ لإعادةِ توزيعِ موازينِ القُوّةِ خارجَ منطقِ الدُّستورِ. هذا ما يُحوِّلُ النِّقاشَ من مسارٍ إصلاحيٍّ إلى محاولةِ فرضِ وقائعَ سياسيّةٍ بقوّةِ الأمرِ الواقعِ.

لم تكنْ المُناصفةُ في لُبنانَ مجرّدَ آليّةِ تقاسمٍ للسُّلطةِ، بل كانَت تعبيرًا عن ميثاقٍ وطنيٍّ يُجسِّدُ الشَّراكةَ في الكيانِ. أمّا المُثالثةُ، كما تُطرَحُ اليومَ، فلا تأتي من منطقِ تطويرِ هذه الشَّراكةِ، بل من منطقِ إعادةِ تشكيلِها وفقَ موازينِ قُوّةٍ مُستجدّةٍ، أيضًا باعتبارِ أنَّ ثمَّة ما يستأهِلُ تعديلًا في الدّستور والميثاق. هذا الفارقُ جوهريٌّ، لأنَّهُ ينقلُ النِّظامَ من كونهِ انعكاسًا لتوافُقٍ وطنيٍّ إلى كونهِ نتيجةَ غلبةٍ سياسيّةٍ، أو مَكسَبٍ عن ابتِزاز، ما يُفقدُهُ شرعيّتَهُ الميثاقيّةَ.

 

الأخطرُ من ذلكَ، أنّ هذه المُقايَضَةَ تُرفَقُ بخِطابٍ يُروِّجُ لانتهاءِ صيغةِ لُبنانَ الميثاقيّةِ، والدَّعوةِ إلى صيغةٍ جديدةٍ. هذا الخطابُ لا يُخفي في طيّاتِهِ نزعةً تفكيكيّةً، إذ يُصوِّرُ الكيانَ كأنَّهُ تجربةٌ فاشلةٌ تحتاجُ إلى إعادةِ تأسيسٍ، بدلَ أن يُقارِبَ أزماتهِ كاختلالاتٍ في التَّطبيقِ. هنا يكمنُ الانحرافُ الكبيرُ، لأنَّ المشكلةَ في لُبنانَ لم تكنْ يومًا في النُّصوصِ بقدرِ ما كانتْ في تعطيلِها أو الالتفافِ عليها.

إنَّ الذَّهابَ إلى تعديلِ اتّفاقِ الطّائفِ في هذا السِّياقِ لا يمكنُ قراءتُهُ كمسارٍ إصلاحيٍّ بريءٍ، بل كمحاولةٍ لإعادةِ صياغةِ التَّوازناتِ الدَّاخليّةِ تحتَ ضغطِ الوقائعِ. إتّفاقُ الطّائفِ، بوصفِهِ الإطارَ الدُّستوريَّ النّاظمَ للحياةِ السّياسيّةِ، لا يُختَزَلُ في بنودٍ قابلةٍ للتَّعديلِ بمعزلٍ عن روحيّتِهِ. هذه الرّوحيّةُ تقومُ على إعادةِ بناءِ الدَّولةِ، وتعزيزِ مؤسّساتِها، وترسيخِ السِّيادةِ الكاملةِ، لا على تفكيكِها أو توزيعِها.

 

عليهِ، فإنَّ أيَّ حديثٍ عن تعديلِ إتفاق الطّائفِ قبلَ تطبيقِهِ الكاملِ مع سدِّ ثغراتِه يُشكِّلُ قفزًا فوقَ الأولويّاتِ الوطنيّةِ. إذ كيفَ يُصارُ إلى تعديلِ نصٍّ لم يُطبَّقْ أصلًا في جوانبِهِ الجوهريّةِ، كحصريَّة السِّلاح، وتعزيزِ اللّامركزيّةِ الإداريّةِ الموسَّعَة، والمادَّة 95، ومجلس الشيوخ، وقانون إنتِخابي عادِل، وقانون مدنيّ إختياري مُوَحَّد للأحوال الشخصيَّة. إنَّ هذا الحديث يُخفي في جوهرِهِ محاولةَ استبدالِ مسارِ الإصلاحِ بمسارِ إعادةِ التّقاسمِ، وهو ما يُعيدُ إنتاجَ الأزمةِ بدلَ حلِّها.

في هذا الإطارِ، تبدو المُقايَضَةُ ابتزازًا موصوفًا، لأنّها تضعُ السِّيادةَ في مواجهةِ النِّظامِ، بدلَ أن تجعلَ النِّظامَ في خدمةِ السِّيادةِ. السِّيادةُ ليستْ خيارًا تفاوضيًّا، بل هي شرطُ وجودِ الدَّولةِ. أيُّ نظامٍ سياسيٍّ لا يُؤمِّنُ هذا الشّرطَ يفقدُ شرعيّتَهُ، مهما كانتْ صيغتُهُ. من هنا، لا يمكنُ القبولُ بمنطقِ ربطِ استعادةِ السِّيادةِ بتعديلِ النِّظامِ، لأنَّ هذا الرّبطَ يُحوِّلُ القضيّةَ الوطنيّةَ إلى أداةِ ضغطٍ.

 

إنَّ الدِّفاعَ عن اتّفاقِ الطّائفِ لا يعني تقديسَهُ، بل التمسُّكَ بمنطِقِهِ الإصلاحيِّ. هذا الاتّفاقُ، رغمَ ثغراتِهِ، يُمثِّلُ إطارًا قابلًا للتَّطويرِ من داخلِهِ، لا للهدمِ من خارجِهِ. سدُّ الثّغراتِ فيهِ يقتضي إرادةً سياسيّةً صادقةً لتفعيلِ مؤسّساتِ الدَّولةِ، وتعزيزِ استقلاليّةِ القضاءِ، وإنهاء السِّلاحِ غير الشرعيّ، وإعادةِ الاعتبارِ لمفهومِ المواطنةِ.

ثُمَّ أنّ معالجةَ الثّغراتِ تستوجبُ مقاربةً تدريجيّةً تُعيدُ التَّوازنَ بينَ النُّصوصِ والتَّطبيقِ. الإصلاحُ الحقيقيُّ لا يُختَزَلُ في تعديلاتٍ دستوريّةٍ، بل يبدأُ بإعادةِ بناءِ الثِّقةِ بينَ الدَّولةِ والمجتمعِ. هذه الثِّقةُ لا تُستعادُ إلّا عبرَ سياساتٍ عامّةٍ تُجسِّدُ العدالةَ، وتُعزِّزُ الشّفافيّةَ، وتُؤمِّنُ تكافؤَ الفُرَصِ.

 

في هذا السِّياق، لا بدَّ من التَّأكيدِ أنّ السِّيادةَ في لُبنانَ ليستْ مسألةً داخليّةً فقط، بل ترتبطُ أيضًا بموقعِهِ في محيطِهِ الإقليميِّ والدُّوليِّ. هذا ما يفرضُ تحصينَ القرارِ الوطنيِّ من التَّجاذباتِ الخارجيّةِ، عبرَ تثبيتِ مرجعيّةِ الدَّولةِ ومؤسّساتِها. أيُّ انزلاقٍ نحوَ المُقايَضَةِ في هذا المجالِ يُضعِفُ قدرةَ لُبنانَ على التَّفاوضِ، ويُحوِّلُهُ إلى ساحةٍ بدلَ أن يكونَ دولةً.

خلاصةُ القولِ، إنَّ لوثَةَ المُقايَضَةِ بينَ السِّيادةِ والنِّظامِ السّياسيِّ تُشكِّلُ خطرًا وجوديًّا على لُبنانَ. التصدّي لها لا يكونُ برفضِ الطُّروحاتِ فقط، بل بإعادةِ تثبيتِ الأولويّاتِ الوطنيّةِ. هذه الأولويّاتُ تبدأُ بالسِّيادةِ الكاملةِ، وتَمرُّ بتطبيقِ اتّفاقِ الطّائفِ، وتصلُ إلى إصلاحِ الثّغراتِ من داخلِهِ، لا عبرَ القفزِ فوقَهُ.

لُبنانُ لا يحتاجُ إلى صيغةٍ جديدةٍ بقدرِ ما يحتاجُ إلى إرادةٍ جديدةٍ لتطبيقِ الصّيغةِ القائمةِ. الدُّستورُ، بما يُمثِّلُهُ من عقدٍ وطنيٍّ، يبقى المرجعيّةَ التي لا يجوزُ المساسُ بها إلّا ضمنَ منطقِ التطويرِ، لا التفكيكِ. وفي زمنِ التّحدّياتِ الكبرى، تبقى السِّيادةُ هي البوصلةَ، وكلُّ ما عداها تفاصيلُ تُقاسُ بمدى انسجامِها معها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث