ليس السؤال اليوم ما إذا كانت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة ستتصاعد، بل ما إذا كانت قد بلغت حدّها الأقصى. فحين يدخل الصراع فخّ التصعيد، ولا يعود الحسم ممكنًا من دون كلفة كارثية، تتحوّل التسوية -ولو مؤجلة- من خيار إلى ضرورة.
فخّ التصعيد وسقف الكلفة
للوهلة الأولى، يبدو أنَّ ما يجري اليوم بين الولايات المتحدة وإيران قابل للقياس على نماذج "المواجهات المجمّدة"، من الكوريتين إلى فيتنام، مرورًا بالحرب الأميركية في أفغانستان (2001–2020)، وصولًا إلى الحرب الروسية-الأوكرانية. لكن هذا القياس ينهار عند أول اختبار. ما نشهده ليس صراعًا يمكن تثبيته، بل مواجهة مفتوحة: قوة عظمى رفعت سقف المواجهة من دون ضمان الحسم، في مقابل قوة إقليمية تمتلك مفتاح تأثير كوني: مضيق هرمز. هنا، لا يعود ميزان القوى كافيًا، فالميزان الفعلي هو ميزان الكلفة.
أي تصعيد ضد إيران لا ينعكس عليها وحدها، بل على الاقتصاد العالمي، من هرمز إلى سائر ممرات الطاقة الحيوية. ولهذا وقعت واشنطن في فخّ تصعيدٍ تحاول ضبط سقفه، كي لا تتحوّل كلفته العالمية إلى عبء يفوق مكاسبه الإقليمية، فيما اقتربت طهران من موقع السيطرة عليه: رفع الكلفة دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
إيران: إدارة الاستنزاف
في المقابل، لا تدير طهران المواجهة كحرب تقليدية، بل كاستنزاف متعدد المستويات، يتجاوز الميدان إلى الاقتصاد والسياسة والزمن. هرمز ليس مجرد ورقة ضغط، بل أداة لإدخال العالم كلّه في كلفة المواجهة، والبحر مساحة اشتباك محسوبة، منخفضة الكلفة وعالية التأثير، فيما يشكّل الفضاء السيبراني والإعلامي امتدادًا مباشرًا للصراع. بهذا المعنى، تعيد طهران تعريف المواجهة: من حرب عسكرية إلى نظام ضغط متكامل، يتدرّج في التصعيد من دون أن ينفلت.
لكن الأهم أن هذه المواجهة لا تبقى خارجية، بل تمتد إلى الداخل الأميركي نفسه. فارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب الأسواق، وضغط سلاسل الإمداد، تتحوّل إلى عناصر ضغط سياسي داخلي، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات النصفية في تشرين الثاني، في ظل مؤشرات على تراجع شعبية الجمهوريين المؤيدين لترامب. هكذا يعود القرار العسكري ليُقاس ليس فقط بموازين القوة، بل أيضًا بحسابات الانتخابات والاقتصاد والرأي العام.
هنا يصبح الزمن عنصرًا حاسمًا. فطهران لا تراهن على ضربة فاصلة، بل على إطالة أمد التوتر، انطلاقًا من إدراكها أن خصمها لا يريد حربًا طويلة أصلًا، وأن أي مواجهة مفتوحة ستكون مكلفة وغير قابلة للحسم السريع. كل أسبوع إضافي من عدم الاستقرار ليس مجرد استمرار للصراع، بل إعادة توزيع للضغط داخل النظام الأميركي نفسه. الرهان، في جوهره، ليس على كسر عسكري مباشر، بل على كسر الإرادة.
إسرائيل ولبنان: كسر التوازن أو اختباره
لكن هذه المعادلة لا تُفهم من دون إدخال العامل الإسرائيلي كفاعل مستقل. فإسرائيل لا ترى في أي تسوية محتملة إلا خسارة استراتيجية، لأنها -بحكم توازن الكلفة- تميل لمصلحة طهران. لذلك، لا تكتفي بالضغط السياسي، بل تُبقي مسار التصعيد مفتوحًا، أو قابلًا لإعادة الاشتعال، في ظل خطاب تصعيدي يتجاوز أحيانًا الأهداف العسكرية إلى تهديدات أوسع. في حساباتها، لم تعد "المنطقة العازلة" في جنوب لبنان كافية، فيما مراكز الثقل الفعلية تتجاوزها جغرافيًا. ومن هنا، تبرز سيناريوهات عمليات مركّزة تطال البقاع والضاحية، لا لاحتواء التهديد، بل لإعادة فرض قواعد الاشتباك بالقوة. هنا، يتحوّل لبنان من ساحة إلى أداة.
لم يعد لبنان جبهة، بل أصبح مكان اختبار الصراع. فالاجتماع في البيت الأبيض بين سفيري لبنان وإسرائيل، بإشراف مباشر من الرئيس الأميركي، لم يكن تفصيلًا دبلوماسيًا، بل إشارة إلى انتقال الملف اللبناني إلى إدارة سياسية عليا، هدفها منع الانفجار وتزخيم المسار التفاوضي. لكن ما يجري يتجاوز ذلك. هناك مسار يُطبخ بهدوء، تشارك فيه واشنطن ودول إقليمية، وفي مقدّمها السعودية، يقوم على إنتاج "نجاح لبناني" محدود: ليس سلامًا، ولا تطبيعًا، بل ترتيبات أمنية تُنهي الحرب وتثبّت التهدئة. هذا هو الحدّ الممكن… وهو نفسه ما قد يُفجَّر.
فبينما تعمل واشنطن على تثبيت هذا المسار، تحتفظ إسرائيل بخيارات ميدانية لتقويضه. وأي تصعيد في العمق اللبناني لن يكون حدثًا موضعيًا، بل اختبارًا مباشرًا لقدرته على الصمود. لحظة واحدة تفصل المسارين: احتواء يفتح باب التسوية، أو تدحرج يعيد كل شيء إلى الصفر.
وأي تصعيد في البقاع أو الضاحية قد يستدعي ردًا يتجاوز الحدود اللبنانية، فيما قد يفتح استهداف العمق الإسرائيلي باب تدخل أوسع، ويعيد أي انخراط مباشر ربط الجبهة اللبنانية بمضيق هرمز. هنا، تسقط فكرة الجبهات المنفصلة، ويصبح الصراع مسارًا واحدًا، تتغذّى فيه الساحات بعضها من بعض.
ترامب: منطق الصفقة وحدوده
في المقابل، يعرّف دونالد ترامب الصراع بطريقة مختلفة. هو لا ينظر إليه كحرب يجب خوضها حتى النهاية، بل كأزمة يجب إدارتها للوصول إلى "صفقة"، ضمن منطق يفضّل الإنجاز السريع على الاستنزاف الطويل. أي أنه يسعى إلى تحقيق نتيجة سياسية قابلة للإعلان، لا إلى انتصار عسكري كامل. هذا ما يفسّر التناقض الظاهري في سلوكه: تصعيد في الخطاب… ومرونة في الممارسة. فبالنسبة إليه، الضغط العسكري وسيلة لفرض التفاوض، لا لاستبداله. لكن هذه المقاربة تصطدم بواقعين: خصم لا يبحث عن صفقة سريعة، وبيئة إقليمية لا تسمح بتثبيت نتائجها بسهولة.
هدنة قسرية… لا استقرار
في هذا السياق، يسقط خيار "تجميد الصراع". فما يبدو كـَ "وقف إطلاق نار"، ليس إلا نقطة توازن مؤقتة بين منطقين متعارضين: منطق إيراني يقوم على الاستنزاف والمطاولة، ومنطق أميركي -ترامبي- يقوم على الضغط السريع لإنتاج صفقة. هذه ليست هدنة مستقرة، بل هدنة قسرية، تعبير عن عجز مزدوج: عجز عن الحسم، وعجز عن الخروج. ولهذا، فإن ما يُسمّى "حربًا باردة" هنا، ليس خيارًا قابلًا للحياة، بل مرحلة مؤقتة بين اتجاهين: إما تسوية تُفرض… أو انفجار يُعيد تعريف الصراع.
لبنان نقطة الكسر
بعد كل ما سبق، لم يعد السؤال إن كانت التسوية ستأتي، بل أين ستُحسم أولًا. ففي مثل هذه اللحظات، لا تُصنع التسويات في مراكز القوة، بل في نقاط الضعف. ولهذا، لن تولد التسوية في هرمز، حيث الكلفة عالمية، بل في لبنان، حيث يمكن اختبارها… أو إسقاطها. لبنان هو المكان الذي ستُختبر فيه الحدود الفعلية للتصعيد: حدود إسرائيل، وحدود إيران، وحدود القدرة الأميركية على الضبط.
إما أن ينجح هذا الاختبار، فتُفرض التسوية، وإما أن يفشل، فيسبق الانفجار السياسة. فالهدنات هنا لا تُنهي الصراع… بل تؤجّله إلى ساحةٍ أخرى. السؤال لم يعد إن كانت التسوية ستأتي، بل: هل تصل قبل أن يفرضها انفجار يبدأ من لبنان… ويمتد إلى هرمز؟
لبنان، هذه المرّة، ليس على هامش التسوية… بل هو نقطة كسرها أو ولادتها.




