شنّ الطّيران الإسرائيليّ سلسلة غاراتٍ على مناطق عدّة في جنوب لبنان، طاولت دوّار كفرتبنيت، ومحيط بلدة شوكين، والمنطقة الواقعة بين زوطر وأرنون، وسط أنباءٍ عن سقوط إصابات.وأفادت معلومات ميدانيّة بأنّ غارةً عنيفة استهدفت المنطقة بين زوطر وأرنون، فيما طاولت غاراتٌ أخرى محيط حسينيّة ومسجد زوطر الشّرقيّة، بالتزامن مع حزامٍ ناريّ من أربع غارات استهدف منطقة برج قلاويه.
وترافقت الغارات مع حركة نزوحٍ كثيفة على أوتوستراد النّبطيّة، بعد الإنذارات الإسرائيليّة التي شملت عددًا من البلدات الجنوبيّة، وسط توتّرٍ ميدانيّ متصاعد وتحليقٍ كثيف للطّيران الإسرائيليّ في الأجواء.
وفي خضمّ التّصعيد، قال رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، في مستهل الجلسة الأسبوعية للحكومة، اليوم الأحد، إن "الانتهاكات التي يقوم بها حزب الله تقوّض عمليًا وقف إطلاق النار"، مضيفًا أن الجيش الإسرائيلي "يعمل في لبنان بقوة ويُحبط تهديدات فورية وأخرى تتشكل". وأضاف أن "الانطباع الذي يتكوّن وكأن الجيش لا يعمل هناك غير صحيح"، مشددًا على أن "الجيش يعمل، ويعمل بقوة"، على حد تعبيره، مجددًا ادعاءه بأن خروقات حزب الله "تقوض وقف إطلاق النار". وشدد نتنياهو على أن إسرائيل "تعمل بحزم وفق قواعد تم الاتفاق عليها مع واشنطن والحكومة اللبنانية"، في إشارة إلى تفاهمات في إطار المباحثات المباشرة التي ترعاها إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في واشنطن.
إنذاراتٌ بالإخلاء وحركة نزوح
وكان الجيش الإسرائيليّ قد وجّه إنذارًا عاجلًا إلى سكّان عددٍ من البلدات في جنوب لبنان، داعيًا إيّاهم إلى إخلاء منازلهم فورًا والابتعاد مسافةً لا تقلّ عن ألف متر خارج المناطق المحدّدة.
وشمل الإنذار بلدات ميفدون، شوكين، يحمر، أرنون، زوطر الشّرقيّة، زوطر الغربيّة، وكفرتبنيت. وقال الجيش الإسرائيليّ، في بيانه، إنّه "يضطرّ إلى العمل بقوّة" ضدّ "حزب الله"، في ضوء ما وصفه بخرق الحزب اتّفاق وقف إطلاق النّار، زاعمًا أنّه لا ينوي المسّ بالمدنيّين.
وفي السّياق نفسه، أفادت معلومات ميدانيّة بأنّ رئيس بلديّة أرنون تلقّى اتصالًا طُلب خلاله إخلاء البلدة، فيما وردت معلومات عن اتصال بالدّفاع المدنيّ التّابع لـ"جمعيّة الرّسالة للإسعاف الصّحّيّ" في زوطر الشّرقيّة، لطلب إخلاء البلدة أيضًا.
غاراتٌ على زوطر وكفرتبنيت وبرج قلاويه
وتعرّضت بلدة كفرتبنيت لغارةٍ إسرائيليّة، فيما استهدفت ثلاث غارات منطقة برج قلاويه. كما أفادت معلومات ميدانيّة بأنّ غارتين من مسيّراتٍ إسرائيليّة طاولتا بلدة زوطر الشّرقيّة، وسط معلوماتٍ عن وقوع إصابات.
وفي وقتٍ لاحق، شنّ الطّيران الحربيّ الإسرائيليّ غارةً على زوطر الشّرقيّة من دون تسجيل إصابات، وأخرى على زوطر الغربيّة من دون وقوع إصابات أيضًا. وتزامنت الغارات مع قصفٍ مدفعيّ استهدف البلدتين ومحيطهما، إضافةً إلى بلدة يحمر الشّقيف، فيما استهدفت غارةٌ من مسيّرة منطقة علي الطّاهر.
وفي زوطر الغربيّة، نجا فريق إسعاف تابع لـ"كشّافة الرّسالة الإسلاميّة" من شظايا غارةٍ إسرائيليّة استهدفت البلدة، من دون وقوع إصابات بين أفراد الطّاقم.
في المقابل، أفادت وسائل إعلامٍ إسرائيليّة بإصابة أربعة جنود إسرائيليّين بجروحٍ متفاوتة، في حادثٍ أمنيّ وقع جنوبيّ لبنان. كما أشارت تقارير إسرائيليّة إلى أنّ مروحيّات تابعة للجيش الإسرائيليّ نقلت جنودًا مصابين من جنوب لبنان إلى المستشفيات.
سلام: لا دولة إلّا بجيشٍ واحد
داخليًّا، أكّد رئيس الحكومة نواف سلام أنّ مشروع الحكومة هو بناء الدّولة، مشدّدًا على أنّه "لا دولة إلّا بجيشٍ واحدٍ وقانونٍ واحد". وقال سلام إنّه لا أحد فوق القانون، في تأكيدٍ على حصر سلطة الدّولة بمؤسّساتها الرّسميّة، وتطبيق القانون على الجميع من دون استثناء.
ووضعت التّطوّرات الميدانيّة الهدنة التي أعلنها الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب أمام اختبارٍ حقيقيّ، إذ بدت، في ضوء التصعيد الأخير، أقرب إلى "هدنةٍ نسبيّة" منها إلى وقفٍ كامل لإطلاق النّار، في ظلّ استمرار الحرب فعليًّا، ولو بوتيرةٍ ومساحةٍ جغرافيّة أضيق.
وجاء هذا التّصعيد بعد ليلةٍ شهدت فيها قرى وبلدات الجنوب اعتداءاتٍ إسرائيليّة لافتة، وسط تحليقٍ مكثّف للطّيران الحربيّ، وتنفيذ سلسلة غاراتٍ على عددٍ من البلدات الجنوبيّة.
كما يأتي ذلك بعد ساعاتٍ من إعلان مكتب نتنياهو أنّه أوعز إلى الجيش الإسرائيليّ بقصف أهدافٍ تابعة لـ"حزب الله" في لبنان "بقوّة"، في خطوةٍ من شأنها أن تفتح الباب أمام مخاوف من توسّع رقعة التّصعيد مجدّدًا.
شكوكٌ إسرائيليّة في جدوى الحرب
في المقابل، نقلت صحيفة "يسرائيل هيوم" عن مسؤولٍ إسرائيليّ رفيع إقراره بأنّه "لا حلّ عسكريًّا يمكنه منع قصف حزب الله لإسرائيل"، معتبرًا أنّ "اتّفاق وقف إطلاق النّار هو الحلّ الوحيد لإيقاف قصف الشّمال".
وبحسب ما نقلته الصّحيفة، أوضح المسؤول أنّ الكابينيت الأمنيّ والسّياسيّ لم يوعز إلى الجيش بالقضاء على القوّة العسكريّة لـ"حزب الله"، خلافًا لما نُشر في هذا الشّأن. وشدّد على أنّ نزع سلاح الحزب هو "الهدف الأعلى" لإسرائيل، من دون أن يعني ذلك، بالضّرورة، أنّ تحقيقه سيكون عبر الخيار العسكريّ.
وتشير هذه المعطيات إلى نقاشٍ داخليّ في تل أبيب حول حدود العمليّة العسكريّة وإمكاناتها، خصوصًا أنّ أيّ خططٍ للقضاء على "حزب الله" تبدو، وفق المسؤول نفسه، غير واقعيّة، نظرًا إلى ما تتطلّبه من زيادةٍ كبيرة في القوى البشريّة داخل الجيش الإسرائيليّ.
كما أقرّ المسؤول بأنّ إسرائيل "تشكّ" في وجود أيّ فائدةٍ عسكريّة من تجديد الحرب على "حزب الله"، في موقفٍ يعكس إدراكًا متزايدًا للكلفة المرتفعة لأيّ مواجهةٍ واسعة، مقابل عائدٍ عسكريّ غير مضمون.
الجيش الإسرائيليّ يوسّع تحذيراته
وصباحًا، وجّه الجيش الإسرائيليّ رسالةً عاجلة إلى سكّان جنوب لبنان، جدّد فيها تأكيده أنّه، خلال فترة اتّفاق وقف إطلاق النّار، يواصل تمركزه في مواقعه في الجنوب، في مواجهة ما وصفه بـ"النّشاطات المستمرّة لحزب الله".
وحذّر الجيش السكّان، "حرصًا على سلامتهم وسلامة عائلاتهم"، من التّحرّك جنوب خطّ القرى التي حدّدها ومحيطها، وذلك حتّى إشعارٍ آخر.
كما شدّد على عدم الاقتراب من منطقة نهر اللّيطاني ووادي الصّلحاني والسّلوقي، داعيًا إلى عدم العبور أو العودة إلى عددٍ من القرى والبلدات، بينها البيّاضة، شمع، طير حرفا، أبو شاش، الجبّين، النّاقورة، الظّهيرة، يارين، مروحين، راميا، بيت ليف، عيتا الشّعب، يارون، مارون الرّاس، بنت جبيل، عيناتا، كونين، عيترون، بليدا، ميس الجبل، حولا، مركبا، العديسة، كفركلّا، الطّيبة، دير سريان، القنطرة، الخيام، ومزرعة سردة.
وأكّد الجيش الإسرائيليّ أنّ هذه التّحذيرات تبقى سارية حتّى إشعارٍ آخر.
وفي حصيلةٍ ميدانيّة مفتوحة على مزيدٍ من التّطوّرات، نفّذ الطّيران الحربيّ الإسرائيليّ عشرات الغارات خلال يومٍ واحد، ما أسفر عن سقوط شهداء وجرحى، فيما ردّ "حزب الله" بهجماتٍ مضادّة، شملت استخدام طائراتٍ مسيّرة واستهداف آليّاتٍ عسكريّة إسرائيليّة في الجنوب، مؤكّدًا تحقيق إصاباتٍ مباشرة. وترافقت الغارات مع قصفٍ مدفعيّ طال مناطق عدّة، في مشهدٍ يُنذر بأنّ الهدنة تدخل مرحلةً شديدة الهشاشة.




