رغم الهدنة، استمرّ الجنوب مسرحًا للعدوان الإسرائيليّ. غارات، ومسيّرات فوق العاصمة، وشهداء بالجملة، بما يؤكّد أنّ الهدنة لا تسري على أهل الجنوب الذين ضاقوا ذرعًا بالنزوح، فقرّروا العودة إلى قراهم رغم الخوف الذي يطوّق يوميّاتهم. وليس واقع السياسة على حال أفضل، إذ استمرّ موضوع المفاوضات اللبنانيّة موضع سجال وأخذ وردّ، وبرز اليوم موقف دعم للفاوضات المباشرة أعلنه المجلس الشرعيّ الإسلاميّ الأعلى الذي اجتمع برئاسة مفتي الجمهوريّة الشيخ عبد اللطيف دريان، الذي أيد المفاوضات المباشرة ودعا للالتفاق إلى جانب الحكومة.
وكان الأخطر ما نقلته قناة إسرائيليّة عن احتمال عقد اجتماع لبنانيّ-إسرائيليّ في واشنطن، وسط صمت داخليّ رسميّ حيال التسريبات الإسرائيليّة المتكرّرة، والتسريبات الأميركيّة التي تحدّثت عن إصرار الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب على التقاط صورة تجمع رئيس الجمهوريّة جوزاف عون برئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو. وفي المواقف الخارجيّة، حضر لبنان في كلام المسؤول الإيرانيّ عن استمرار الاعتداءات الإسرائيليّة، كما حضر في موقف الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون الداعي إلى سلام يعيد إلى لبنان سيادته واستقراره. أمّا الحدث الأبرز، فجاء من سوريا، مع الزيارة التي قام بها رئيس الحزب التقدّميّ الاشتراكيّ السابق وليد جنبلاط إلى دمشق، حيث التقى الرئيس السوريّ أحمد الشرع، في توقيت إقليميّ مفتوح على إعادة ترتيب الحسابات.
يدخل لبنان مرحلةً سياسيّةً بالغة الحساسيّة، محكومًا بثلاثة ضغوط متزامنة: نار إسرائيليّة لا تتوقّف في الجنوب، هدنة هشّة تُدار تحت سقف الشروط الأميركيّة، وحراك عربيّ ودوليّ يسعى إلى منع الانهيار الداخليّ قبل انفجار الميدان. وبين هذه المسارات المتداخلة، يجد العهد والحكومة نفسيهما أمام امتحان صعب: كيف يمكن حماية الدولة من التفكّك، ووقف الاستباحة الإسرائيليّة، وإدارة ملفّ السلاح والتفاوض، من دون السقوط في صدام داخليّ أو عزلة خارجيّة؟
هدنة على الورق ونار على الأرض
ميدانيًّا، يتواصل العدوان الإسرائيليّ على لبنان، في خرق مستمرّ لاتّفاق وقف إطلاق النار، وسط تصعيد لافت في عدد من بلدات الجنوب، ولا سيّما يحمر الشقيف، مروحين، بنت جبيل، عيتا الشعب، الخيام، ودير عامص.
فالهدنة، كما يعيشها الجنوبيّون، لم تتحوّل إلى أمان، بل بقيت عنوانًا سياسيًّا معلّقًا فوق واقع ميدانيّ مشتعل. الغارات لا تتوقّف، المسيّرات لا تغيب عن السماء، وحركة النزوح والعودة تكشف مأزقًا إنسانيًّا عميقًا: الناس لم يعودوا قادرين على احتمال البقاء بعيدًا عن قراهم، لكنّ العودة نفسها صارت فعل مخاطرة يوميًّا.
ما يجري في الجنوب يتجاوز منطق الخروق التقليديّة. فإسرائيل، وفق الوقائع الميدانيّة، تتعامل مع الهدنة بوصفها مساحة لإعادة تشكيل الجغرافيا الأمنيّة، لا بوصفها التزامًا بوقف النار.
فالهدم الممنهج، واستهداف البنى السكنيّة، وتوسيع رقعة التدمير، كلّها مؤشّرات إلى محاولة فرض معادلة جديدة: جنوب منكوب، قرى مفرّغة، وبيئة شعبيّة مضغوطة، على أمل أن يتحوّل الألم الميدانيّ إلى ضغط سياسيّ داخليّ.
وهنا تكمن خطورة اللحظة. فكلّما تقدّمت الجرافات الإسرائيليّة على الأرض، تراجعت قدرة الدبلوماسيّة على إقناع اللبنانيّين بأنّ التفاوض قادر وحده على حماية الحدود والناس. وكلّما طال الصمت الرسميّ على الخروق، اتّسعت الفجوة بين خطاب الدولة وقدرتها الفعليّة على الردع.
واشنطن والصورة المطلوبة
بالتوازي، نقلت وسائل إعلام إسرائيليّة، من بينها القناة 15 الإسرائيليّة، عن مصادر قولها إنّ الاجتماع اللبنانيّ، الإسرائيليّ قد يُعقد في 11 أيّار المقبل. وذكرت أنّ رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو سيزور واشنطن منتصف أيّار المقبل، للمشاركة في لقاء مع رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة جوزاف عون.
وبحسب القناة، فإنّ اللقاء المرتقب بين نتنياهو وعون في واشنطن يبقى مشروطًا باستمرار الهدنة، في إشارة واضحة إلى أنّ المسار السياسيّ لا ينفصل عن حرارة الميدان، ولا عن قدرة واشنطن على ضبط الإيقاع بين ضغوط إسرائيل وحسابات الداخل اللبنانيّ.
ويأتي ذلك وسط صمت لبنانيّ رسميّ حيال التسريبات الإسرائيليّة المتكرّرة، والتسريبات الأميركيّة التي تتحدّث عن رغبة ترامب في التقاط صورة تجمع عون بنتنياهو، بما يتيح له تقديم المشهد باعتباره اختراقًا سياسيًّا وانتصارًا شخصيًّا على طريقته.
غير أنّ الصورة، بالنسبة إلى لبنان، ليست تفصيلًا بروتوكوليًّا. فأيّ لقاء لبنانيّ، إسرائيليّ، ولو تحت مظلّة أميركيّة، سيطرح أسئلة سياسيّة ودستوريّة وشعبيّة شديدة الحساسيّة، خصوصًا في ظلّ استمرار العدوان على الجنوب، وغياب أيّ ضمانة واضحة لوقف الاستباحة الإسرائيليّة.
المجلس الشرعيّ: الطائف سقف الدولة
داخليًّا، برز موقف المجلس الشرعيّ الإسلاميّ الأعلى، الذي أكّد تمسّكه باتّفاق الطائف وتطبيقه نصًّا وروحًا، باعتباره المرجعيّة الدستوريّة الضامنة للاستقرار ووحدة لبنان.
وشدّد المجلس، بعد اجتماع برئاسة مفتي الجمهوريّة الشيخ عبد اللطيف دريان، على دعم المفاوضات الدبلوماسيّة لإنهاء الحرب، مع التأكيد على صلاحيّات رئيس الجمهوريّة في هذا الملفّ وفق الدستور.
وأدان المجلس الاعتداءات الإسرائيليّة و"سياسة الأرض المحروقة"، داعيًا إلى التمسّك بالوحدة الوطنيّة ورفض الخطاب التحريضيّ. كما دعا إلى الامتناع عن التعرّض لرئاسة الحكومة أو التطاول على رئيسها، محذّرًا من الخطاب التصعيديّ والتخوينيّ، لما يشكّله من تهديد للأمن الوطنيّ وهيبة الدولة.
وأكد المجلس دعمه قرارات الحكومة، وتعزيز دور الجيش، وبسط سلطة الدولة، مطالبًا بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلّة. كما أعلن تأييده إعلان بيروت مدينةً خاليةً من السلاح، مع تعزيز الوجود الأمنيّ فيها.
رسالة المجلس تبدو مزدوجة: حماية موقع رئاسة الحكومة من الحملات السياسيّة، وتثبيت الطائف كخطّ أحمر في مرحلة قد تُفتح فيها ملفّات السيادة والسلاح والتفاوض على مصراعيها.
عون وسلام في نفق الأسابيع الثلاثة
سياسيًّا، دخل لبنان الرسميّ، بقيادة رئيس الجمهوريّة جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، ما يمكن وصفه بـ"نفق الأسابيع الثلاثة" التي منحها الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب كمساحة اختبار لقدرة الدولة اللبنانيّة على اجتراح معجزة سياسيّة.
المهمّة اليوم تكاد تكون مستحيلة، إذ يُطلب من السلطة التوفيق بين ثلاثة مسارات متصادمة: إرضاء واشنطن، ردع إسرائيل، وإقناع حزب الله. وكلّ مسار من هذه المسارات يحمل كلفة داخليّة وخارجيّة ثقيلة.
فإرضاء ترامب يمرّ، وفق المناخات الأميركيّة، عبر القبول بمنطق التفاوض المباشر أو شبه المباشر، وربّما لقاء لبنانيّ، إسرائيليّ في واشنطن. وهذا، بالنسبة إلى جزء كبير من اللبنانيّين، ليس مجرّد خطوة دبلوماسيّة، بل كسر لمحظور تاريخيّ يمسّ السرديّة السياسيّة للبنان تجاه إسرائيل.
أمّا ردع نتنياهو، فيبدو أكثر تعقيدًا. ففيما يتحرّك الدبلوماسيّون بين العواصم، تواصل الجرّافات الإسرائيليّة والآلة العسكريّة تغيير معالم الجنوب ضمن ما تسمّيه إسرائيل "الخطّ الأصفر". والسؤال اللبنانيّ المركزيّ هو: كيف يمكن تحويل الهدنة السياسيّة إلى كبح ميدانيّ حقيقيّ يمنع إسرائيل من استكمال مشروع "الأرض المحروقة"؟
ويبقى المستحيل الثالث هو إقناع حزب الله بتنازلات في ملفّ السلاح أو التفاوض. فالحزب، ومعه رئيس مجلس النواب نبيه برّي، يرفضان أيّ مسار مباشر مع إسرائيل، ويريان في أيّ تنازل تحت النار خطرًا استراتيجيًّا وسياسيًّا. وبذلك، تتحوّل محاولات ترميم التوافق الداخليّ إلى سباق مع الوقت، فيما الاستحقاق لا يحتمل أنصاف الحلول.
جنبلاط في دمشق: قراءة مبكرة للتحوّلات
في هذا المناخ، جاءت زيارة رئيس الحزب التقدّميّ الاشتراكيّ السابق وليد جنبلاط إلى سوريا، برفقة النائب هادي أبو الحسن، حيث التقيا الرئيس السوريّ أحمد الشرع في دمشق.
وبحسب معلومات "المدن"، ركّز اللقاء على تعزيز التنسيق اللبنانيّ، السوريّ، وتطوير العلاقات بين البلدين، إضافةً إلى البحث في تطوّرات المنطقة وسبل التنسيق بين الحكومتين، حفاظًا على لبنان وسوريا معًا في مواجهة المخاطر المحدقة.
وتكتسب الزيارة دلالة سياسيّة خاصّة، إذ تأتي في لحظة يتقدّم فيها الملفّ اللبنانيّ على أكثر من خطّ إقليميّ، من الجنوب المشتعل، إلى ملفّ النازحين، وصولًا إلى إعادة ترتيب العلاقات اللبنانيّة، السوريّة ضمن سقف أمنيّ وسياسيّ أكثر واقعيّة.
فالزيارة، بما تحمله من رمزيّة سياسيّة، توحي بأنّ جنبلاط يقرأ مبكرًا تبدّل موازين المنطقة، ويحاول التموضع عند نقطة تقاطع بين الحاجة اللبنانيّة إلى التنسيق مع دمشق، وبين الضرورة الداخليّة لعدم فتح سجالات إضافيّة حول هذا المسار.
طهران وإسلام آباد: لبنان في قلب الاشتباك
إقليميًّا، أعلنت وزارة الخارجيّة الإيرانيّة أنّ وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي شرح، خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستانيّ شهباز شريف، موقف إيران من وقف إطلاق النار وانتهاء الحرب.
وأوضحت الخارجيّة أنّ عراقجي أشار إلى استمرار الاعتداءات الإسرائيليّة على لبنان، مشيدةً باهتمام الحكومة الباكستانيّة بتنفيذ اتّفاق وقف إطلاق النار في لبنان.
ويؤكّد هذا الحضور اللبنانيّ في المحادثات الإقليميّة أنّ الساحة اللبنانيّة لم تعد تفصيلًا منفصلًا عن الاشتباك الأوسع في المنطقة، بل تحوّلت إلى إحدى نقاط الاختبار بين مشروع التهدئة واحتمالات التصعيد.
بهذا المعنى، لم يعد لبنان مجرّد بلد يتلقّى نتائج التسويات، بل صار ساحة تُقاس عبرها جدّيّة اللاعبين في إنتاج تهدئة قابلة للحياة، أو ترك المنطقة تنزلق مجدّدًا إلى مواجهة أوسع.
باريس تدفع نحو الدولة
في الموقف الفرنسيّ، دعا الرئيس إيمانويل ماكرون إلى إرساء سلام في لبنان، بما يتيح لهذا البلد استعادة سيادته واستقراره. وأكّد دعم فرنسا للحكومة اللبنانيّة والجيش اللبنانيّ، بهدف تمكين الدولة من بسط سلطتها على كامل أراضيها، بما في ذلك ملفّ نزع سلاح حزب الله.
كما شدّد ماكرون على ضرورة الحفاظ على وقف إطلاق النار، بما في ذلك في لبنان، وعلى إعادة فتح مضيق هرمز بالوسائل السلميّة.
ويعكس الموقف الفرنسيّ محاولة باريس تثبيت نفسها رافعةً أوروبيّة أساسيّة في الملفّ اللبنانيّ، من بوّابة دعم المؤسّسات الشرعيّة، وربط الاستقرار الداخليّ بمسار أوسع من التهدئة الإقليميّة.
لكنّ الرسالة الفرنسيّة تحمل أيضًا مضمونًا سياسيًّا لا لبس فيه: لا استقرار طويلًا من دون دولة، ولا دولة مكتملة من دون جيش يمتلك القرار الأمنيّ النهائيّ على كامل الأراضي اللبنانيّة.
السعوديّة تتحرّك: تبريد الجبهات الداخليّة
واستمرت لقاءات الموفد السعوديّ يزيد بن فرحان الذي اجتمع مع عدد من النواب ورؤساء الأحزاب السياسية. وترى مصادر سياسيّة أنّ الزيارة قد تفتح الباب أمام تحرّكات إضافيّة لتخفيف التوتّر، ولا سيّما على خطوط سياسيّة حسّاسة، من بينها العلاقة بين معراب وعين التينة.
وبين نار الجنوب وضغط واشنطن، وبين اعتراض حزب الله وحركة الرياض، يقف لبنان أمام معادلة شديدة القسوة: لا يستطيع الذهاب بعيدًا في التفاوض من دون غطاء داخليّ، ولا يستطيع البقاء خارج المسار الأميركيّ من دون خسارة المظلّة الدوليّة، ولا يستطيع ترك إسرائيل تستبيح الجنوب من دون أن يفقد ما تبقّى من هيبة الدولة.




