عن شيعيّة سياسيَّة عربية-إقليمية

أحمد جابرالسبت 2026/04/25
Image-1777028763
ستظل معارك المذهبيات الفئوية خاسرة في ديارها (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

الحديث عن شيعيّة سياسيّة عربيّة على المستوى العربي، حديث جديد، والمصطلح هذا ما كان وارداً في السنين الأطول من عمر الكيانية العربية. لقد ساد التعريف بالشيعة كمواطنين في بلادهم، وما خلا لبنان، صاحب البنية "المختلفة" عن سائر البنيات العربية، ما كان ممكناً الكلام عن كتلة مذهبية شيعية ذات توجه سياسي محدد بكلمات، وبمطالب وبحركة سياسية واضحة. 

 

بناءً عليه، يمكن قراءة هذه الشيعية التي طفرت مذهبيتها بعد حقبات من الكمون، قراءة استرجاعية تاريخية، ضمن الأطر الكيانية التي تبلورت فيها، ومن ضمن السياقات المجتمعية والأهلية الخاصة بكل كيانية عربية. إذن، القول بعمومية شيعية سياسية، أي القول بطموح سياسي يتجاوز المدار الوطني المحلي هو الجديد. وهذا الأخير لا يلغي الوقائع المجتمعية المجحفة أو المنصفة، التي عرفتها الكتل الشيعية، مثلما لا ينفي أنماطاً من حركاتها الاحتجاجية. لكن كل ذلك ظلَّ مرتبطاً بالتعريف الوطني، أي الداخلي، لكل فئة شيعية عربية على حدة. زد على ذلك، أن مرجعية "الوطنية" الشيعية كانت أوطانها، لذلك كانت لوائح مطالبها مرفوعة إلى المعنيين في هذه الأوطان، وهذا كان يعني المطالبة بمساواة في الدولة، وبالاستفادة العادلة من توزيع مغانمها، ولم يكن في الأمر خروجاً على الدولة بل كان طلباً للانضمام إلى سياقها، حيث كانت بعض الدلائل والمؤشرات والوقائع تفيد باستبعاد هذه الكتلة المذهبية عن مجرى انتظام السياق، فكانت تفسر استبعادها الجزئي أو الواسع، تفسيراً مذهبياً. وهذا الأمر في حد ذاته، أضاف عامل احتقان فئوي إلى عوامل الاحتقان المجتمعية والأهلية، التي كانت تعتمل في البنى العربية المختلفة.

من العوامل التي دفعت إلى بلورة شيعية سياسية عربية في السنوات الأخيرة، يبرز عاملان مهمان، أحدهما بنيوي عربي داخلي، والثاني إقليمي خارجي، ومن تضافر هذين العاملين المهمين، مع سواهما من العوامل، طفا على السطح مظهر انشقاق شيعي سياسي، داخل البنى الأهلية المحلية، وامتد ليعقد "تفاهماته الوجدانية" وقراءته عن "المظلومية" التاريخية، مع من يشاركه القراءة والوجدان ذاتهما.

 

ارتبط المأزق البنيوي العربي بفشل المشروع القومي العام، فشله السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، فكانت الحصيلة أن كل النزعات والمنازعات التي سُجنت قي قمقم القولبة القسرية والقهرية، أفلتت، من قيودها حالما بدأت جدران القمقم بالتشقق وبالتصدع، وانطلقت "الهويات" الموروثة، مسلّحة بثقافتها الخاصة وبتواريخها الاحترابية، لتعمل كلام الهدم والبعثرة في كل المنظومة الانتظامية العربية، التي حاولت انسجاماً واندماجاً على طريقتها، فما أدركت لا هذا ولا ذاك.

بالتزامن مع بروز أزمة العامل العربي، الذي كان واحداً من عوامل بروز اللغة الشيعية السياسية الخاصة، برز العامل الإيراني بعد نجاح الثورة الإسلامية ضد نظام الشاه، وقد ساعد الخطاب الاعتراضي الذي أعلنته الثورة على مدّ الجسور، ليس مع الشيعية السياسية المحلية فحسب، بل هو دغدغ الآمال القومية لشرائح عربية واسعة، بعد أن كانت هذه قد أصيبت بالخيبة، خصوصاً في موضوع القضية الفلسطينية. لقد تصرّف النظام الإيراني الجديد تصرفاً شعارياً وأتقن مقوماته، خصوصاً في المجال القومي، ولم يكن قليل الحجة في المجال الإسلامي، لذلك استطاع في الحقبة الأولى من عمره أن يستقطب حلفاء له، حتى أثناء قتاله ضد العراق، البلد العربي الذي كان بالنسبة للقوميين العرب، القاعدة الخلفية المتينة لدول الطوق التي تحاذي فلسطين.

 

مع الممارسة الإعلامية والإعلانية والشعارية، سعى النظام الإيراني إلى بناء ركائز داخلية في الدول الواقعة في جواره، وفي الدول البعيدة، مادة الركائز كانت من أبناء الفئة الواحدة؛ أي من الكتلة الشيعية التي عمل النظام الإيراني على نقل مرجعيتها الوطنية إليه، فبات بالنسبة إليها "النموذج المركز"، الذي يجب الأخذ بتوجيهاته، والدفاع عن سياساته، وذلك في محاكاة للنموذج السوفياتي السابق، الذي كانت له أحزابه الشيوعية المختلفة، وفي تشبّهٍ مع الولايات المتحدة الأميركية، التي دعمت وساندت وبنت أنظمة قوية تابعة لها، خصوصاً في حقبة الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي. لقد أفلحت السياسة الإيرانية في تقديم مكاسبها السياسية كمكاسب للشيعية السياسية المحلية، ولمجموع "الشيعيات" السياسية العربية وغير العربية، وهي، أي السياسة، نجحت أيضاً في تقديم "تطورها" التسليحي، التكتيكي والاستراتيجي، كنجاح وكضمانة لكل الشيعيّات التي تقول قولها، وتتولى مشاركتها في أفعالها، وفي امتداد ذلك، بات النصر الإيراني العام، نصراً خاصاً لكل شيعية سياسية بعينها.

 

عند هذه النقطة، نقطة التماهي مع القراءات الإيرانية لموقع إيران ولنفوذها وللأنجع من سياساتها، بدأ الافتراق مع المحليّات الوطنية التي ترى ذواتها مهدَّدَة بطفرة فئوياتها، وبدأ التباعد بين الوطنيات العربية، المفترقة داخلياً، وبين العامل الإيراني الذي صار تأكيد نجاحه في ميادين سياساته، نفياً لسياسات عربية وإفشالاً لها، وبمقدار ما بَدَتْ العصبيّة الإيرانية، المشحونة بمذهبيتها، عصيّة ومتماسكة، بَدَتْ العصبيات العربية الأخرى، الممتلئة بكل موروثاتها في موقع الدفاع عن تماسكها. مفارقة تاريخية تواجه الناظر إلى الوقائع: تأكيد الوجود الطافر في مكان، هو نفي للوجود الذي يرفض أن يكون ضامراً في مكان آخر، أما المواجهة فتدور فوق رقعة جغرافية واسعة، وأما الأسلحة ففيها من سلاح التاريخ الغابر الكثير.

العودة السريعة إلى شيءٍ من ماضي الشيعيّة السياسية، القريب، ضروريٌّ في لحظة الحرب الحالية التي تشكل إيران أحد طرفيها. إيران "الثورة" التي أسَّسَتْ شيعيّاً خلال حقبات، تَوارَتْ خلف مرتكزات نفوذها "الشيعية" التي بَنَتْها داخل عدد من الشيعيّات الوطنية المحليّة. لقد ساعد الظرف الدولي إيران على التواري، فغُضَّ الطرف عنها، وصُوّب على "أذرعها"، في العراق وفي لبنان وفي اليمن.

كان ذلك شأن الأميركي وحليفه الإسرائيلي، فكانت الحرب التي تتوالى فصولاً اليوم. قراءة عابرة لمعنى الخارجي مع إيران، توجّه العناية إلى ملاحظة أنه وفي أصل تسهيل النفوذ الإيراني، كانت الخطة الاستراتيجية الأميركية، وأنه في أصل التشدّد الحالي، كان وما زال هدف إعادة إيران الدولة إلى حجمها، أي إلى قولبة اندراجها ضمن سياق الانتظام "الدولي" العام، الذي تسعى الولايات المتحدة إلى رئاسة "مجلس قيادته".

 

ويبقى السؤال: من هنا، أي من الحاضر، إلى أين؟ ما اجتمع من معلومات ومن معطيات، يشير إلى أن الحرب مع رأس "الشيعيّة" السياسية، ذات لونين متداخلين: أحدهما صناعة فوز متداخل للأميركي وللإيراني، بحيث يُتاح لكل منهما إعلان انتصاره على طريقته، وثانيهما تمويه فشل بلوغ الحد الأقصى من الأهداف، لدى الإيراني ولدى الأميركي، بحيث يستطيع كل منهما إشاحة الانتباه عن عُقْمِ مغامرته الحربية.

ربطاً بالمشهد الدولي، حيث الشيعيّة المركزية، بقيادتها الإيرانية، ماذا عن الشيعيّات السياسية العربية، واللبنانية؟ باختصار، ستظلّ معارك المذهبيّات الفئوية خاسرة في ديارها، وخاسرة خارج الديار، لأنها في موقع الأطراف التابعة، التي لا تملك استقلالية قرارها، ولا تنتبه بعمق، إلى ما تمليه عليها المحليّة الوطنية من واجبات.

هكذا تظلّ الخسارة الحقيقية، خسارة وطنية عامة، وهكذا تظل الفئويات شريكاً مضارباً، ينتفع من العائد العام، وقليلاً ما يكترثُ بخسارات الأوطان.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث