ما حصل في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض، برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، هو دفع أميركي كما وصفه ترامب لتحقيق السلام اللبناني–الإسرائيلي، وقد حرص على تغليفها بشكل مثير للاهتمام، محاطاً بكل فريق عمله الدبلوماسي، مثل نائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ومستشار وزارة الخارجية مايكل نيدهام، وسفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى، وسفير الولايات المتحدة في إسرائيل مايك هاكابي.
المشهدية الكبيرة "ليست تفصيلاً بسيطاً"، كما وصفها مصدر دبلوماسي أميركي، إذ تقصّد ترامب أن يوجّه رسالة إلى كل دول العالم، وخصوصاً إيران و"حزب الله"، بأنه يولي هذه المفاوضات أهمية قصوى، بل جرت داخل أروقة البيت الأبيض، تحت نظره وإشرافه المباشر، وأعطاها دفعاً قوياً لتشجيع لبنان وإسرائيل على المضي فيها قدماً، عبر رفع مستوى التمثيل في الجولات التفاوضية المقبلة ساعياً إلى لقاء يجمع بين رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
لكن المعطيات المتوافرة من واشنطن تشير إلى تحديات كبيرة، وتصميم ترامب الواضح على التوصّل إلى معاهدة سلام بين الدولتين قد يواجه صعوبات كبيرة، وأهمها سلاح "حزب الله" المدعوم إيرانياً على نحو واضح. وهذا ما تدركه الإدارة الأميركية جيداً، لذلك تركزت الجولة الثانية من المفاوضات على دور هذا السلاح وضرورة التخلّص منه، والسبل الآيلة إلى تحقيق ذلك.
ترامب وفصل مسار لبنان عن إيران
ويلفت المصدر الدبلوماسي إلى أنه، رغم عدم حماسة إسرائيل حيال وقف إطلاق النار، فرض ترامب تمديده ثلاثة أسابيع، بالتناغم مع الجهود العربية عموماً والسعودية خصوصاً، التي عملت على الخط نفسه عبر الأمير يزيد بن فرحان. وحتماً بالنسبة إلى المصادر الدبلوماسية، لا علاقة للمفاوضات الإيرانية–الأميركية بهذا الموضوع، كما يسوّق "الحزب"، فترامب "حرص على الفصل بين المسارين منذ انطلاقة الجولة الأولى من المفاوضات. وفترة وقف إطلاق النار الممدّدة تعني الكثير، أي ثلاثة أسابيع، لتأمين أجواء مناسبة للمفاوضات التي ستصبح على وتيرة أسرع وأكثر انسجاماً مع تطلعات ترامب وأهدافه التي ينشد فيها تحقيق "إنجاز تاريخي بين لبنان وإسرائيل".
ويؤكد الدبلوماسي أن "كلام ترامب عن دعم واشنطن للبنان، بغية تمكينه من حماية نفسه من "حزب الله"، ليس مجرد كلام للاستهلاك، فهو وضع المفاوضات في غرفة العناية الفائقة، وكل محاولة من "الحزب" للانقلاب على هذا المسار شعبياً وميدانياً، أو حتى عسكرياً ضد الحكومة اللبنانية، ستتم مواجهتها من الولايات المتحدة عبر تقديم كل مساعدة ممكنة للجيش اللبناني، كي يقمع أي هجوم محتمل لـ"الحزب" بإيعاز إيراني.
من جهة أخرى، قد لا يكون مستغرباً أن يندفع "الحزب" لفتح النار أكثر جنوباً، وهو يكرر أنه معني بتحرير الأرض المحتلة، وقد يحاول قلب المشهد عبر الذهاب إلى الحرب مع إسرائيل ونسف كل ما يحصل من مفاوضات، وفق الدبلوماسي الأميركي. لذلك تستجيب إسرائيل لوقف إطلاق النار، رغم علمها بالخطر الذي لا يزال يمثّله "الحزب" بصواريخه وسلاحه وعلاقته العضوية بالنظام الإيراني.
وكشفت معطيات من مصادر مقرّبة من البيت الأبيض أن الجانب اللبناني طالب في المفاوضات بأن تتوقف إسرائيل عن تفجير المنازل والقرى والبلدات، وقد بدا الأمر مقنعاً للدبلوماسيين الأميركيين المشاركين فيها، لكن الجانب الإسرائيلي ربط ذلك بالاستراتيجية العسكرية وبمنع عناصر "الحزب" من العودة إلى هذه المناطق تحت غطاء "الأهالي". وطمأن الإسرائيليون بأنه لا خطر على استعادة الدولة اللبنانية للأراضي المحتلة في الجنوب، إذا تم نزع سلاح "الحزب" وبسط الجيش اللبناني سيطرته على كامل الأراضي اللبنانية.
الإعمار مقابل السلاح
ووعد الجانب الإسرائيلي بالالتزام بوقف إطلاق النار ثلاثة أسابيع، إلا إذا اضطر إلى ما يسميه "الدفاع عن نفسه" من تحركات "الحزب" وهجماته، وتسهيل عودة النازحين القاطنين خارج الحزام الأمني.
في المقابل، أعطى ترامب انطباعاً بمساعدة الدولة اللبنانية في إعادة الإعمار إذا أقدمت على مزيد من الخطوات نحو السلام، وفق المعطيات، وحتى إنشاء منطقة اقتصادية بين لبنان وإسرائيل كوسيلة لتحقيق الازدهار لسكان القرى الحدودية، بدلاً من جعلهم يعتمدون على "الحزب". علماً أن لدى لبنان الرسمي خوفاً من أن تصبح هذه المنطقة الاقتصادية أشبه بآلية لإسرائيل لفرز المواطنين اللبنانيين الذين يُسمح لهم بدخول الأراضي اللبنانية ذات السيادة.
ويؤكد الدبلوماسي الأميركي أن ما يحصل من مفاوضات بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي يسير عكس مشروع "الحزب"، فهو يريد ربط الجبهة الجنوبية اللبنانية بالصراع الأميركي–الإسرائيلي مع إيران. ويُعدّ توحيد الجبهتين جزءاً لا يتجزأ من الفكر الأمني القومي الإيراني. وهدف "الحزب" أن يصل، عبر مفاوضات إسلام آباد، إلى اتفاق مماثل لما يُسمّى بـ"تفاهم نيسان" لعام 1996، والذي بموجبه يُحصر الصراع في جنوب لبنان جغرافياً في المناطق التي تحتلها إسرائيل، والتي تواصل مهاجمة ما تسميه أهداف "الحزب" كيفما تشاء. من شأن ذلك أن يعيد تعريف قواعد الاشتباك مع إسرائيل، بينما يواصل "الحزب" استنزافها في المناطق المحتلة، وهو يحاول بالفعل إرساء مثل هذه القواعد من خلال ردود محدودة على الهجمات الإسرائيلية.
ويعتبر الدبلوماسي أن المفاوضات قد لا تسير وفق إيقاع ترامب السريع، لأن الحكومة اللبنانية لا تريد الوقوع في فخ تقديم تنازلات مجانية لإسرائيل، الأمر الذي لن يخدم إلا "الحزب" وأهدافه. لافتاً إلى أن الجانب اللبناني سيركّز في الجولات اللاحقة من المفاوضات على انسحاب إسرائيل من الجنوب، للمضي قدماً في مزيد من خطوات التقارب نحو السلام، لأن استمرار احتلال إسرائيل لمنطقة أمنية في الجنوب سيمنح "الحزب" شريان حياة آخر، يسمح له بإعادة تعريف نفسه كحركة مقاومة ضد إسرائيل التوسعية الاستيطانية.
لكن الدبلوماسي يرى في ذلك مكمن العقدة في المفاوضات، فالجانب الإسرائيلي يشترط نزع سلاح "الحزب" قبل الانسحاب من الجنوب، وبالتالي قد تنسف هذه العقدة المفاوضات برمّتها إذا لم ينجح الراعي الأميركي في حلّها.
الوفد المفاوض على مستوى وزير الخارجية
ولا تخفي معطيات موثوقة مقرّبة من البيت الأبيض أن الإدارة الأميركية تفضّل رفع مستوى التمثيل في الفريق التفاوضي اللبناني إلى مستوى وزير الخارجية يوسف رجّي، لكن ذلك من شأنه أن يثير نقمة "الثنائي الشيعي" في لبنان أكثر. مع ذلك، لن تكون هذه الخطوة مستغربة إذا ضغط الأميركيون على الدولة اللبنانية لتحقيقها، وفق نظرية ترامب التدرّجية نحو لقاء عون–نتنياهو بعد ثلاثة أسابيع.
واللافت أن المعطيات المتوافرة من أجواء البيت الأبيض لا تخفي حذرها من إمكانية انتكاس وقف إطلاق النار، لأن قرار الحرب لا يزال في يد "الحزب" المرتبط بإيران. وإذا اختارت الولايات المتحدة الحل العسكري مع إيران، سيعود "الحزب" إلى الانخراط بقوة في المعركة، ما قد يستتبع رداً إسرائيلياً كبيراً، فتنهار الهدنة، وهذا الأمر ليس مستبعداً.
لذلك، يرى الدبلوماسي الأميركي أن الإدارة الأميركية تريد من الحكومة اللبنانية تنفيذ قراراتها بسرعة نحو حصر سلاح "الحزب"، وتطالبها بتغييرات في صفوف الضباط في المؤسسة العسكرية، وصولاً إلى قائد الجيش رودولف هيكل، الذي تُطرح حوله علامات استفهام عدة.
وما لا يبشّر بالخير هو ما شهدته اجتماعات الكونغرس منذ أيام، إذ طالب نواب جمهوريون أميركيون كثر بربط تمويل الجيش اللبناني بنزع سلاح "حزب الله"، وهم يسعون إلى فرض قيود وشروط، وخصوصاً أن ورقة التمويل في يد الكونغرس وليست بيد الإدارة الأميركية. لذلك يلفت الدبلوماسي إلى أنه على السلطات اللبنانية التعامل مع هذا الأمر بجدية، واتخاذ خطوات تنفيذية في مسألة حصر سلاح "الحزب"، لأن الخطر داهم، ولا يمكن للجيش اللبناني أن يستمر من دون تمويل، فالكثير من أعضاء الحزب الجمهوري يشعرون بالملل من سماع وعود الجيش اللبناني بنزع سلاح "الحزب" من دون القيام بالخطوات الصعبة لتحقيق ذلك.
ويعدّد الدبلوماسي ما يطالب به الكونغرس كشرط لتقديم المساعدات، وهو إصلاحات من قبل الحكومة اللبنانية، وقد دعا صندوق النقد الدولي إلى عدد منها، وأهمها إصلاح القطاع المصرفي الذي يخلق مساحة كبيرة تمكّن "الحزب" من الحفاظ على نفوذه. ويشير إلى أن العيون الأميركية تركّز على الرئيس نبيه بري، الذي يدرك ما يريده الأميركيون، وعلى مدى الأعوام الفائتة كان هناك حديث متكرر عن فرض عقوبات عليه وعلى الأشخاص الذين يعرقلون مسار الإصلاحات، لذلك لن يكون مفاجئاً أن نشهد تحركات في هذا الاتجاه.
لا بديل عن المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل لدى الإدارة الأميركية، والأولوية الآن هي لنزع سلاح "الحزب"، بل هو البند الأول في المفاوضات بعد الاتفاق على تمديد وقف إطلاق النار، ثم يأتي بعده انسحاب إسرائيل من الجنوب، وبعدها ترسيم الحدود وصولاً إلى اتفاقيات المياه.




