تحريم أو قبول: انقسام لبناني حول تجريم التواصل مع إسرائيل

نغم ربيعالسبت 2026/04/25
Image-1777102752
وأخرج التصريح إلى العلن انقسامًا عميقًا بين شارعٍ يرفض بشكل قاطع، وآخر يتردد أو يحاول مقاربة المسألة من زاوية مختلفة
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يكن تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول العمل على إلغاء قانون تجريم التواصل مع إسرائيل حدثًا عابرًا في السياق اللبناني، بل جاء كشرارة فجّرت المشهد دفعة واحدة، كمن نكأ جرحًا لم يلتئم أصلًا. أصاب التصريح واحدة من أكثر النقاط حساسية في الوعي السياسي والاجتماعي، فحرك انقسامًا كامنًا وفتح نقاشاً حول مفاهيم العداء والتطبيع وحدود الممكن في بلدٍ يقوم على توازنات هشة. 

وأخرج التصريح إلى العلن انقسامًا عميقًا بين شارعٍ يرفض بشكل قاطع، وآخر يتردد أو يحاول مقاربة المسألة من زاوية مختلفة، فيما يختار كثيرون الصمت اتقاءً لكلفة الموقف.

 

حساسية الموضوع: الصمت قبل الموقف

قبل الانقسام، برزت ظاهرة لافتة: التردد. كثيرون امتنعوا عن الإدلاء بآرائهم، لا لأنهم بلا موقف، بل لأن كلفة التعبير مرتفعة. الخوف لم يكن فقط سياسيًا، بل شخصيًا أيضًا: من لديهم أبناء في الخارج، من يسافرون باستمرار، أو من يخشون أن يُساء تفسير كلامهم في بيئة مشحونة أصلًا. هنا، يصبح الصمت أيضا موقفًا بحد ذاته، يعكس حجم التعقيد الذي يحيط بأي نقاش يتعلق بإسرائيل في لبنان.

 

جبهة الرفض: ثبات على سردية العداء

في المقابل، عبّر جزء واسع من الشارع عن رفض قاطع، يستند إلى تراكم تاريخي وسياسي وعاطفي. تظهر هذه المواقف بوصفها امتدادًا لسردية راسخة: إسرائيل كعدو وجودي، لا يمكن التعامل معها أو إعادة تعريف العلاقة معها خارج إطار الصراع.

تتكرر في هذا السياق عبارات من قبيل: رفض المساس بالدستور، التمسك بثنائية العداء والمواجهة، واعتبار أي محاولة لفتح هذا الملف بمثابة تهديد للثوابت الوطنية.
هذه المواقف لا تُبنى على السياسة فقط ، بل على ذاكرة جماعية مثقلة بالحروب، والاعتداءات، وتجارب النزوح والدمار، ما يجعل من فكرة "التواصل" بحد ذاتها مرفوضة أخلاقيًا قبل أن تكون مرفوضة قانونيًا.

علي حريري، يقول "يحاولون تغيير القانون اللبناني، لكنهم لن يستطيعوا. نحن نرفض ذلك رفضًا قاطعًا". ويضيف موسى، مقاطعًا: "فشر".

أما دياب صوّان، فيؤكد: "إسرائيل عدوّتنا منذ البداية، وهي ستبقى كذلك. لا شرعية لها لا في فلسطين ولا في لبنان".

ويذهب أبو قاسم أبعد في موقفه، مستحضرًا سردية ممتدة: "منذ صغرنا ونحن نعلم أنهم يسعون إلى فرض دولتهم الكبرى بالقوة. هم معتادون على الدمار وسفك الدماء. لا أمان لهم، ولا يمكن الوثوق بهم. لذلك، من الطبيعي أن نرفض أي شكل من أشكال التواصل معهم".

إلى جانب الرفض، برزت فئة اختارت التخفيف من حدّة النقاش، أو التشكيك في جدّيته أصلًا. يقول فرانسوا: "تصريحات ترامب متقلّبة، يقول أمرًا في الصباح ويناقضه في المساء. أصابنا بالجنون".

 

أصوات مغايرة: الواقعية السياسية وحدودها

في الجهة المقابلة، ظهرت أصواتٌ أقلوية، لكنها دالّة، تدعو إلى مقاربة مختلفة للمسألة. هذه الفئة لا تنطلق بالضرورة من قبولٍ بإسرائيل، بقدر ما تستند إلى منطقٍ براغماتي: إذا كانت الوقائع الإقليمية تتغيّر، فلماذا يبقى لبنان خارج أي نقاش؟

يطرح بعضهم فكرة "الحوار دون التطبيع" كخيارٍ وسيط، هدفه حماية الداخل، لا سيّما الجنوب الذي دفع أثمانًا باهظة. فيما يستحضر آخرون تجارب دولية تحولت فيها علاقات عداء تاريخي إلى تحالفات، في إشارة إلى أن السياسة لا تُبنى على الثوابت وحدها، بل على المصالح أيضًا.

في هذا السياق، يقول نبيل حنّا: "إذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإن الأزمة ستطول. ربما ينبغي فتح باب الحوار، ولكن من دون الانخراط في علاقات اقتصادية. الهدف هو حماية الجنوب وأهله، لا أكثر"، قبل أن يتساءل: "هل إسرائيل شيطان؟".

ويذهب غسان نوار إلى مقارنة تاريخية أوسع، قائلًا: "في الحرب العالمية الثانية قُتل ملايين، ومع ذلك أصبحت الدول المتحاربة اليوم ضمن تحالفات كحلف الناتو. فأين الخطأ في التواصل؟".

غير أن هذه الطروحات، على محدوديتها، تصطدم سريعًا بواقع داخلي معقد. فلبنان، المنقسم طائفيًا وسياسيًا، لا يمكنه اتخاذ قرار بحجم "السلام" أو حتى "التواصل" من دون حدّ أدنى من التوافق الشامل. يختصر جوزاف غفري هذا المأزق بقوله: "لبنان لا يمكنه أن يكون سبّاقًا في هذا المجال. نحن بلد متعدد الطوائف ومنقسم سياسيًا. لا يمكن اتخاذ قرار بهذا الحجم في ظل رفض جزء كبير من اللبنانيين. أي خطوة كهذه قد تؤدي إلى تفجير داخلي. وإذا كان لا بدّ من سلام، فيجب أن يكون شاملًا على مستوى المنطقة".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث